منوعات

قبل الزواج حكايات اسما السيد 1

قال أبويا كلمة واحدة بس: — تعالي. الكلمة كانت بسيطة جدًا. لكنها عملت فيا حاجة سبع سنين كاملة ماعرفوش يعملوها. عيطت. مش العياط الهادي اللي كنت بعمله وأنا مستخبية في الحمام بعد كل مرة يأجل فيها الجواز. ولا الدموع اللي كنت بمسحها بسرعة علشان لما يشوفني ما يقولش: — إنتِ مكبرة الموضوع. المرة دي عيطت كأني أخيرًا سمحت لنفسي أعترف إني تعبت. أبويا فضل ساكت لحد ما هديت. وبعدين قال:

— البيت بيتك. ولا أنا ولا أمك هنسألك حصل إيه إلا لما إنتِ تحبي تحكي. قلت: — أنا مسافرة بكرة. — إحنا مستنيينك. قفلت المكالمة، وقعدت وسط الكراتين. الشقة اللي كنت شايفاها يوم من الأيام بداية بيتي معاه، فجأة بقت مجرد مكان لازم أخرج منه. في الصبح، سلمت المفاتيح. ركبت العربية ومعايا شنطتين وكام كرتونة. وأول ما وصلت بيت أهلي، لقيت أمي واقفة عند الباب. ماقالتش حاجة. حضنتني. وأنا لأول مرة من سنين ماحاولتش أبان قوية.

دخلت في حضنها وعيطت. أبويا كان واقف بعيد شوية. لما هديت، قرب مني، شال شنطة من إيدي وقال: — أوضتك زي ما هي. دخلت أوضتي القديمة. نفس المكتبة. نفس الستارة اللي أمي كانت بتقولي من سنين لازم نغيرها. حتى صورة تخرجي من الجامعة كانت موجودة. وقفت قدامها. كنت أنا وهو في الصورة. كان واقف جنبي مبتسم، وأنا باصة له أكتر ما كنت باصة للكاميرا. شلت الصورة من البرواز. أمي شافتني.

قلت: — هاتيلي صورة لينا إحنا الأربعة. ما سألتش ليه. بعد عشر دقايق رجعت بصورة قديمة ليا أنا وأبويا وأمي وأخويا. حطيتها مكانها. وبس. بعد أسبوع بدأت شغلي في الفرع الجديد. مكتب جديد. ناس جديدة. محدش هناك يعرف حكايتي. وده كان أحسن شيء حصل لي. لأول مرة، ماكنتش “خطيبة رجل الأعمال”. كنت باسمي. بشغلي. بخبرتي. في أول أسبوعين، كان بيبعت رسائل عادية جدًا. “وصلتي؟” “إنتِ لسه زعلانة؟” “لما أرجع نتكلم.”

“مش لازم كل مشكلة تتحول لدراما.” ما رديتش. وبعدها الرسائل بدأت تتغير. “إنتِ فين؟” “روحت الشقة ومفيش حاجة.” “ليه نقلتي؟” “ردي.” ثم: “إنتِ بتعاقبيني يعني؟” وبعدين: “أنا راجع الخميس، هنقعد ونتكلم.” ضحكت لما قريت آخر رسالة. لسه بيقول “هنقعد”. كأن وجودي مضمون. الخميس جه. الساعة سبعة بالليل، كنت قاعدة مع أمي في المطبخ بنعمل العشا. موبايلي رن. اسمه. سيبته. رن تاني. وتالت. وفي المكالمة السادسة، وصلني تسجيل صوتي. فتحته. صوته كان متعصب:

— أنا واقف قدام شقتك القديمة، وصاحب العقار بيقول إنك سيبتيها! إنتِ فين؟ قفلت التسجيل. أمي بصتلي. — مش هتردي؟ قلت: — لأ. بعد نص ساعة، جرس البيت رن. قلبي وقع. أبويا قام يفتح. سمعت صوته. — هي هنا؟ أبويا رد: — أيوه. — عايز أشوفها. — وهي عايزة تشوفك؟ سكت. وبعدين قال: — حضرتك عارف إني خطيبها. أبويا رد بهدوء: — على حد علمي، الجواز اتلغى. — ده موضوع بيني وبينها.

سمعت أبويا يقول: — طالما واقف على باب بيتي، بقى الموضوع بيني وبينك لحد ما هي تقرر غير كده. قمت. مش لأن عندي رغبة أشوفه. لكن لأني ماكنتش عايزة أبويا يخوض معركتي بدالي. خرجت. أول ما شافني، بصلي كأنه مش مصدق. قال: — إنتِ فعلًا جيتي هنا؟ قلت: — أيوه. — من غير ما تقوليلي؟ بصيتله باستغراب. — كنت محتاجة إذنك؟ اتوتر. — مش قصدي. بس إحنا مرتبطين بقالنا سبع سنين.

قلت: — كنا. ملامحه اتغيرت. — يعني إيه كنا؟ — يعني اللي سمعته. ضحك ضحكة قصيرة. — كل ده علشان الصور؟ قلت: — لأ. — أمال؟ — علشان سبع سنين. سكت. قلت: — الصور كانت آخر حاجة بس. — إنتِ فاهمة الموضوع غلط. — شفتك معاها في المكتب. وشه اتغير. لأول مرة. قلت: — اليوم اللي كلمتني فيه وقلتلي إن عندك سفر مفاجئ… كنت جاية أفاجئك. ما ردش. كملت: — شفت إيدك على وسطها.

— هي كانت… قاطعته: — ماتكملش. — اسمعيني. — مش محتاجة. قال بعصبية: — يعني هترمي سبع سنين علشان موقف إنتِ مش فاهمة تفاصيله؟ ضحكت. — الغريب إنك فاكر إني أنا اللي برمي السبع سنين. قرب خطوة. — أنا ممكن أصلح الموضوع. — مش عايزة. قال بسرعة: — نحدد معاد جديد. وهنا ضحكت فعلًا. قلت: — معاد رابع؟ سكت. — المرة الأولى المستثمر ظهر. المرة التانية الشركة وقعت في أزمة. المرة التالتة رحلة الشغل. المرة الرابعة هتبقى إيه؟

قال: — مش هتبقى فيه مرة رابعة. نتجوز الأسبوع الجاي. بصيتله طويل. من كام شهر بس، الجملة دي كانت ممكن تخليني أنسى كل حاجة. لكن دلوقتي؟ كانت مهينة. قلت: — أنا مش عايزة أتجوزك. اتجمد. — إيه؟ — مش عايزة أتجوزك. — إنتِ بتقولي كده علشان متعصبة. — لأ. — طب ادخلي غيري هدومك وتعالي نخرج نتكلم. وقتها فهمت إنه لسه مش مستوعب. قلت: — إنت لسه بتكلمني كإني هسمع الكلام في الآخر.

— أنا عارفك. قلت: — لأ. إنت عارف النسخة اللي كانت مستعدة تستناك. وبعدين قلت: — النسخة دي انتهت. دخلت البيت. وقبل ما أقفل الباب، قال: — هتندمي. وقفت. بصيتله. وقلت: — يمكن. بس لو ندمت، هتبقى غلطة أنا اخترتها… مش غلطة فضلت مستنياك تصلحها سبع سنين. وقفلت الباب. افتكرت الموضوع انتهى. لكنه ماكانش انتهى. بعد يومين، صاحبتي اتصلت بيا. قالت: — افتحي السوشيال ميديا. فتحت. السكرتيرة كانت منزلة كلام طويل.

من غير ما تذكر اسمي. لكن كل اللي يعرفنا كان فاهم. كاتبة: “أحيانًا الناس تتمسك بعلاقة انتهت من سنين، وبعدين تلوم الشخص الجديد لما الحقيقة تظهر.” قريت الكلام مرة. وقفلت. صاحبتي قالت: — مش هتردي؟ قلت: — لأ. — الناس هتصدقها. قلت: — اللي عايز يصدق يصدق. لكن في المساء، وصلني شيء ما توقعتوش. رسالة من واحد من أصحابه. نفس المجموعة اللي سمعتهم في المطعم. كتب: “أنا آسف.” ما رديتش.

بعت تاني: “أنا عارف إن الاعتذار مالوش قيمة، بس اللي حصل في المطعم كان غلط. وإنتِ ماكنتيش تستاهلي الكلام ده.” فضلت باصة للرسالة. وبعدين كتبت: “كنتوا عارفين من إمتى؟” ظهر إنه بيكتب. اختفى. رجع. وبعدين وصلت الجملة: “من أكتر من سنة.” حسيت قلبي اتقبض. كتبت: “عارفين إيه بالضبط؟” رد: “إنه مش ناوي يتجوزك قريب.” سألته: “والسكرتيرة؟” اتأخر. ثم قال: “الموضوع بدأ من شهور.” قفلت الموبايل. ماعيطتش. الغريب إني ماعيطتش. لكن تاني يوم، رحت البنك.

قفلت آخر حساب مالي كان بيني وبينه. وبعدها رحت المخزن اللي كنت حاطة فيه حاجاتنا. كان فيه كرتونة واحدة باسمه. صور. خطابات قديمة. تذاكر أول فيلم دخلناه. أول مفتاح لمكتبه القديم. حتى ورقة صغيرة كان كاتب عليها أيام الجامعة: “اصبري عليا… أول ما أقف على رجلي هخليكي أسعد واحدة.” مسكت الورقة. وبعدين حطيتها في الكرتونة. قفلتها. وبعتله رسالة واحدة: “حاجتك موجودة عند شركة التخزين. قدامك أسبوع تستلمها.” رد خلال ثواني:

“إنتِ بجد بتعملي كده؟” ما رديتش. بعدها: “أنا أنهيت علاقتي بيها.” فضلت باصة للجملة. وبعدين ضحكت. هو لسه فاكر إن المشكلة هي. مش فاهم إن المشكلة كانت هو. مرت أسابيع. وبدأت حياتي تهدى. لحد ما في يوم، وأنا خارجة من اجتماع في الشغل، السكرتيرة نفسها كانت واقفة مستنياني عند الاستقبال. أول ما شافتني قامت. قالت: — ممكن خمس دقايق؟ قلت: — لو جاية تتكلمي عنه، لأ. قالت بسرعة: — أنا جاية أقولك حاجة إنتِ لازم تعرفيها.

وقفت. قالت: — هو ما أنهـاش علاقته بيا زي ما قالك. قلت: — مش فارق معايا. قالت: — عارفة. بس فيه سبب تاني خلاه يأجل الجواز تلات مرات. بصيتلها. إيديها كانت بتترعش. فتحت شنطتها وطلعت ظرف. وقالت: — أنا كنت فاكرة إن المشكلة كلها إنه مش عايز يتجوزك… لحد ما لقيت الورق ده في مكتبه. مدت الظرف ناحيتي. ماخدتوش. قلت: — إيه ده؟ قالت: — حاجة تخص الشركة اللي بدأها أيام ما كنتِ واقفة جنبه.

وسكتت لحظة قبل ما تكمل: — وحاجة تخصك إنتِ شخصيًا. بصيت للظرف. ولأول مرة من يوم ما مشيت… حسيت إن قصة السبع سنين يمكن لسه مخبية حاجة أكبر من الخيانة نفسها. يتبع في الجزء الثالث والأخير…    

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى