
قال بصوت واطي بس ملغوم: — لحد أمتى المهزلة دي هتفضل مستمرة يا شيماء؟ شلت الجاكيت بهدوء وحطيته على الشماعة، وبصيت له بكل برود: — مهزلة إيه بالظبط؟ أنا نازلة شغلي وراجعة بيتي، شايف إيه غلط؟ حماتي انفجرت وقامت وقفت بالعافية: — شايفين إيه غلط؟! بيتي اتخرب يا بنت الناس! بقالنا أسبوع بناكل أكل دليفري وبواقي أكل محروق! الهدوم مكومة، والشقة بقى شكلها زي خرابة! أنتِ قاصدة تذلينا؟ قاصدة تردي لنا القلم اللي أكلتيه ليلة العيد؟
رديت عليها وأنا ببتسم بكل ثبات: — رد القلم؟ لأ يا طنط، أنا أرفع من إني أرد ألم ولا أستغل مواقف. أنا بس طبقت الكلام اللي جوزك وابنك قالوه قدام العيلة كلها. مش أنتم اللي قلتم إن قعدتي في البيت مالهاش قيمة، وإن تعبي طول اليوم لا يستحق غير “جنيه”؟ أنا بس سيبت لكم البيت تعملوا شغل الـ “جنيه” ده بنفسكم، عشان تعرفوا قيمته. أخت جوزي اتدخلت بعصبية والصوت علي:
— أنتِ مفكرة نفسك مين يعني؟ عشان حتة شغلانة رجعتيها بقيتي بتتكلمي من مناخيرك كده؟ أنتِ ست متجوزة ومسؤولة عن بيت وجوز! الشغل ده تسليه لو فاضية، لكن بيتك أولى! تفتحت عيوني فيها وبصيت لها بحدّة خلتها ترجع خطوة لورا: — بيتي أولى؟ طب لما هو بيتك وابنك أولى، أنتِ قاعدة هنا ليه بقالك شهر مخلياني خدامة ليكي ولابنك؟ ليه ما بتروحيش بيتك وتغسلي هدوم ابنك بنفسك؟ ولا هو الشغل الحقيقي حلال ليكي وحرام عليا؟
أحمد ضرب على الترابيزة بإيده بقوة، والتطبيش صدى في الشقة: — بس! كفاية كلام فارغ! شيماء.. أنتِ حدودك زادت أوي. أنا ساكت طول الأسبوع ده وبقول هتفوق لنفسها وترجع لعقلها، لكن الظاهر إن الفلوس والشغل عماكي! بكرة مفيش نزول شغل، والكارنيه ده هيتقص، وتعدي في بيتك تشوفي طلبات أمي وبنتك وليا أنا الأول! قربت منه خطوة بخطوة، والمسافة بيننا صغرت، بس المرة دي مكنتش الست الخايفة اللي بتداري دموعها عشان المركب تسير.
قلت له ونبرتي أبرد من الثلج: — تقص الكارنيه؟ تجرأ تعملها يا أحمد.. ونشوف ساعتها مين اللي هيزعل بجد. أنت فاكر إني رجعت الشغل عشان شوية فلوس؟ أنا رجعت الشغل عشان أسترد نفسي اللي أنت وأهلك محيتوها على مدار سنين. الفلوس اللي باخدها دلوقتي بتكفيني وتكفي بنتي، ومش محتاجة منك ولا جنيه.. الجنيه اللي رميته في الظرف، أنصحك تحتفظ بيه، عشان يمكن تحتاج تشتروا بيه كرامة لما تعرفوا البيت ده كان قايم على مين!
أحمد وشه اصفر، وأمه بصت له باستغراب وهي مش مصدقة إن دي نفس الست اللي كانت بتسكت على إهاناتهم وتعديها بابتسامة المكسورة. في اللحظة دي، التليفون بتاعي رن. شفت الشاشة.. كان الأستاذ كمال، مدير الشركة. رفعت السماعة ورديت قدامهم كلهم بصوت واضح ومسموع: — أيوة يا أستاذ كمال.. تمام.. بكرة الاجتماع مع وفد المستثمرين الخليجيين الساعة عشرة الصبح؟.. جاهزة تماماً ومجهزة العرض التقديمي كله.. متقلقش، المشروع تحت السيطرة. قفلت الخط، وبصيت لأحمد اللي كان واقف مش قادر ينطق كلمة، العجز مكتوب على وشه لأن كل تهديداته باتت ملهاش قيمة.
مسكت شنطتي، وقلت لهم بصوت هادي: — أنا داخلة أنام عشان عندي شغل مهم بكرة الصبح. والأكل اللي في الثلاجة بتاع بنتي بس، اللي عايز ياكل.. المطبخ مفتوح، بس البوتجاز بيحرق الأكل لو سيبتوه من غير مراقبة. دخلت الأوضة، وقفلت الباب بالمفتاح. سمعت برة دوشة وزعيق وصوت حماتي بتصرخ في أحمد: “شوف حل لمرتك يا خايب! الست ركبت ودليت رجليها!” وصوت أخت جوزي وهي بتلم هدومها وتزق ابنها وتقول “أنا رايحة بيتي، الشقة دي بقت تطاق!”.
قعدت على السرير، وبصيت لبنتي اللي كانت نايمة بسلام. مسكت الموبايل، وفتحت التطبيق البنكي.. نزلت لي مكافأة التقدير الأولى عن شغل الأسبوع، مبلغ محترم، أضعاف أضعاف العيدية اللي اتوزعت في ليلة العيد. ابتسمت، وعرفت إن المواجهة الكبيرة مش هتبقى في البيت بس.. بكرة في الشركة، فيه خطوة جديدة هتغير مسار حياتي كلياً، وهتخلي أحمد يندم على كل لحظة فكر فيها إنه يقلل مني. عدى الأسبوع الأول زي على البيت، وزي الحلم بالنسبة لي.
كل يوم كنت بأصحى الساعة سبعة الصبح، ألبس طقم الشغل بكل شياكة، أجهز لبنتي سندوتشاتها بنفسي، وآخدها في إيدي وأوصلها المدرسة، وأطلع على الشركة. تسع ساعات بعيد عن النكد، والتحكمات، وطلبات حماتي اللي مابتخلصش، واستغلال أخت جوزي. في الشركة، كان كلامي بيتسمع، أفكاري بتتنفذ، والكل بيناديني “باشمهندسة شيماء”. حسيت إن الرئة اللي اتسدت بقالها سنين رجعت تتنفس هوا نظيف من تاني. أما البيت؟ كان شامل.
أحمد، جوزي، اللي كان متعود يصحى يلقى القهوة والهدوم المكوية والفطار الجاهز، بقى يصحى يلقى الصالة مقلوبة. حماتي، اللي كانت متعودة على الشاي بالنعناع والشوربة السخنة والمساج لرجليها لما تتعب، بقت قاعدة طول اليوم تتذمر وتتحسر على الأيام الخوالي. وأخت جوزي اللي كانت فاكرة البيت أوتيل ببلاش، لقت نفسها متدبسة في غسيل هدوم ابنها وطبيخ العيلة كلها، واكتشفت في ظرف ثلاثة أيام بس إن شغل البيت اللي كانت بتسخر منه بيهد الحيل!
