
ابتسمت ابتسامة هادئة وسحبت الأوراق خطوة لوراء: “تطلع؟ مين قال إنك هتطلع لو ما وقّعتش؟ الشيكات وقائمة المنقولات اللي رفعتهم كفيلين يلبسوك أحكام طويلة. سنين من عمرك هتقضيها هنا، وفي الآخر برضه هطلق منك بالقانون وساعتها مش هتنول مليم ولا هتطال حريتك.” كملت بصوت قاسي هز جدران الأوضة: “لكن لو وقّعت.. أنا هتنازل عن القضايا الجنائية والشيكات، وهسيبك تطلع بشرفك المتبقي وبدومك اللي في الشنطة. تطلع تبدأ من الصفر، تدوب تلاقي لقمة تأكلها وتدور على حيطة تداري فيها أمك. الاختيار ليك..”
بصيت للورق، وبعدين بصيت للحديد اللي في إيدي. سحبت القلم بإيد بترتعش، والدموع بتنزل على الورق، ووقّعت.. اسمي اتكتب تحت كل بند بيمحي وجودي وبيثبت انتصارها الكامل عليا. أخدت الورق ورصته في شنطتها ببرود، وقفت وعدلت جاكيتتها، وقبل ما تلف وتديني ضهرها، اتلفتتلي وقالت جملة واحدة خلت قلبي يقف: “أنا تنازلت عن الشيكات بس يا فلان.. لكن المحامي بلغني إن في مفاجأة ثانية مستنياك أول ما تخرج من الباب، مفاجأة أبو العروسة!”
سابتني ومشت.. وأنا واقف مش فاهم، الرعب أكل قلبي. وما كادتش تمر ساعة، لحد ما العسكري فتح الباب وقال: “المتهم فلان.. الإفراج نزل، انزل استلم حاجتك برة.” نزلت ودموعي مغرقة وشي، استلمت ساعتي وتليفوني المكسور والشنطة. خرجت من باب القسم وأنا حاسس إني بطلع من القبر، الهواء كان بارد والشمس غابت تماماً. لكن أول ما خطيت خطوة واحدة برة بوابات القسم، لقيت عربية سوداء واقفة، ونزل منها أبو العروسة الجديدة ومعاه أشخاص آخرون.
قرب عليا وقال بصوت حازم: “فاكر إنك لما تطلق وتهرب هتاكل عليا حق الهدايا والدهب اللي دبستنا فيه وفضحتنا قدام الناس؟ الفلوس اللي دفعتها والكرامة اللي دست عليها هتدفع تمنها غالي قوي النهاردة!” تراجعت خطوات لوراء والشنطة وقعت من إيدي، ظهري خبط في سور القسم، ورجليا مش قادرة تشيلني.
قرب أبوها مني لحد ما بقيت في مواجهته، وقال بصوت جهوري: “دهب إيه يا نصاب؟! مراتك أخت زوجتك السابقة بعتتلنا الفواتير والشهادات الرسمية اللي بتثبت إن الدهب اللي جيبه كان مغشوش، اشتريته بفلوس القرض اللي سحبته باسمها! وفوق كل ده، فواتير الألماظ طلعت مجرد إكسسوارات رخيصة جيبتها من محل ألعاب عشان تضحك علينا!” الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. دهب مغشوش؟!
افتكرت في لحظة اليوم اللي أخدت فيه الفلوس ونزلت أشتري الشبكة والهدايا! أنا ما شفتش الفواتير وقتها، المحل كان معارف صديق لي، وهو اللي جهزلي العلب بالفواتير، وأنا عملت فيها ناصح واشتريت من غير ما أفحص أو أتأكد عشان أستوفر قرشين! مراتي كانت كاشفة اللعبة من أول دقيقة، سابتني أقع في شر أعمالي! كمل أبوها بصوت شديد: “أنا بنتي اسمها اتلوث في المنطقة، والناس بقت بتقول خطبها شخص غير مسئول! حق بنتي وكرامتي مش هسيبهم.. الفلوس اللي اتصرفت على خطوبتك، والتجهيزات، والفضايح دي كلها هتدفعها كاش فوراً، يا إما هتاخد جزاء عملتك!”
حاولت أصرخ أو أنادي على عساكر القسم اللي واقفين على البوابة، لكنهم مسكوني ودخلوني في حارة ضيقة ومظلمة جنب سور القسم، بعيد عن عيون الناس، ولقيت نفسي محاصراً بسبب أفعالي وطمعي. بعد وقت، سابوني ومشوا.. بعد وقت مش عارف قد إيه، خرجت لشارع القسم الرئيسي. مسكت الشنطة المتبهدلة، وبقيت أمشِي في الشارع من غير هدف ولا عنوان. مفيش قرش في جيبي، مفيش تليفون أتصل بيه، ومفيش مكان أروحله. افتكرت أمي.. يا ترى أمي فين دلوقتي؟ قاعدة في الشارع برضه؟ ولا إخواتي البنات سابوها وطفشوا؟
فضلت أتحرك بخطوات مهدودة لحد ما وصلت للمنطقة اللي فيها شقة أمي القديمة في حي شعبي بعيد. كان النور مقطوع في الشارع، والعمارة القديمة متهالكة. طلعت السلم درجة درجة وأنا بسحب رجلي، ولما وصلت لمدخل الشقة، لقيت الباب مفتوح نص فتحة والنور جوة ضعيف. دخلت وأنا بنادي بصوت مقطوع: “أمي.. يا أمي.. أنتِ هنا؟” لكن الصدمة الجديدة كانت مستنياني جوة الأوضة.. الشقة كانت مقلوبة رأس على عقب، والأثاث القديم متكسر، وأمي قاعدة في أرضية الصالة وحاطة رأسها بين إيديها وبتبكي بصوت يقطع القلب.. والسبب مش بس الفضيحة، السبب كان ورقة رسمية محطوطة على الطاولة قدامها، ومحضر شرطة!
أمي رفعت رأسها ولما شافت منظري والدم المغطي وشي، صرخت ولطمت: “يا لهوي يا ابني! عملوا فيك إيه؟! مين اللي ضربك كدة؟!” وقعت على الكرسي وأنا بنهج وسألتها: “إيه الورقة دي يا أمي؟ في إيه ثاني حصل؟” أمي قالت وهي بتبكي بهيستيريا: “إخواتك البنات يا ابني.. أول ما مشيوا من الشارع، جوم هنا وكسروا القفل، وأخدوا دهب أمك وتحويشة العمر اللي كنت شاياها للزمن، وكتبوا الشقة دي باسمهم بعقد بيع قديم كانوا مخليني أوقع عليه وأنا مش دريانة! وطردوني وقالولي مالكيش مكان معانا بعد الفضيحة اللي عملتيها أنتِ وابنك!”
بصيت للسقف وأنا بضحك بكسرة ودموعي نازلة مخلطة بالدم: “إخواتي؟ إخواتي اللي طردت مراتي عشانهم؟ اللي دخلتهم بيتي يعيشوا ويكسروا في كرامتها؟ أخدوا فلوسك وطردوكي؟” قعدت في الأرض جنب أمي، إحنا الاثنين مكسورين، مفيش حيلة ولا مأوى ولا قرش، وكل اللي حوالينا أتخلوا عنا بنفس القسوة اللي عاملنا بيها غيرنا. وفجأة، الباب الخارجي للعمارة اتخبط بقوة شديدة وصوت حازم طالع على السلم بخطوات سريعة، وكان الصوت جاي من برة الشقة: “افتح يا فلان! المالك الجديد للشقة دي هنا ومعه أمر إخلاء فوراً!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



