
خرجت للشارع.. الشمس كانت طالعة بس كان جويا ظلمة كاحلة. ركبت التاكسي ورحت للعنوان المكتوب في الكارت عشان أشوف أمي.. لكن أول ما وصلت لدار الرعاية ودخلت الأوضة اللي فيها أمي، اتفاجئت براجل غريب قاعد جنب سريرها، وبصلي بنظرة غموض أول ما دخلت! وقفت على باب الأوضة ورجلي مش قادرة تشيلني. ريحة المطهرات في دار الرعاية كانت بتقلب بطني، وأمي نايمة على السرير، وشها أصفر وزي الشمع الميت، متوصلة بأجهزة ومحاليل بتنقط ببطء.
لكن الراجل اللي قاعد على الكرسي جنب سريرها هو اللي جمد الدم في عروقي. كان راجل في الخمسينات من عمره، هيئته حادة، لابس جلباب بلدي فاخر وتحتيه صديري، وفي إيده سبحة كوك بيفرها ببطء، وعيونه مثبتة عليا بنظرة فيها كبرياء وصرامة مش غريبة عليا أبداً. أول ما خطيت خطوة لجوة، أمي فتحت عيونها بالعافية، ولما شافتني صرخت بصوت ضعيف ومبحوح ودموعها نزلت: “يا فلان.. يا ابني! ألحقني يا ابني.. أخوك جه! خاليكم ما يرموناش ثاني!”
أخويا؟! الكلمة نزلت عليا زي الصدمة.. أخويا الكبير من أبوي! الأخ اللي أبويا كتبله حقه ومشى وساب الصعيد من ثلاثين سنة بعد مشاكل كبيرة على الورث، وانقطعت أخباره تماماً وكنا فاكرينه مات أو هاجر ومالوش أثر! الراجل قام وقف بكل ثبات، فر السبحة ورمى عليا نظرة تفحصت منظري المبهدل، والدم الناشف على قميصي، والكسرة اللي مالياني. قرب مني بخطوات ثقيلة وقال بصوت جهوري يرجع في الصالة: “أهلاً يا ابن أصول.. أهلاً بـ’الناصح’ اللي كان فاكر إن أرض الصعيد ملهاش صاحب ومخبي عقودها تحت البلاطة!”
بلعت ريقي بصعوبة وصوتي طالع بالعافية: “أنت.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتا مكاننا إزاي؟” ضحك ضحكة قاسية هزت المكان وقال: “إيه اللي جابني؟ اللي جابني هو اللي صحاني من النوم إمبارح بالليل! مراتك.. الأستاذة فجر!” حسيت بدوخة شديدة ومسكت في أكرة الباب عشان ما أقعش. فجر ثاني؟!
كمل كلامه وهو بيطلع من جيب جلبابه صور عقود التنازل اللي أنا لسة موقّع عليها في النيابة من ساعة واحدة بس: “مدام فجر اتصلت بيا من أسبوع، وقالتلي ‘أرض أبوك في الصعيد اللي إخواتك مخبينها عنك وبيحاولوا يستولوا عليها، أنا هرجعهالك لحد عندك بالحق والقانون’. اتفقت معاها، واشترت مني حصتي الشرعية والتوكيلات القديمة بفلوس كاش.. والنهاردة، بعد ما أنت وقّعت لها على التنازل في النيابة عشان تهرب من جناية التزوير، هي نقلت الملكية بالكامل ليا أنا!”
بصيت له بذهول مش قادر أستوعب: “نقلت الملكية ليك أنت؟! يعني الأرض راحت.. راحت ليك بالكامل؟!” قرب من وشي وقال بمنتهى القسوة: “الأرض رجعت لأصحابها الأصليين اللي أنت وأمك أكلتم حقهم سنين طوال! أنت فاكر إنك لما تظلم وتفتري على بنت الناس، ربنا هيبار كلك في الأرض اللي سرقتها من إخواتك؟ فجر ما أخدتش الأرض ليها.. فجر استخدمت الأرض عشان تكسرك وتأدبك، وترجع الحق لأصحابه اللي أنت كلت حقهم!” أمي قعدت تبكي وتشهق من على السرير: “يا كمال يا ابني.. حن على أخوك! إحنا في الشارع، والست فجر رمتنا ودمرتنا!”
كمال اتلفت لأمي وبصلها بنظرة مفيهاش نقطة رحمة: “رمتكم؟ فجر مدفعتش مصاريف الدار دي عشان خاطر عيونكم.. فجر دفعت المصاريف دي عشان تحطكم تحت ضرتي وتحت إيدي! الأرض اللي في الصعيد خلاص بقت ملكي برسم القانون، والعقد اللي معاك يا فلان بقى مجرد ورقة بليتها وشربت ميتها.”
سكت لحظة وشال شنطته الصغيرة وقال بصوت زي السم: “أنا جاي أبلغك قرار واحد مفيش فيه مراجعة.. قدامك 24 ساعة بالضبط تأخد أمك وتطلعوا من الدار دي. أنا مش هدفع مليم واحد بعد السنة اللي مدفوعة، ولا هسيبكم تقعدوا في أي بيت من أملاك أبويا القديمة. دورلك على لقمة عيش أو حيطة تداريك أنت وأمك، لأن اللي يعمل في مراته كدة، ما يلزموش أصل ولا عيلة تنستر بيه!”
سابنا ومشى.. خطواته كانت بتهز الأرض تحتيا وهو طالع من الباب، وسابني واقف في نص الأوضة مشلول تماماً. الأرض اللي كنت مأمن بيها مستقبلي وخايف أفرط فيها.. راحت في ثانية! راحت لأخويا اللي أكلنا حقه زمان، وفجر ما احتفظتش بيها لنفسها، دي استخدمتها سيف قطع بيه آخر عرق أمل كان فاضلي في الدنيا!
بصيت لإيدي.. الـ 500 جنيه المبلولة في جيب قميصي هي كل ما أملكه في هذا العالم. مفيش أرض، مفيش شقة، مفيش شغل، مفيش نفوذ، مفيش عيلة تقف جنبي. إخواتي البنات سرقوا أمي وهربوا، أخويا الصعيدي أخد الأرض وطردنا، والعروسة الجديدة ضربتني وفضحتني. أمي قعدت تصرخ على السرير: “هنروح فين يا فلان؟! هنروح فين بكرة لما السنة تخلص ويترموا في الشارع؟ اتصل بفجر يا ابني! اتصل بيها أبوس إيدك، اترجاها ترحمنا، انزل تحت جزمتها واستعطفها!”
مسكت تليفوني المكسور من الشحاذة، وجريت على برة الأوضة. صوابعي كانت بترتعش وأنا بكتب رقم فجر.. الرقم اللي حافظه عن ظهر قلب. اتصلت.. التليفون كان بيرن! قلبي كان بينبض زي الطبلة، مستني الصوت اللي هينقذني أو يجهز على البقية المتبقية من روحي. بعد أربع رنات.. الخط اتفتح! سمعت صوت هدوء أنفاسها من الناحية الثانية، وسكوت رهيب.




