روايات

مرات المدير

في أول اجتماع لمجلس الإدارة، صفا وقفت قدام أعضاء المجلس والشركاء، ومن ضمنهم باباها، مش عارفة تجاوب على أي سؤال تنفيذي أو مالي. الأرقام كانت متضاربة، ولما يحاولوا يستفسروا منها عن التفاصيل، كانت تتهتة وتحاول ترمي التهمة على الموظفين الصغار. والد صفا — اللي هو الشريك الأكبر في الشركة — اتضايق جداً من المهزلة دي قدام باقي الشركاء. خرج من الاجتماع غاضب، ودخل مكتب يوسف وزعق بصوت كان مسموع في الطرقة كلها:— “إيه اللي بيحصل ده يا يوسف؟! البنت مش فاهمة كلمة في الملفات! إزاي تسلمها قطاع بحجم ده من غير ما تكون جاهزة؟

أين الموظفة المسؤولة اللي كانت ماسكة الشغل ده ومظبطة كل حاجة؟!”يوسف كان واقف وشه أصفر، مش عارف يقول إيه. ما قدرش يقوله إنه طردني — أو بمعنى أصح إنه زنقني في الزاوية لحد ما مشيت — عشان يسد فراغ صفا!أما صفا، فبدل ما تعترف بقلة خبرتها، قلبت الآية على يوسف. راحت لباباها واشتكت له إن يوسف هو اللي ساب الشغل يتراكم، وإنه رمى عليها ملفات معقدة من غير ما يشرح لها حاجة عشان يبينها مقصرةقدام المجلس! العلاقة بين يوسف وسطوة باباها بدأت تتأكل وتتوتر بسرعة الصاروخ. وفي نفس الوقت، صفا نفسها بدأت تشك في سبب اختفائي المفاجئ..

الثقة المطلقة اللي كانت عندها اتشرخت. بدأت تلاحظ إن يوسف مش طبيعي، سرحان طول الوقت، عصبي، وكل شوية يبص في تليفونه كأنه مستني مكالمة من حد مش راضي يرد عليه. في يوم، صفا دخلت عليه المكتب من غير ما تخبط، ولقته ماسك الشاشة وبيبص في أرقامي المسجلة باسم وهمي، وبيبعت رسالة اعتذار ورجا جديدة. مسكت التليفون من إيده بالعافية، وقرأت الرسايل..البيت والشركة قاموا وما قعدوش.

صفا صرخت فيه وعرفت إن كان في حاجة مخبية، وإن البنت اللي كانت فاكراها مجرد “موظفة” كانت واخدة مكانه تانية خالص في حياته، وإن يوسف كان بيستغل الكل وبيستغفلها هي وباباها عشان يحافظ على مصالحه. النتيجة كانت كارثية على يوسف.. والد صفا قرر يسحب الشراكة بالتدريج ويقلل صلاحيات يوسف في الشركة لحد ما بقى مجرد اسم صورى بلا سلطة فعلية.

وصفا فسخت الخطوبة بعد ما حسيت إن يوسف كان واخدها هي وفلوس باباها كارت جوكر، وإن الشخص اللي ساب مراته وضحى بكرامتها عشان القرشين، ممكن يبيع أي حد في أول ملف خسران. يوسف خسر كل حاجة في وقت قياسي.. خسر بيته، ومراته اللي كانت صايناه وحباه بصدق، وخسر شغله وهيمنته، وحتى صفا اللي كان عامل حسابها وحساب باباها، سابته مكسور ومطأطأ الرأس في نص الطريق. أما أنا.. فكنت متابعة الأخبار بتوصلني من بعيد لبعيد عن طريق زملاء قدامى، بس الأنباء دي ما بقتش تحرك فيا شعرة.

لا شماتة ولا فرحة.كان مجرد تأكيد على إن ربنا ما بيبسبش حق حد، وإن اللي ينكر الجميل ويبني سعادته على كسر غيره، لازم يقع في نفس الحفرة اللي حفرها بنفسه. في يوم من أيام الشتاء الباردة، وبعد مرور شهرين كاملين على رجوعي لمحافظتي، كنت نازلة من مبنى الشركة الجديدة بعد يوم شغل طويل ومثمر. أول ما خطيت عتبة الباب الخارجي، وقفت رجلي في مكانها..كان يوسف واقف جنب عربيته على الرصيف المقابل.

ملامحه كانت متغيرة تماماً؛ باهت، خسس، وعينيه فيها كمية انكسار ورجا عمره ما كان بيعرفهم زمان. أول ما شافني طالعة، رمى سجايته وسارع بخطواته ناحيتي وكأنه خايف اختفي من قدامه. وقفت في مكاني ببرود تام، حاطة إيدي في جيوب بالطوي، وبصيت له بثبات. قرب مني وصوته كان بيرتعش، ونبرة الكبرياء والغرور اللي كانت فيه زمان اختفت تماماً:— “أنا عارف إن ماليش عين أقف قدامك.. وعارف إن اللي عملته فيكي ما يغتفرش، بس أرجوكي يا… اسمعيني للمرة الأخيرة، أديني خمس دقائق بس.”أخدت نفس هادي وقولتله بنبرة جافة ومستقيمة:— “قول اللي عندك يا يوسف، مع إن مفيش كلام بيننا يتقال.

“طلع من جيب جاكيته علبة قطيفة صغيرة وفتحها قدامي.. كان فيها خاتم ألمظ قيم جداً، ورص أوراق ثانية جنبها وقال بصوت محنوق بالدموع:— “أنا قطعت كل علاقتي بصفا وبأبوها، ورميت الشركة بحالها ورا ضهري.. أنا عرفت قيمتك صح لما مشيتي، وعرفت إن الدنيا كلها من غيرك ولا تسوى. أنا جاي النهاردة مش عشان أطلب منك تسامحيني على القديم بس.. أنا جاي أبدأ معاكي من الصفحة الأولى.”ككمل وهو بيبص في عيني بتوسل:— “أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، ومستعد أعملك أكبر فرح في أكبر فندق في المحافظة هنا قدام أهلك وناسك وكل المعارف..

هعلن جوازنا قدام الدنيا كلها، وهكون خدام تحت رجليكي، بس ارجعيلي.. بلاش تضيعي الحب اللي كان بيننا.”بصيت للعلبة القطيفة، وبعدين بصيت لوشه.. حسيت بغصة صغيرة على الأيام اللي كنت أتمنى فيها الكلمة دي منه، بس الغصة دي اختفت في ثانية لما افتكرت هواني عليه، وافتكرت ليلة ما قال لي بكل قسوة: “أنا اتجوزتك وأكتر من كده موعدتكيش”.

ابتسمت ابتسامة هادية خفيفة.. ابتسامة تعافي وراحة. قربت منه خطوة، ورجعت العلبة لإيده وقبلت قفلها بنفسي، وقولتله بصوت واطي بس حاسم زي السيف:— “الفرح الجديد والألمظ والعلانية دي كلها كانت ممكن تفرحني زمان يا يوسف.. يوم ما كنت شايفاك راجل وستري وسندي. بس الفكرة مش في الجواز ولا في الحفلة.. الفكرة إن الشخص اللي حبيتة زمان أكتشفت إنه مش موجود.”عينيه دمعت وقال بصوت مكسور:— “يعني مفيش أمل؟

هتهدي كل حاجة وتنسي؟”رديت عليه بثبات:— “أنت اللي هديت كل حاجة يوم ما اخترت تخليني في الضلمة عشان خايف على قرشين. الفرح اللي بتقدمهولي النهاردة ده مش عشان تراضيني، ده عشان تريح ضميرك من الذنب.. وأنا كرامتي ومشاعري أغلى بكثير من إنها تكون وسيلة لراحة ضميرك. أنا مش راجعة يا يوسف، والصفحة دي اتطوت لاتنسى.

“التفتّ وسيبته واقف في مكانه، العلبة في إيده، ومكسور قدام الشركة اللي بشتغل فيها بكرامتي. مشيت بخطوات واثقة وراسي مرفوعة لفوق، ومن غير ما ألف ولا بصة واحدة ورايا.. كنت عارفة إن الصفحة دي اتسفلت للأبد، وأن حكايتي الحقيقية، المليانة بنور الكرامة، يلا دوبك بتبدأ. تمت

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى