
أنا مش هعمل حاجة لحد تاني خلاص، واليوم اللي كنت بجي فيه أخدمكم انتهى!وقبل ما ينطق لساني بحرف أو ألحق أرد عليها، لقيتها قفلت السكة في وشي!قعدت بصة للتليفون وأنا مش مصدقة اللي سمعته، ووشي جاب ألوان. . وبناتي كانوا قاعدين جمبي مستنيين أقولهم جت، فبصولي بذهول وقالوا إيه يا ماما؟ في إيه؟ هي قالتلك إيه؟!بصيتلهم وأنا زوري ناشف من الصدمة وقلت البت انفجرت وقالت مش جاية.. وقفت في وشي وقفلت السكة!وهنا بقى أدركت إن الحبل اللي كنت بفرده عشان أروضها بيه.
. اتقطع في إيدي مرة واحدة!أول ما قفلت السكة في وشي، الدـ,ـم غلى في عروقي ووشي جاب ألوان من الغضب.. إزاي بت زي دي تقف في وشي وتقفل التليفون بالطريقة دي؟!مسكت التليفون بإيدين بترتعش من العصبية، وبناتي طالعين نازلين جمبي يشحنوا فيّ، وزعقت والله ما هعديهالها! بقى البت دي تتطاول عليّ وتتهمني بالاستغلال؟! أنا هعرف جوزها إزاي يربيها من أول وجديد!طلبت رقم ابني بسرعة، وأول ما رد، ما اديتلوش فرصة ينطق ولا يقول ألو، وبدأت أصوت وأمثل الدور بنبرة كلها حسرة وغضب الحقني يا ابني!
تعالى شوف مراتك اللي اخترتها إزاي بتهين أمك وأخواتك وتصرخ في وشي في التليفون! بقى بكلمها بالذوق أقولها تعالي طلعي معانا بطاطين الشتا، تطول لسانها وتقولي انتوا استغاليين وعايزين خدامة أم بلاش؟! وتقفل السكة في وشي؟! هي دي الأصول اللي اتربت عليها؟ !كنت مستنية منه يسور ويزأر، ويقولي حاضر يا أمي حقك عليّ وأنا هجيلك أكسر رأسها.. بس السكوت اللي خيم على الناحية التانية كان يرعب!سمعت تنهيدة طويلة وتقيلة منه، وبعدها رد بصوت هادي أوي.. بس هدوء يرعب، هدوء حد كان كاتم جواه ك كلام كتير وأخيراً جاب أخرة خلصتي يا أمي؟
اتسمرت مكاني وقلتله باستـ,ـنكار إيه خلصتي دي يا ابني؟! انت مش سامع أنا بقولك إيه؟!رد بصلابة وصراحة صدمتني، وصوته فيه نبرة عتاب وعصرة قلب سامع يا أمي.. وحافظ كمان. بصراحة كده؟ مراتي عندها كل الحق في كل كلمة قالتها! بناتي الشهقة طلعت منهم، وأنا عيني وسعت وصرخت إنت بتقول إيه يا ولد؟! انت بتيجي في صفها ضد أمك؟!قال بنبرة حاسمة وقاطعة أنا مش باجي في صف حد ضد حد يا أمي، أنا باجي مع الحق!
أنا من أول يوم شفتكم قاعدين وهي تحت رجليكم بتعملكم باديكير ودموعها في عينيها، وأنا قلبي بيتقطع عليها.. كنت شايف الاستغلال بعيني، وشايفكم كل يوم تحملوا عليها في مواعين وأكل وخدمة ونزول وطلوع وكأنها شغالة عندكم مش عروسة جديدة! كمل وهو بيتنفس بسرعة وبحرقة أنا سكتّ كل الفترة دي مش عشان عاجبني الوضع، ولا عشان أنا خايف أو مش راجل! أنا سكتّ عشان كنت بقول لنفسي يمكن هي حابة تجاملكم، يمكن بتعمل كده برضاها وبأصلها عشان تقرب منكم، وما حبّيتش أعمل مشكلة وأبقى أنا اللي بعكر الصفو.
. بس لما لقيت الموضوع زاد عن حده وبقى استغلال صريح ل طيبتها وأصلها، كنت مستني اللحظة اللي هي بنفسها تحط فيها حد للمهزلة دي!وقف ثواني عشان يأخد نفسه، وبعدين كمل بكلمات كانت زي المرزبة على دماغي مراتي مش خدامة لحد يا أمي.. ولا هي جاية تتجوزني عشان تخدم أخواتي وتغسل سجاجيد وبطاطين! اللي عايز يغسل حاجته يوديها المغسلة أو يغسلها بإيده.. من النهاردة مراتي مش هتعمل حاجة لحد، وحقها عليّ أنا إن سكتّ من الأول وسبتكم تستغلوها. ويا ريت ما حدش يطلب منها حاجة تاني بعد اذنكم.
وقبل ما ألحق أرد أو أستوعب إن ابني وقفت في وشي عشانها.. سمعت صوت تكة الخط وهو بيبفل السكة!قعدت على الكرسي ومش قادرة آخد نفسي، وبناتي بيبصوا لبعض بذهول وذهول، وأنا حاسة إن القلم اللي أكلته من مراته كان أهون بكتير من القلم اللي أكلته من ابني! التليفون وقع من إيدي على الكنبة، وساد الصمت في الصالة كأن على رؤوسنا الطير.. بناتي تبادلوا النظرات المذهولة، وواحدة فيهم حطت إيدها على بقها مش مصدقة إن أخوها الوحيد، اللي كنا فاكرينه في جيبنا، يقف الوقفادي قدامنا ويقفل السكة في وشي عشان خاطر مراته!
قعدت مذهولة، صدري يعلو ويهبط من كثرة الغيظ والصدمة.. القلم كان جامد، والض. ربة جَت من المكان اللي ما كنتش أتوهم إنه ييجي منه أبداً. طول العمر بكلمتي، والكل بيعملي ألف حساب، تيجي بت كملت في البيت كام شهر تقلب ابني عليّ وتخليه يشوفني أنا وبناته استغلاليين؟ !بنتي الكبيرة قربت مني وهي وشها أحمر من الغضب وقالتلي شفتي يا ماما؟ شفتي ابنك الكبير بيبيعنا إزاي عشانها؟! بقى إحنا بقينالوا استغلاليين؟! والله البت دي ساحراله وممشياه على عجين ما يلخبطوش!رديت أنا بصوت مخنوق ومكسور من القهر، بس نبرة التحدي لسة جوايا ما عاش ولا كان اللي يقلب ابني عليّ!
ده اتعمى.. الاتنين اتفقوا عليّ وعملوا عليا تمثيلية! هو كان ساكت ومظبط معاها اللعبة، واستنوا الوقت اللي يكسروا فيه كلمتي!لكن الحقيقة اللي كنت بهرب منها وجوايا عارفة كويس إنها صح، إن ابني ما اتغيرش، بس إحنا اللي زودناها.. الغرور والنشوة اللي حسيت بيها لما لقيتها سكتت في أول مرة وخضعت، خلتني أفتكر إن مالهاش ظهر، ونسيت إن الساكت لما بينطق، نطقته بتبقى زي الزلزال. عدى اليوم وبناتي مشيوا كل واحدة على بيتها وهما بيتحسبنوا، وأنا فضلت قاعدة في الصالة لوحدي، البيت فاضي وصوت السكتة فيه يرعب.
. أعدي من جنب الحمام أفتكر البطاطين والسجاجيد اللي كنت مفكرة إني هكسر بيها مناخيرها، أخش المطبخ أفتكر أكلها ومواعينها اللي كانت بتعملها وهي ساكتة. مرت أيام وابني ما اتصلش، ولا حتى جه يطمن عليّ زي عادته كل يوم بعد شغل. كانت أول مرة يتخطاني بالطريقة دي، وظهرت الفجوة الكبيرة بيني وبينه. كل ما التليفون يرن، أطير عليه بلهفة أفتكره هو جاي يعتذر، ألاقيه حد تاني.. كبريائي كان يمنعني أكلمه، وهو كان أذكى من إنه يرجع خطوة لورا ويهد السور اللي بناه لمراته. وبعد أسبوع، شفتها بالصدفة.
. كنت نازلة على السلم وهي كانت طالعة لشقتها، شايلة شنط مشتريات وفي إيدها إيد جوزها.. أول ما عينها جت في عيني، ما وطتش رأسها ولا دارت وشها زي زمان.. بصتلي بثبات، ابتسمت ابتسامة هادية وفيها كل معاني الاحترام بحدود، وقالت بصوت متزن السلام عليكم يا طنط. . إزيك؟وقفت في مكاني، وبصيت لابني اللي كان واقف جنبها ماسك إيدها بحماية، وبصلي بنفس النبرة الهادية وقال إزيك يا أمي.. محتاجة حاجة من تحت؟في اللحظة دي بالذات، فهمت إن اللعبة انتهت.. وإن الترويض اللي كنت فاكرة إني بعمله، كان في الحقيقة بيبني حيطة حديد بيني وبين ابني.
أدركت إن الطيب لما بياخد حقه وبيلاقي اللي يسنده، مش بس بيرفض الاستغلال.. ده بيبدأ يحط القواعد الجديدة للتعامل، وفرضت هي احترامها على الكل، بس بعد ما خلتني أتعلم درس عمره ما هيروح من بالي إن اللي يستقوى على حد ساكت، بييجي اليوم اللي يكتشف فيه إنه كان بيحفر بنفسه الفجوة اللي هتفرقه عن أقرب الناس ليه.




