روايات

ابن ضرتي حكايات زهرة حصري

في الليلة دي، حسيت إنها نهايتي. البنات كانوا نايمين في أوضتهم، وجوزي نايم في الصالة من كثر التعب والحزن. قعدت على السجادة، وحاولت أصلي… بس كل ما أقول الله أكبر، أحس بنغزة في قلبي كأن حد بيغرس خنـ,ـجر، ولساني يتقل ومقدرش أكمل الفاتحة. السحر نجاسه، والنـ,ـجاسة مانعاني حتى من الوقوف بين إيدين ربنا. بكيت بكاء عمر مفيش بني آدم بكاه. قعدت أفتكر بناتي… سارة الكبيره اللي فاضلها سنة وتتخرج، وجنا ونور الصغيرين… يا ترى هيحصل فيهم إيه لما أمـ,ـوت بالمـ,ـيتة الشنـ,ـيعة دي؟ ويا ترى الناس هتقول إيه لما ينكشف سري؟

الساعة كانت جات تلاتة بعد نص الليل، الصمت كان قـ,ـاتل، والوجع بقى مش محتمل. حسيت بحركة سريعة جوه بطني، كأن حاجة بتقطع في مصاريني من جوه. ما قدرتش أستحمل، خرجت أتسحب على أطراف صوابعي ورحت لأوضة بناتي. فتحت الباب بالراحة وبصيت عليهم وهم نايمين زي الملائكة. دموعي نزلت مغرقة وشي. قعدت جنب سارة ومسكت إيدها بالراحة، ووطيت بـ,ـاست رأسها. قولت في سري سامحيني يا بنتي… أمكم كانت جاهلة، أمكم باعت آخرتها عشان شوية فلوس وورث فاضي، وسابت الشيطان يركب دماغها لحد ما دمر البيت ودمر نفسه.

وفجأة… سمعت صوت صريخ جاي من الصالة! جريت على بره وأنا بجر رجليا بالعافية. لقيت جوزي قاعد في الصالة ومسك راسه بين إيديه وبيصرخ. ضرتي خرجت من أوضتها هي كمان وهي مبهوتة. جوزي كان باصص للأرض وبيقول برعب أحمد… أحمد واقف هناك! أحمد يناديني! بصيت ناحية المكان اللي بيشاور عليه… مكنش فيه حد، بس ريحة المـ,ـوت والتعـ,ـفن اللي طالعة مني كانت مالية الصالة. ضرتي قربت مني وفجأة وقفت ومسكت مناخيرها وهي بتبص لبطني ورجليا.

أنا كنت بنـ,ـزف دـ,ـم أسود ومية لزجة مالية الأرض تحت جلابيتي. الشاش اتفك، والريحة بقت لا تطاق. ضرتي بصلتي بعيون واسعة من الخوف وقالت إيه ده؟ إيه الريحة دي يا أم سارة؟ وإيه اللي بينزل منك ده؟ حاولت أرجع لورا وأنا بغطي بطني مفيش… أنا مريضة. .. ابعدوا عني! بس جوزي قام وقف فجأة، وعينيه كانت زايغة، قرب مني وزق إيدي عن بطني. الجلابية كانت مبلولة وممزقة من كثر التعفن. شاف الصرة وشاف الحاجات السودا اللي بتتحرك فيها.

جوزي اترمى لورا ورجليه خبطت في الترابيزة إيه ده؟! أنتي فيكي إيه؟ ده مش مرض! ده عمل… ده سحر! في اللحظة دي، ضرتي صرخت صرخة هزت أركان البيت، ووقعت على الأرض وهي بتتفحص وشي. بصتلي وقالت بصوت مكسور ومصدوم أنتي… أنتي اللي عملتي في ابني؟ أنتي اللي قـ,ـتلتيه؟! أنا ملقيتش كلام أقوله. لساني اتربط، ودموعي كانت بتنزل بس من غير صوت. اعترفت بصمتي. اعترفت بهروبي وبنظراتي اللي كانت مليانة غل.

جوزي قام وقف زي المجنون، وشه تحول للون الأحمر، ومسكني من رقبتي وهو بيصرخ قـ,ـتلتيه؟! قتـ,ـلت حتة مني عشان الوكالة؟ عشان الفلوس؟! يا كافرة! يا ظالمة! أنا مكنتش بقاوم، كنت حاسة إن كل ضـ,ـربة أو صرخة منه هي جزء بسيط من العقاب اللي أستاهله. بس الوجع اللي في بطني كان أشد من إيده اللي خنقاني. في اللحظة دي، فتحة الصرة اتقطعت أكتر، وخرج منها سائل أسود بكثافة غريبة، ووقعت على الأرض وأنا بصرخ من ألم ميتوصفش.

جوزي سابني ورجع لورا وهو حاطط إيده على وشه من القـ,ـرف والرعـ,ـب، وضرتي قعدت في الزاوية تبكي وتدعي عليا ربنا يجعلك في كل خطوة جهنم! ربنا لا يسامحك ولا يرحمك يا شيخة! بناتي صحوا على الصريخ وخرجوا من الأوضة. شافوا أبوهن بيصرخ، وأمهم مرمية على الأرض في وسط بقعة دم وسوائل سودا ريحتها تمـ,ـوت، وضرتي بتبكي بحـ,ـرقة. سارة جرت عليا وهي بتصرخ ماما! مالك يا ماما؟ إيه اللي بيحصل هنا؟!

صرخت فيها بأعلى صوت فاضل فيا ابعدي عني يا سارة! أوعي تقربيلي يا بنتي! أمكم ملـ,ـعونة… أمكم عملت السحر وأكلته لنفسها! ابعدوا عني عشان متتئذوش! البنات قعدوا يبكوا ويصرخوا من الصدمة، وجوزي مسكهم وطردهم بره الشقة وهو بيقولهم أمكم مش بني آدمة! أمكم قـ,ـتلت أخوكم بسحرها الأسود! فضلت مرمية على أرض الصالة، مش قادرة أتحرك. السائل الأسود كان بيخرج من جسمي بغزارة، وحسيت كأن روحي بتتطلب بالبطيء، مش مـ,ـوت عادي… ده كان تآكل روحي وجسدي.

جوزي ساب البيت واخد البنات وضرتي وخرجوا، وقفل الباب عليا من بره. سبني في الظلمة والتعـ,ـفن أواجه مصيري لوحدي. قعدت بالساعات مرمية على الأرض، بين الحياة والمـ,ـوت. كل حلي ودبشي ودهبي اللي حوشته طول عمري مكنش ليه أي قيمة. الوكالة والعمارة والأرض اللي كنت خايفة عليهم يروحوا من بناتي، بقوا مجرد تراب. خسرت جوزي، وخسرت بناتي، وخسرت دنيتي وأخرتي… عشان خاطر الغيرة والغل. دلوقتي، أنا قاعدة في ظلمة الأوضة، الوجع بيقطع في أحشائي، والريحة بقت ملازماني كأنها كفني. بكتب الكلمات دي بإيد بتترعش، وكل نقطة دـ,ـم بتنزل مني بتفكرني إن ربنا عادل، وإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

يا كل واحدة يدخل قلبها الغـ,ـل، ويا كل واحدة يفكر الشـ,ـيطان يلعب بدماغها عشان شوية متاع زائل من الدنيا… اوعي تخسري آخرتك، اوعي تفتكري إن السحر أو الشر هيجيبلك حقك. الشر بيرجع لصاحبه، والذنب بياكل صاحبه من جوه قبل ما يوصل للناس. أنا دلوقتي بستنى المـ,ـوت، بس المرعب مش المـ,ـوت… المرعب هو الوقوف قدام ربنا وإيداي متلوثة بدم طفل بريء، وروح مقتولة بغل وحقد. ربنا يسامحني… لو كان فاضل في العمر لحظة للمغفرة.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى