
عربية المباحث فرملت قدامنا بصرخة كاوتش هزت الشارع. نزل منها ضابط واثنين أمناء شرطة بأسلحتهم، ونور الكشافات العالية انضرب في وشي مباشرة. الضابط قرب بخطوات سريعة وصارمة، أول ما شاف منظري والدم اللي مغطي وشي وهدومي المتقطعة، وقف لحظة بذهول وقال: “إيه ده؟! أنت فلان؟ إيه اللي عمل فيك كدة؟!” حاولت أرفع إيدي وأتكلم، بس صاتي طالع بالعافية من الوجع والرعب: “يا باشا.. أنا.. أنا تسلمت نفسي العصر وخرجت بإفراج..”
الأمين اللي مع الضابط بصل في ملف ماسكه في إيده وقال بصوت حاسم: “هو يا فندم. ده الصادر ضده أمر ضبط وإحضار في القضية الجديدة، تزوير مستندات رسمية واستيلاء على مبالغ بنكية. والإفراج القديم كان على ذمة قضايا التبديد بس.” أمي زحفت على ركبها في المطر ومسكت في جزمة الضابط وهي بتصرخ بصوت يقطع القلب: “يا باشا وحياة عيالك ارحمه! ده مضروب وميت من الوجع، ابن جالي حافي ومكسور! سيبوه معايا الليلادي بس ونبقى نجيلكم الصبح!”
الضابط زق رجلها بهدوء وقال بنبرة جافة مفيهاش تفاهم: “يا حاجة استهدي بالله ومتمسكيس كدة. القانون مفيش فيه خاطر، ولدك مطلوب رسمياً في قضية تزوير وقروض، والمجني عليها والمؤسسة مقدمين مستندات موثقة وبلاغ رسمي. حاتي إيدك يا أستاذ.” الأمين شد إيدي اليمين، ورشق الحديد في معصمي. صوت دق الكلبش كان المسمار الأخير في نعش حياتي. صرخت من شدة الوجع لما الحديد ضغط على جروحي، وأمي صرخت ورتمت على الأرض وغمى عليها من كثرة البكاء والضغط.
صرخت بأعلى صوتي وأنا بتكتف: “أمي! أمي اغمى عليها يا باشا! سيبوني ألحقها الله يخليكم!” في نفس اللحظة، ظهرت عربية إسعاف كانت جاية بالاتفاق مع المالك الجديد أو فجر، ونزل منها الممرضين وشالوا أمي على النقالة بسرعة عشان ينقلوها لدار رعاية أو مستشفى. أمي كانت محطوطة على النقالة وغائبة عن الوعي، وأنا بيتسحب لجوة عربية البوليس زي المجرمين والقتلة، من غير ما أقدر ألمس إيدها أو أطمن عليها. ركبوني في صندوق العربية الحديد الصاج البارد. الباب انقفل عليا بتكة قوية، والعربية اتحركت بيا وسط الظلمة والمطر.
قعدت على الدكة الحديد جوة العربية الصاج، والظلمة كاحلة حوليا، ومش سامع غير صوت المطر وهو بيخبط على سقف العربية وصوت أنفاسي المتطقطقة. افتكرت كل حاجة من الأول.. افتكرت اليوم اللي ورثت فيه فجر، واليوم اللي فكرت فيه أتحايل عليها وأستغل طمعي عشان أجيب عروسة ثانية. افتكرت لما اتصلت بأمي وقلتلها: “تعالي أنتِ وإخواتي نزهقها ونضغط عليها.” افتكرت كل لحظة كانت بتمسح فيها عرقها وتخدمنا، ونحن بنخطط ونضحك في سرنا وفاكرين إننا بنكسرها.
اكتشفت إن كل خطوة خطيتها عشان أظلمها، كانت غرزة في الفخ اللي هي نصبتهولي بذكاء وهدوء. استخدمت طمعي، وقوة إخواتي، وقسوة أمي، وأسلوبي الرخيص.. ورسبت اللعبة كلها لحد ما خلتني أدمر نفسي بنفسي، وأخسر الشقة، والعروسة، والفلوس، وإخواتي، وحريتي، وحتى السقف اللي كان بستر أمي! وصلنا القسم، وتسحبت تاني للداخل. دخلوني غرفة الحجز الجنائي للجرائم الكبيرة والمفتشين. الباب الصاج المائي انفتح، وترميت جوة الحجز بين عشرات المتهمين والمسجلين. قعدت في أبعد زاوية في الحجز، ضامم ركبي لصدري والحديد في إيدي، والدموع جفت في عيني وبقت حاسس بنار بتأكل في صدري.
مرت ساعات الليل زي السنين.. وكل ما عيني تغمض من التعب والوجع، أفتكر جملتها وهي واقفة قدام العربية الفخمة وتحت المظلة: “الفرق بيني وبينك.. إنني باخذ حقي بالقانون والعقل، وما بظلمش اللي أضعف مني.” ولما طلع النور الخفيف من شباك الحجز العالي المترب، انفتح الباب الصاج فجأة، وصوت العسكري نادى بصمة: “المتهم فلان! أطلع للنيابة فوراً، العرض بتاعك نزل!”
قمت بالعافية على رجلي المكسورة، ومشت ورا العسكري والحديد بيدق في إيدي، وأنا مش عارف النيابة هتعمل فيا إيه ثاني.. لكن أول ما دخلت مكتب وكيل النيابة، لقيت المحامي بتاع فجر قاعد، ومعه ملف جديد خالص.. مفاجأة ثقيلة لم تكن في الحسبان مطلقاً! وقفت في نص المكتب ورجليا مش شايلاني، الشوم كان مكسّر جسمي، والكلبش بيعضّ في معصمي اللي نزل منه الدم. النيابة كانت زحمة وصوت القضايا والورق يرن في المكان، لكن مكتب رئيس النيابة كان هادي كأنه مرة.
وكيل النيابة كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بيبص في الملفات بنظرات حادة، وقاعد على الكرسي الجلد قدامه أستاذ سامح، محامي فجر، وفي إيده الشنطة الجلديا إياها اللي بقت بالنسبة لي رمز للكوابيس. الضابط زقني خفيف من ظهري وقال: “المتهم فلان يا فندم، الصادر ضده أمر ضبط وإحضار في بلاغ التزوير وقرض المؤسسة.”
وكيل النيابة رفعت رأسه، بصلي بتمعن من فوق النظارة، ومنظري بالدم والطين والهدوم المتقطعة كان كفيل يخليه يتنفس بضيق: “اتفضل اقعد هنا يا أستاذ.. وبص للمحامي وقال: “تفضل يا أستاذ سامح، المستندات المقدمة منكم خطيرة جداً، اتهام رسمي بتزوير توقيع الشاكية واستخدام توكيل ملغي لسحب قرض بقيمة نص مليون جنيه باسمها.” حسيت بالدنيا بتلف بيا، نص مليون جنيه؟! التزوير جناية عقوبتها من 7 لـ 10 سنين مع الشغل والنفاذ!




