
أنا بلعت ريقي بصعوبة وصوتي طالع بالعافية: “مين.. مين ده؟” ابتسمت وقالت الجملة اللي طيرت باقي عقلي: “ده المالك الجديد للشقتين.. شقتك اللي بعتها، وشقة أمك اللي إخواتك باعوها النهاردة! هو اللي اشتراهم الاتنين بفلوسي.. وأنا اللي أمرته يرميكم في الشارع في نفس الدقيقة!” وقفت الدمعة في عيني واتجمدت على خدي مع نقط المطر الباردة.. الدنيا لفت بيا وسقف العالم كله انهار فوق رأسي. مراتي؟! هي المالك الجديد؟! هي اللي اشترت الشقتين؟!
الراجل الأنيق واقف جنبها، ماسك المظلة فوق رأسها بكل احترام، وبصلي بنظرة شفقة جافة وقال وهو بيعدل أوراق في إيده: “أنا أستاذ شريف، مدير إدارة أعمال مدام فجر.. الشقة الأولى اتسجلت باسمها بعقد بيع نهائي من أسبوع، وشقة والدتك إخواتك البنات باعوهالي النهاردة الصبح بعقد رسمي وتوكيل مبيعات بعد ما أخذوا الفلوس كاش وجروا. المدام هي المالك الفعلي والوحيد ل كل أصولكم، وأمرت بإخلائكم في نفس اليوم.. ونحن هنا بس عشان نتأكد إن التنفيذ تم بالكامل ومفيش أي أثر ليكم في ملكيتها.”
أمي صرخت صرخة مكتومة وهي بتخبط على الأسفلت المبلول بإيديها الاثنين، وبقت تتوسل لمراتي وهي بتنحب: “يا فجر يا بنتي.. يا حبة عيني! أنا زي أمك، أنا اللي دخلتك بيتي وعشت معاكِ! يرضيكِ ترمي الست الكبيرة دي في المطر والشارع؟ ابنك غلط، بس أنا ذنبي إيه؟ ار حمي شيبي الله يخليكِ!”
فجر وِطت شوية، وبصت لأمي في عينها بنظرة ثاقبة وزي السيف: “ذنبك؟ ذنبك إنك جيتي بيتي بنية الخراب والضغط. ذنبك إنك لما شفتي ابنك بيطلمني ويحايلني عشان أطلع من ورثي أسهل عليه جوازة ثانية، شجعتيه وقويتيه وقعدتي في بيتي تؤمري وتنهي وتطلبي العزايم والمصاريف وأنتِ عارفة إنه بيقتر عليا ويحفيني عشان يعين فلوسه للعروسة الجديدة! ذنبك إنك لما كنت بشيل الصواني وأمسح العرق من وشي، كنتِ بتبصيلي بنظرة شمتانة وفاكرة إني مكسورة.. جيتي تزهقيني وتطفشيني عشان تفضوا الشقة للعروسة؟ أهو الشقة فضيت، بس ليّا أنا.. وأنتم اللي بقيتوا في الشارع.”
الكلمات كانت بتنزل على أمي زي ضربات السياط، سكتت تماماً وحطت رأسها بين ركبها وهي بتشهق في صمت. أنا حاولت أرفع نفسي على السور، ورجلي المكسورة بتصرخ من الوجع والدم مالي قميصي، وبصيت لفجر بعيون مكسورة ومستسلمة تماماً: “خلاص يا فجر.. أخذتي تارك وزيادة. دمرتيني، حبستيني، خليني أتاكل من الضرب في الحوارات، ورعرتِ أمي وإخواتي في الشارع، وأخذتي كل قرش ملكته أو ما ملكتوش.. عايزة إيه ثاني؟ جاية لحد هنا في المطر والظلمة عشان تشوفي منظري وأنا برمى في الطين؟”
فجر ابتسمت ابتسامة هادية جداً، مسكت نظارتها ولبستها رغم الظلمة، وقالت بصوت ثابت ونبرة حاسمة: “أنا مش جاية أستعرض.. أنا جاية أصلّح غلطة كانت ممكن تفوتني. جاية أسلّمك الأمانة دي.” شارت بيديها لأستاذ شريف، ففتح الشنطة الجلد وسحب منها إظراف أبيض كبير ورمائه على المطر قدامي على الأسفلت. كملت كلامها: “ده ملف فيه فواتير الكهرباء والمياه والغاز المتأخرة على الشقتين طوال السنتين اللي فاتوا، وفيه كمان صور الشهادات الصحيحة بتاعة الدهب الفالصو اللي أنت اشتريته.. أصل أنا مش بس عرفت أبو العروسة، أنا بلغت المباحث الجنائية بقضية تزوير ومساندات مزيفة أنت استخدمتها عشان تسحب قروض باسمي وتشتري بيها الشبكة!”
الرعب أكلني من جديد، حسيت بقلبي هقف: “قضية تزوير ثاني؟! أنتِ مش تنازلتِ في القسم؟!” ضحكت بصوت عالي تهتز ليه جنبات الشارع الفارغ: “أنا تنازلت عن الشيكات وقائمة المنقولات الخاصة بيا أنا.. بس ما تنازلتش عن حقوق البنك ولا عن بلاغ التزوير الرسمي اللي اتقدم الصبح باسم المؤسسة اللي سحبت منها القرض! البلاغ اتحرك يا فلان، والقوة اللي أدتك الإفراج من ساعة، نازلة دلوقتي تدور عليك في العنوان القديم عشان تنفذ إحضار جديد في قضية تزوير قروض وبنوك!”
الدم اتجمد في عروقي.. الإفراج كان مجرد طعم! كان كابوس عشان أخرج من القسم، أتاكل ضرب من أبو العروسة، أترمي في الشارع، وأكتشف إن إخواتي باعوا أمي، وأخيراً ألاقي نفسي مطارد بقضية جنائية ثقيلة ملهاش خروج ولا تنازل! وفجأة، في أخر الشارع، ظهرت سرينة عربية شرطة بتمشي ببطء والنور الأزرق والأحمر بتاعها بيلف على جدران البيوت المظلمة، وصوت المحرك يقرب من مكاننا بسرعة!
فجر اتلفتت للعربية ببرود، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادي: “محدش يعرف عمره يا أبو العروسة.. بالسلامة أنت، وأنا هتكفل بنقل الحاجة لدار رعاية محترمة على حسابي، عشان أعلمك إن الفرق بيني وبينك.. إنني باخذ حقي بالقانون والعقل، وما بظلمش اللي أضعف مني حتى لو كان أمك.” لفت ضهرها وركبت العربية الفخمة مع مدير أعمالها، والعربية تحركت ببطء وغادرت المكان، وسابتني واقف في المطر، والسرينة بتاعة الشرطة بتقرب مني أكتر وأكتر، وأمي بتصرخ وجسمي المكسور مش قادر حتى يهرب خطوة واحدة!
صوت السرينة كان بيكبر وبيشق صمت الشارع المظلم، والنور الأزرق والأحمر بقى يعكس على المية المتركمة على الأسفلت وعلى قميصي المبلول بالدم والطين. أمي فضلت ماسكة في الجلابية وهي بتترجاني بصوت مكسور: “اهرب يا ابني! اهرب قوم فز من جنبك، الشرطة جاية تخدك تاني! قوم يا حبيبي جري قبل ما يمسكوك!” ضحكت بكسرة والدموع نازلة من عيني، وبصيت لأمي برعشة ووجع: “اهرب أروح فين يا أمي؟ أجر بدف وشي المضروب ورجلي المكسورة فين؟ مفيش معايا مليم، ومفيش سقف يداريني، والدنيا كلها قفلت أبوابها في وشي.. أنا خلاص اتدفنت وأنا حي.”




