روايات

حمـايا كـل يـوم بعد صـلاة العـشاء يقـطع عني الكـهرباء ج 1 حكـايات مني السيد  

إنتي فاكرة إني مش واخد بالي؟ فاكرة إن البيت ده مفيهوش كبير؟ كل يوم النور يتقطع من هنا، والاقي خيال طالع على السلم عندك من هنا. وأهو كل حاجة متسجلة، ووريني بقى طارق لما يسمع ويشوف هيصدق أبوه ولا هيصدق واحدة قالعة حياها، سارحة بالعيال طول الليل ونايمة بالنهار!

شيرين اتدخلت بمياعة وخبث، صوتها كان ناعم ومسموم يا نادين يا حبيبتي، إحنا خايفين عليكي والله.. بس يعني إنتي شايفة، لا راجل معاكي ولا حد حاميكي، وبتقولي النور بيقطع، طب العيال يعيطوا، نقول ماشي عيال، لكن تفتحي بابك وتدخلي وتخرجي في الضلمة دي؟ مين يضمن بقى الناس تقول إيه على بيت الحاج فضل؟

أنا الدنيا لفت بيا، الحيطان بدأت تميل. كنت حاسة إني في كابوس، كابوس ملوش أول من آخر. خيال مين يا شيرين؟! وناس مين يا حاج؟! أنا مبفتحش باب شقتي أصلاً من الرعب! أنا بقفل الباب بالترباس والمفتاح من أول ما النور بيقطع، وبقعد احضن عيالي وأهوي عليهم بكرتونة لحد ما الفجر يشقشق! إنتوا إيه.. إنتوا معندكمش رحمة؟ معندكمش نخوة تتقوا الله في لحم ابنكم اللي متغرب عشانكم وعشان مصاريفكم؟!

حمايا خبط عكازه في الأرض خبطة رنت في مدخل العمارة كله اخرسي خالص واطلعي شقتك! المفتاح هينزل كل يوم بعد العشا، ونفس مش عايز اسمعه. ولو حسك رن في ودن طارق بكلمة، التسجيل ده هيكون عنده قبل ما تكملي جملتك، واخليه يطلقك ويرميكي في الشارع بشنطة هدومك، والعيال دول ييجوا يتربوا هنا تحت رجلي، بعيد عن أمهم اللي مش عارفة تصون غيبته! الكلام كان كتير عليا.. كتير أوي على واحدة أعصابها هرياها قلة النوم، وجسمها مهدود من خدمة طفلين صغيرين لوحدها، ودماغها مشوشة من الحر والعطش.

مكنتش قادرة أقف على رجلي. بصيت ليهم، لقيتهم شبه الذئاب اللي اتفقت                         على فريسة. حسيت إن الكلام معاهم دلوقتي هيضيعني، لو صوتي علي زيادة حمايا ممكن يمد إيده، وساعتها مفيش حد هينجدني، العمارة كلها بتاعتهم، ومحدش غريب ساكن معانا. لفيت ضهري، ورجعت أطلع السلم ودموعي نازلة زي الشلال بدون صوت. كل خطوة كانت كأنها جبل فوق ضهري. طلعت الدور التالت، دخلت الشقة، وقفلت الباب بالترباس، وسندت ضهري على الخشب واتزحلقت على الأرض وقعدت أعيط بحرقة.

الشقة كانت كتمة، ريحة العرق مع كتمة الجدران مع ضلمة عمياء مفيهاش غير نور شاشة الموبايل اللي كان قرب يفصل شحن.. بطاريته كانت ١٨٪. صوت عياط كرمة بنتي فوقني. البنت كانت بتشهق من كتر البكاء، وشها كان دافي وجسمها ملزق من الحر، ويونس نايم على الأرض في الصالة هربان من سخونة السرير، بيتقلب ويفرك في وشه وهو نايم. قومت زي المجنونة، دورت على إزازة المية المعدنية اللي كنت مخبياها في التلاجة، لقيتها سخنت وبقت دافية. بليت طرف فوطة ومسحت وش كرمة وجسمها، رضعتها وأنا بهزها ورجلي بتترعش. عقلي مكنش مبطل تفكير.. إيه موضوع التسجيل ده؟ وتسجيل لإيه بالظبط؟

أنا طول عمري في حالي، من يوم ما طارق سافر السعودية قبل سنة ونص وأنا علاقتي بالدنيا اتقطعت. يدوب بنزل يوم الجمعة الصبح بدري اشتري خضار الأسبوع وأرجع، ومبكلمش حد في الشارع غير البقال اللي على ناصية الحارة لما بطلب منه طلبات في التليفون. وحتى السطوح مبطلعوش! مين اللي بيطلع عندي؟ وإيه حكاية الخيال اللي حمايا بيتكلم عنه؟! فجأة، افتكرت حاجة قلبي اتقبض منها. من أسبوعين، يعني بالظبط من أول ما بدأ حوار قطع النور ده.. كنت كذا مرة وأنا قاعدة في الضلمة، سامعة صوت تزييق درجات السلم الخشب اللي طالع للسطوح فوقيا.

العمارة أربع ادوار، التالت بتاعي، والرابع شقة مقفولة لسه على الطوب الأحمر بتاعت أخو جوزي الصغير اللي في الجيش، وبعدها السطوح. كنت بقول لنفسي دي قطط، أو يمكن الهوا بيهز باب السطوح. بس هل يعقل إن حد كان بيطلع فوق؟ وليه شيرين تبتسم الابتسامة دي بالذات؟

مسكت الموبايل، فتحت الواتساب، ودخلت على شات طارق. آخر ظهور ليه كان من ساعتين. طارق شغال مهندس في موقع في الرياض، شغله شفتات ليلية أحيانًا، وبيبقى مضغوط ومبيحبش النكد، وعنده نقطة ضعف عمياء ناحية أبوه؛ الحاج فضل ده بالنسبة له خط أحمر، رباه لوحده بعد ما أمه ماتت وهو صغير، وطارق شايف إن أبوه ملاك مبيغلطش، وإن طاعته من طاعة ربنا، حتى لو داس على أي حد تاني.

كتبت رسالة طارق.. الحقني، أبوك وشيرين عاملين عليا مؤامرة وعايزين يخربوا بيتنا.. النور مقطوع عني بقاله أسبوعين بأمر من أبوك عشان شيرين بتشتكي من العيال، ودلوقتي بيهددني بحاجة مفيهاش ذرة شرف! صوابعي وقفت فوق زرار الإرسال. اترعبت.. لو بعت الرسالة دي وطارق اتصل بأبوه، حمايا هيقلب الترابيزة في ثانية، وهيقول له شفت مراتك بتتبلى عليا إزاي؟ وهيبعت له التسجيل أياً كان إيه هو، وطارق هناك على بعد آلاف الكيلومترات، الشك هيقتله والوسواس هيعمي عينه، وأنا هنا لوحدي، معنديش سند ولا أهل في القاهرة، أهلي كلهم في طنطا، وأمي ست مريضة سكر وقلب، لو سمعت كلمة زي دي ممكن تروح فيها.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى