روايات

زوجه في الظل

حطيت القلم بالراحة على المكتب، سندت ضهري على الكرسي الجلد، ورفعت عيني وبصيت لها بنظرة باردة تخلي الدم يتجمد في العروق.. وابتسمت. ابتسامة هادية وواسعة كأنها حكت نكتة لطيفة مش أكتر. ضحكت ضحكة مكتومة، وقولتلها بصوت واطي ومفيش فيه ذرة انفعال:«خلصتي يا رانيا؟ ولا لسه في تفاصيل تانية عن فيلا المعادي والولدين؟ تحبي أقولك أنا أساميهم كمان؟ ولا أقولك بيصحوا يروحوا مدرسة إيه بمصاريف الشركة؟

»وشها اتسحب منه الدم فجأة، وبؤبؤ عينها وسع كأن جردل مية ساقعة ادلق عليها، خطت خطوة لورا وريتها وقفت وهي بتتلعثم:«إنتِ… إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ عارفة؟!»قومت وقفت بكل هيبتي، قربت منها لحد ما بقيت على بُعد سنتيمترات من وشها، وبصيت في عينيها بمنتهى الاستحقار وقولتلها:«أنا عارفة من أول يوم يا حبيبتي.. عارفة من أول ورقة اتسحبت من حسابات الشركة لمؤخرك، وعارفة من أول أسبوع روحتوا فيه الفيلا. وماتفتكريش إنك غفلتيني ثانية واحدة طوال السنين دي، ده أنا اللي سايباكي بمزاجي».

بلعت ريقها بالعافية وهي مذهولة ومصدومة، شفايفها بتترعش ومش مستوعبة:«عارفة كل ده وساكتة؟ ! ليه؟ عشان بتحبيه؟! عشان خايفة على منظرك؟! ما تواجهيه! واجهيه واطلقي وخليه يكتب لي كل حاجة رسمي!»قربت من ودنها وهمست بنبرة تشبه لسعة التلج:«أواجهه عشان أريحك؟ أواجهه عشان تدخلي تدوسي في بيتي برجلين تقيلة وتاخدي وضع الزوجة الرسمية والكل يعرف؟ لا يا رانيا.. إنتِ فهمك على قدك أوي. أنا عاجبني وضعك كده، ومش هغيره! عاجبني إنك تفضلي في الضلمة، جارية في السر، تدخلي وتخرجي زي الحرامية، ولما تعوزي تقفي قصادي تقفي مطاطية راسك وانتي بتقدميلي فنجان القهوة كأنك خدامة عندي!

عاجبني إنك كل ما تبصي في المراية تشوفي ست ملهاش وجود ولا كرامة ولا حتى اسم يشرف قدام الناس. . مستحيل أديكي شرف إنك تقفي ند بند معايا، إنتِ مكانك تحت، وهتفضلي تحت».سكتت لحظة وبصيت لها من فوق لتحت بابتسامة خبيثة كملت بيها:«ودلوقتي.. لو ما رجعتيش على مكتبك ونضفتي الورق اللي سايباه وراكي، هتلاقي ورقة تانية بتتسلم لمرتضى بس من نوع مختلف خالص، ساعتها بقى مش هيخسرني أنا.. هيخسر الشغل والفلوس اللي بتصرف على الفيلا بتاعتك، وساعتها هنشوف هيختارك إنتِ وولادك ولا هيختار الفلوس والواجهة. يلا.. اطلعي واقفي ورا الباب، وشوفي وراكي إيه زي أي سكرتيرة محترمة مستنية قبضها».

وقفت رانيا مشدوهة ثواني، كأن عقلها رافض يستوعب كمية البرود والسيطرة اللي بكلمها بيهم. الغيظ عمى عينيها، ولقت نفسها بتلجأ لآخر كارت محروق في إيدها عشان تحاول تهزني، فرفعت دقنها لفوق بعنجهية مصطنعة وصوتها علي بنبرة وقحة:«إنتِ مريضة! إنتِ معندكيش كرامة أصلاً! أي ست مكانك كان زمانها وطردته برة حياتها، لكن إنتِ قابلة على نفسك تعيشي مع راجل بينام في ح.ضن واحدة تانية ومخلف منها!

ليه؟ عشان الفلوس والمنظر؟ مرتضى بيحبني أنا.. بيمو.ت في التراب اللي بمشي عليه، وإنتِ مجرد واجهة باردة مفيش راجل يقدر يطيقها!» ضحكت..ضحكة رنت في أركان المكتب، مش ضحكة وجع، دي ضحكة شفقة حقيقية على الغباء اللي قدامي. قربت منها خطوة بهدوء، وحطيت إيدي في وسطى وأنا ببصلها بكل استخفاف:«ما يحبك يا حبيبتي.. أثبتي بس مكانك وماتتنططيش أوي كده!

الحب ده تاكلي بيه عيش في الروايات والمسلسلات الهابطة اللي شبهك، مش في بيزنس وحسابات بنوك. هو يعني أول راجل ولا آخر راجل يشوفله واحدة رخيصة على جنب يجدد بيها شبابه؟ أنا سايباه يعيشله يومين ويفرفش، يدوق طعم النزوة الرخيصة ويشبع منها، بس في الآخر؟ الراجل مابيرميش نفسه ولا بيته الأصلي عشان خاطر ورقة عرفي مستخبية في درج المكتب». ملامحها بدأت تتلوى بعدم فهم، فقطعت عليها أي محاولة للكلام وكملت بض.ربتي القاضية:«وبعدين إنتِ فاكرة نفسك إيه؟

فاكرة إنك كسبتي الجولة عشان قاعدة في فيلا بالمعادي وعيالك بيلعبوا في جنينتها؟ فوقي يا روح مامي من الوهم اللي إنتِ عايشة فيه.. إنتِ هتخرجي من المولد ده كله بلا حمص! الفيلا اللي مصدعة دماغي بيها مش باسمك، ولا حتى باسم مرتضى لوحده.. دي متسجلة باسم شركة الاستشارات اللي ليا فيها النصيب الأكبر بالتوكيلات والعقود الرسمية، والعربية اللي بتركبيها ملك الشركة، والملاليم اللي بتتحول لحسابك شهرياً بتتسجل عهدة ومصاريف إدارية تحت إيدي أنا».

بصيت لرجفة شفايفها ووشها اللي اتخ.طف منه الدم للمرة التانية، وكملت وأنا بشاور بصباعي في وشها بصرامة:«يعني بجرة قلم واحدة مني، وفي الوقت اللي أحدده بمزاجي، هقفلك الحنفية، والفيلا دي إنتِ وعيالك هتترموا برة بوابتها على الرصيف، ومش هيكون حيلتك غير الشنطة اللي دخلتي بيها.. وساعتها بقى وريني حب مرتضى هينفعك بإيه لما يلاقيكِ بتغرقيه معاه في المحاكم والديون، الراجل أول ما بيتحط بين فلوسه واسمه في السوق وبين الست اللي في الدرى.

. بيدوس على الست بالجزمة عشان ينجى بنفسه!». رجعت لورا خطوة، وريقي كان هادي وصوتي رجع لنبرته الجافة الخالية من أي مشاعر:«ودلوقتي.. وشك للباب واخرجي على مكتبك فوراً، ونادي على البوفيه عشان يشيلوا القهوة، لأن كلامك سد نفسي». خرجت رانيا من مكتبي وهي بتجر رجليها، مذهولة ومضروبة في مق.تل، كأنها كانت متخيلة إنها داخلة تحط النقط على الحروف، فطلعت تكتشف إن الحروف أصلاً مكتوبة بحبر رخيص وممسوح.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى