روايات

مرات المدير

بصيت ليوسف منتظرة أي كلمة منه، أي رد اعتبار لشغلي على الأقل! بس يوسف شبك صوابعه في بعض وقال بنبرة رسمية وجافة خالية من أي مشاعر:— “زي ما صفا هانم قالتلك كده.. صفا هتمسك الإدارة دي من النهاردة بحكم إنها شريكة في الشركة، وأنتِ هتكوني المساعدة بتاعتها الفترة دي لحد ما تراجعوا الملفات سوا وتفهم كل النقط.””المساعدة بتاعتها؟!”.. الكلمة عملت صفير في ودني. حسيت بالدم بيغلي في عروقي. بصيت له وضاغط على إيدي بالملفات لحد ما صوابعي ابيضت. كنت عايزة أصرخ في وشه وأقوله: “أنا مراتك! أنت إزاي هان عليك تعمل فيا كده؟

تهينني في بيتك وفي شغلي وفي كرامتي؟!”صفا لاحظت سكوتي وقربت خدت الأوراق من إيدي بعنجهية وقالت وهي بتقلب فيها بقلة ذوق:— “تمام أوي.. سيبيهم بقى، ولو احتجتك في حاجة هخلي السكرتيرة تناديلك.. معلش بقى يا يوسف يا حبيبي، محتاجة أراجع دول في مكتبي، تشرب معايا قهوة عقبال ما أخلص؟”يوسف ابتسم لها بمرونة غريبة، نفس الابتسامة اللي كان بيبتسمهالي زمان في الضلمة، وقالها:— “أكيد طبعاً، يالا بينا.”وقام وقف معاها، وعدوا هم الاتنين من جمبي وكأني خيال مآتة، هواء ملوش وجود! صفا كانت بتضحك وهي ماشية جنبه، وهو كان بيبصلي بلمحة تحذيرية ثانية قبل ما يقفل الباب وراهم.

وقفت في نص المكتب لوحدي.. المكان كان فاضي وبارد. مسحت دمعة هربت من عيني بسرعة، وأخدت نفس عميق.. بس المرادي، الدمعة دي ما كانتش دمعة انكسار، كانت آخر دمعة ضعف تنزل مني على يوسف. طلعت من مكتبه ومشيت بثبات غريب ناحية مكتبي. الوجع اللي في قلبي اتحول لحجر، والكسرة اتجمعت وتصلبت وبقت غضب. يوسف فاكر إنه ماسكني من إيدي اللي بتوجعني، فاكر إن تهديده ليا بشغلي وبسكوتي هيخليني أستسلم وأرضى أكون الضحية.

قعدت على الكرسي وبصيت للكمبيوتر قدامي.. مسكت تليفوني وإيدي ثابتة المرة دي مش بتترعش، وفتحت القائمة.. وبدأت أدوّر على الرقم الوحيد اللي كنت فاكرة إني مش هحتاجه أبداً. مسكت شنطتي وحاجاتي الخاصة في هدوء تام، ويوسف كان واقف في نص المكتب بيبصلي بذهول، مش مستوعب التغيير المفاجئ اللي حصل في رد فعلي. كان فاكر إن التهديد بالطرد هيخليني أركع وأعتذر لصفا عشان أحافظ على أكل عيشي، بس النظرة اللي في عيني خلت لسانه يتلجم. صفا اتكلمت بنبرة مليانة تشفي وهي بتبتسم بنصر:— “براحتك خالص.. الشركة مش واقفة عليكِ، وألف مين يتمنى ييجي يشتغل مكانك!

“بصيت لصفا ببرود، ومن غير ما أرد عليها كلمة واحدة، التفتّ ليوسف اللي كان وشه بدأ يصفر وشايف كل حساباته بتبوظ قدام عينيه. بصيت له بثبات وقولتله بصوت واطي ومسموع له هو بس:— “الورق اللي أنت عايزه، هتلاقيه في البيت.. استناني هناك.”سيبتهم وخرجت.. مشيت في الطرقة ورأسي مرفوعة لأول مرة من شهور. حسيت كل خطوة بتبعدني عن المكتب ده كأنها حجر بيتفاوك من على صدري.

يوسف حاول يداري توتره قدام صفا ويهديها، وبين بينه وبين نفسه كان بيقنع روحه إنها مجرد حركة طايشة مني، تمثيلية بضغط بيها عليه عشان ألوى إيده، ومصيره لما يرجع البيت هيلاقيني قاعد بكي وبستسمحه يرجعني شغلي. مرت الساعات ثقيلة.. يوسف رجع البيت في الميعاد، فتح الباب بالمفتاح ودخل وهو بيحاول يظهر بروده المعتاد. أول ما دخل الريسيبشن، لقى النور مطفي والهدوء تام، بس الشنط كانت متكومة جنب الباب. خرجت له من الأوضة، كنت لابسة هدوم الخروج، ومفيش في وشي أي أثر للدموع ولا للضعف. يوسف حط إيده في جيبه وحاول يبتسم استخفاف وهو بيقول:— “إيه الجو ده؟

أنتِ فاكرة نفسك بتمثلي مسرحية؟ شغل الأطفال ده ما يمشيش معايا.. هتلمي شنطتك وترجعي شغلك بكرة من غير كلمة زيادة، وبلاش حركات التهديد الرخيصة دي عشان مش هتجيب معايا نتيجة.”قربت منه ببطء، ووقفت قصاده بنفس الثبات اللي مرعبه، وطلعت ورقة الجواز العرفي/الرسمي من شنطتي وحطيتها على الترابيزة بيننا. بصيت له وقولت بنبرة حاسمة ومفيهاش أمل واحد للرجوع:— “أنا مش بهددك يا يوسف.. ولا بضغط عليك. أنا القرف وصل معايا لآخره. الورقة دي تنتهي حالاً.

. أنت تطلقني بالثلاثة، وكل واحد يروح لحاله.”يوسف برّق بذهول، نبرة الاستهتار اختفت تماماً من وشه واستبدلت بصدمة حقيقية:— “أنتِ بتقولي إيه؟! طلاق إيه؟ أنتِ تهبلتي؟!”— “لأ، أنا عقلت..” رديت عليه وأنا بتكلم بكل هدوء: “..عقلت لما عرفت إني رخصت نفسي لما قبلت أكون في الضلمة، وعقلت لما شفتك بتبيعني وتهينني عشان خايف على قرشين صفا وشراكة باباها. أنا مش نص زوجة، ولا لعبة تسد بيها وقت لحد ما تظبط أمورك.

. رميت لك شغلك، ورجعت لك حياتك اللي خايف عليها، ودلوقتي تطلقني بالمعروف زي ما اتجوزنا.”يوسف قرب مني بسرعة وحاول يمسك إيدي، ونبرته اتغيرت التماس وقلق:— “أنتِ أكيد مش في وعيك.. استهدي بالله كده واقعدي نتكلم! أنا عملت كده عشان الشركة وعشان صفا ما تشكش في حاجة ونهد كل اللي بنيناه! أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه ومستعد…”قاطعت إيده وزقيتها بعيد عني بقلة صبر وصرخت فيه لأول مرة:— “ما تنطقش الكلمة دي! الحب اللي يخلي صاحبه يذل مراته ويهينها قدام الناس مش حب.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى