منوعات

ليلة العيد 1

في يوم الخميس بالليل، رجعت من الشغل متأخرة شوية، الساعة كانت جابت سبعة. أول ما فتحت باب الشقة، لقيت الهدوء العجيب يسود المكان، بس مش هدوء راحة.. كان هدوء ما قبل العاصفة. الأكل المحروق ريحته مالية الممر، واللعب متطرمخة، وجوزي قاعد على الترابيزة ومستنيني، وحماتي قاعدة على الكنبة زي القاضي اللي مستني يعلن الحكم، وأخت جوزي واقفة مربعة إيدها. أول ما دخلت وحطيت الشنطة، أحمد وقف، وشكل وش أتقلب، وعيونه كان فيها خليط من الغضب والعجز.

قال بصوت واطي بس ملغوم: — لحد أمتى المهزلة دي هتفضل مستمرة يا شيماء؟ شلت الجاكيت بهدوء وحطيته على الشماعة، وبصيت له بكل برود: — مهزلة إيه بالظبط؟ أنا نازلة شغلي وراجعة بيتي، شايف إيه غلط؟ حماتي انفجرت وقامت وقفت بالعافية: — شايفين إيه غلط؟! بيتي اتخرب يا بنت الناس! بقالنا أسبوع بناكل أكل دليفري وبواقي أكل محروق! الهدوم مكومة، والشقة بقى شكلها زي خرابة! أنتِ قاصدة تذلينا؟ قاصدة تردي لنا القلم اللي أكلتيه ليلة العيد؟

رديت عليها وأنا ببتسم بكل ثبات: — رد القلم؟ لأ يا طنط، أنا أرفع من إني أرد ألم ولا أستغل مواقف. أنا بس طبقت الكلام اللي جوزك وابنك قالوه قدام العيلة كلها. مش أنتم اللي قلتم إن قعدتي في البيت مالهاش قيمة، وإن تعبي طول اليوم لا يستحق غير “جنيه”؟ أنا بس سيبت لكم البيت تعملوا شغل الـ “جنيه” ده بنفسكم، عشان تعرفوا قيمته. أخت جوزي اتدخلت بعصبية والصوت علي:

— أنتِ مفكرة نفسك مين يعني؟ عشان حتة شغلانة رجعتيها بقيتي بتتكلمي من مناخيرك كده؟ أنتِ ست متجوزة ومسؤولة عن بيت وجوز! الشغل ده تسليه لو فاضية، لكن بيتك أولى! تفتحت عيوني فيها وبصيت لها بحدّة خلتها ترجع خطوة لورا: — بيتي أولى؟ طب لما هو بيتك وابنك أولى، أنتِ قاعدة هنا ليه بقالك شهر مخلياني خدامة ليكي ولابنك؟ ليه ما بتروحيش بيتك وتغسلي هدوم ابنك بنفسك؟ ولا هو الشغل الحقيقي حلال ليكي وحرام عليا؟

أحمد ضرب على الترابيزة بإيده بقوة، والتطبيش صدى في الشقة: — بس! كفاية كلام فارغ! شيماء.. أنتِ حدودك زادت أوي. أنا ساكت طول الأسبوع ده وبقول هتفوق لنفسها وترجع لعقلها، لكن الظاهر إن الفلوس والشغل عماكي! بكرة مفيش نزول شغل، والكارنيه ده هيتقص، وتعدي في بيتك تشوفي طلبات أمي وبنتك وليا أنا الأول! قربت منه خطوة بخطوة، والمسافة بيننا صغرت، بس المرة دي مكنتش الست الخايفة اللي بتداري دموعها عشان المركب تسير.

قلت له ونبرتي أبرد من الثلج: — تقص الكارنيه؟ تجرأ تعملها يا أحمد.. ونشوف ساعتها مين اللي هيزعل بجد. أنت فاكر إني رجعت الشغل عشان شوية فلوس؟ أنا رجعت الشغل عشان أسترد نفسي اللي أنت وأهلك محيتوها على مدار سنين. الفلوس اللي باخدها دلوقتي بتكفيني وتكفي بنتي، ومش محتاجة منك ولا جنيه.. الجنيه اللي رميته في الظرف، أنصحك تحتفظ بيه، عشان يمكن تحتاج تشتروا بيه كرامة لما تعرفوا البيت ده كان قايم على مين!

أحمد وشه اصفر، وأمه بصت له باستغراب وهي مش مصدقة إن دي نفس الست اللي كانت بتسكت على إهاناتهم وتعديها بابتسامة المكسورة. في اللحظة دي، التليفون بتاعي رن. شفت الشاشة.. كان الأستاذ كمال، مدير الشركة. رفعت السماعة ورديت قدامهم كلهم بصوت واضح ومسموع: — أيوة يا أستاذ كمال.. تمام.. بكرة الاجتماع مع وفد المستثمرين الخليجيين الساعة عشرة الصبح؟.. جاهزة تماماً ومجهزة العرض التقديمي كله.. متقلقش، المشروع تحت السيطرة. قفلت الخط، وبصيت لأحمد اللي كان واقف مش قادر ينطق كلمة، العجز مكتوب على وشه لأن كل تهديداته باتت ملهاش قيمة.

مسكت شنطتي، وقلت لهم بصوت هادي: — أنا داخلة أنام عشان عندي شغل مهم بكرة الصبح. والأكل اللي في الثلاجة بتاع بنتي بس، اللي عايز ياكل.. المطبخ مفتوح، بس البوتجاز بيحرق الأكل لو سيبتوه من غير مراقبة. دخلت الأوضة، وقفلت الباب بالمفتاح. سمعت برة دوشة وزعيق وصوت حماتي بتصرخ في أحمد: “شوف حل لمرتك يا خايب! الست ركبت ودليت رجليها!” وصوت أخت جوزي وهي بتلم هدومها وتزق ابنها وتقول “أنا رايحة بيتي، الشقة دي بقت تطاق!”.

قعدت على السرير، وبصيت لبنتي اللي كانت نايمة بسلام. مسكت الموبايل، وفتحت التطبيق البنكي.. نزلت لي مكافأة التقدير الأولى عن شغل الأسبوع، مبلغ محترم، أضعاف أضعاف العيدية اللي اتوزعت في ليلة العيد. ابتسمت، وعرفت إن المواجهة الكبيرة مش هتبقى في البيت بس.. بكرة في الشركة، فيه خطوة جديدة هتغير مسار حياتي كلياً، وهتخلي أحمد يندم على كل لحظة فكر فيها إنه يقلل مني. الصبح بدري، الساعة كانت سبعة إلا ربع.

خرجت من الأوضة وأنا لابسة بدلة جديدة باللون الزيتي القاتم، وبنطلون قماش مظبوط، وكعب عالي يررن في الصالة مع كل خطوة. البيت كان ريحته كئيبة، عبارة عن بواقي عشا البارح ومواعين ملهاش صاحب، وأحمد قاعد على الكنبة بجلابيته، شكله مانامش طول الليل، تحت عينيه هالات سودا ووشه شاحب من قلة النوم والتفكير. حماتي كانت قاعدة في زاوية الكنبة، لافة طرحتها وشكلها مهزوم، وأخت جوزي كانت لمّت شنطها وواقفة مستنية تاكسي عشان تهرب لبيتها بعد ما أدركت إن “الخدمة المجانية” انتهت للأبد.

أول ما شافوني خارجة، أحمد وقف بسرعة واعترض طريقي في الممر. قال بصوت مبحوح ومكسور، لكنه بيحاول يحافظ على شوية من كبريائه المزيف: — شيماء.. أنتِ بجد هتمشي وتسيبي البيت بالشكل ده؟ أمي مريضة ضغط ومش قادرة تقف على رجلها تعمل لقمة، وبنتك عندها امتحان في المدرسة الأسبوع الجاي.. أنتِ إزاي بقيِتِ بالقسوة دي؟ فين شيماء اللي كانت بتضحي عشان كل الناس؟ وقفت قدامه وبصيت في عينيه بثبات يوزن جبال، وقلت بصوت هادي وواثق:

— شيماء اللي كانت بتضحي ماتت ليلة العيد يا أحمد.. يوم ما وقفت قدام أهلك كلهم، ورميت لها جنيه، وضحكتوا كلكم عليها وكأنها خدامة ملهاش قيمة ولا كرامة. شيماء الجديدة هي اللي واقفة قدامك دلوقتي.. مديرة مشروعات، بتعرف قيمة وقتها ومجهودها كويس أوي. حماتي اتكلمت بصوت فيه شبق ونبرة انكسار لأول مرة: — يا بنتي.. يهديكي يرضيكي، المسامح كريم.. كان هزار وحقك عليا، ارجعي لبيتك وعقلك وهاتيلنا فطار نتلم عليه ونفتح صفحة جديدة.

ابتسمت لها ابتسامة باردة جداً وقلت: — الهزار اللي يقل من كرامة بني آدم ميبقاش هزار يا طنط.. ده بقى اسمه استهانة. وأنتم استهنتوا بيا سنين، وحان الوقت إن كل واحد يشيل شيلته. اللي عايز يفطر، السوبر ماركت تحت البيت، واللي تعبانة، ابنها ياخدها للدكتور بنفسه.. مش أنا اللي هدفع من صحتي وعمري تاني ببلاش. مسكت إيد بنتي، وفتحت الباب وخرجت، وسبت ورايا صوت أحمد وهو بينادي بعصبية وصوت أمه وهي بتتحسر.

وصلت الشركة الساعة تسعة إلا ربع. أجواء الشغل كانت مولعة، المكاتب كلها شغالين زي خلية النحل تحضيراً لاجتماع الوفد الخليجي، المستثمرين الكبار اللي الشركة بتسعى للتعاقد معاهم بقالها أكتر من سنتين. دخلت مكتبي، حطيت شنطتي، وفتحت الملفات. كان معايا ساعة واحدة بس أراجع فيها كل التفاصيل الماليّة والهندسية للمشروع. الأستاذ كمال دخل عليا المكتب وهو ماسك كوباية قهوة وشكله متوتر جداً. قال وهو بيمسح عرقه:

— شيماء.. الوفد وصل مبكر نص ساعة وقاعدين في غرفة الاجتماعات الكبيرة. المهندس هشام اللي كان مسك المشروع بعدك زمان.. اعتذر فجأة وقال إنه مش جاهز يقدم العرض! كل الحمل عليكِ دلوقتي.. لو الصفقة دي تمت، الشركة هتروح في مكان تاني خالص، واسمك هيتكتب بحروف من دهب. بصيت للأستاذ كمال وابتسمت بثقة: — متقلقش يا أستاذ كمال.. أنا مش بس جاهزة، أنا هخليهم يوقعوا العقد قبل ما يخرجوا من الأوضة.

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى