
حكيتله عن الولد الشماّم اللي نط فوق السطح وبيبص على بنتنا، وحكيتله عن كلام أمه البجحة واللي قالته في حق البنت وتشكيكها في أخلاقها. كنت متوقعة إنه أول ما يسمع الكلام ده هيثور، وهيتعصب، وهيهد الدنيا على دماغهم، وهيطلع يجيب الولد من رقبته أو يمسك جوز المرا دي يمسح بيه الأرض… بس جوزي سكت خالص. سكت شوية وبص في الأرض، وبعدها وقف… وقال أغرب حاجة ممكن يقولها أب في الدنيا كلها! واللي عمله مع البنت بعد كده… شيء مفيش أي عقل في الدنيا ممكن يستوعبه ولا يتخيله أبداً!!!!
بصيت لجوزي وأنا مستنية منه كلمة واحدة، كلمة تطمن قلبي، أو حتى يقوللي أنا هتصرف. لكنه فضل ساكت شوية، وبعدها رفع عينه في عيني وقال بهدوء غريب إنتِ غلطانة. اتجمدت مكاني، وحسيت إني سمعت غلط. قولتله أنا؟! أنا غلطانة في إيه؟ ده أنا شوفته بعيني فوق السطح وهو بيبص على بنتك! قالي مش غلطانة إنك خفتي على بنتك، ولا غلطانة إنك زعلتي من اللي حصل… إنتِ غلطتي بس في حاجة واحدة. قرب مني وقال إنك قفلتي المنور. بصيتله باستغراب يعني إيه؟! قال يعني ليه بنتنا هي اللي تدفع تمن قلة أدب واحد تاني؟
ليه هي اللي تقعد في أوضة مكتومة ومظلمة عشان واحد قليل الأدب؟ وليه هي اللي تحس إنها لازم تختفي وتستخبى؟ الكلام ده خلاني أسكت. كمل وهو بيبص ناحية أوضة بنتنا بنتنا معملتش حاجة غلط. هي مش اللي لازم تتعاقب ولا تتخنق ولا تحس إنها مذنبة. اللي غلط هو اللي لازم ېخاف. حسيت إن دموعي نزلت لوحدها، بس برضه كنت مستغربة من هدوئه. قولت يعني هتسيب الولد؟ قال لأ. وبعدها قام من مكانه، وراح نادى بنتنا. البنت خرجت من أوضتها وهي متوترة، خصوصًا إنها كانت حاسة إن في حاجة حصلت وهي مش عارفة تفاصيلها. قالها أبوها تعالي يا بنتي اقعدي.
قعدت جنبه، وهو مسك إيدها وقال ماما قالتلي اللي حصل. وشها اتغير، وبصتلي بخضة هو… هو كان بيبص عليا؟ أنا قربت منها وحضـ,ـنتها، لكن أبوها سبقني وقال بصيلي يا بنتي. رفعت عينيها له. قال إنتِ مصدقة نفسك؟ قالت يعني إيه يا بابا؟ قال إنتِ عملتي حاجة غلط؟ هزت راسها بسرعة لأ. حد يقدر يقول إنك عملتي حاجة غلط؟ قالت وهي دموعها في عينيها أنا معرفش. أبوها شد على إيدها وقال يبقى متسمحيش لحد يخليكي تشكي في نفسك. اللي حاول يبص عليكي من غير إذنك هو اللي غلطان، مش إنتِ. أنا وقتها معرفتش أقول حاجة.
وبعدين جوزي قال الجملة اللي عمرها ما هتطلع من دماغي أنا مش هروح أضـ,ـربه… أنا هخليه هو وأمه يتمنوا إنهم ما كذبوش عليكي.بصيتله باستغراب هتعمل إيه؟قال اللي اتقال قدامك كان كلام من غير دليل، وإحنا هنجيب الدليل. تاني يوم الصبح، جوزي طلع السطح وشاف المكان بنفسه. بص على السطح بتاع الجيران، وشاف إن المسافة بين البيتين فعلًا بسيطة جدًا، وإن الولد يقدر ينط بسهولة من سطحهم لسطحنا. قاللي كان ممكن يعملها تاني، خصوصًا بعد ما افتكر إنك قفلتي المنور. قولتله طب نعمل إيه؟ قال هنركب حماية للمنور من جوه، ونخلي فتحة الهوا موجودة، بس من غير ما حد يقدر يقرب منها.
وبالفعل جاب نجار وحداد، وعملوا غطاء معدني متين للمنور، يدخل الهوا والنور، لكن يمنع أي حد إنه يحط وشه أو جسمه فوق الفتحة. لكن جوزي كان عامل حساب لحاجة تانية. قاللي ومتقوليش لحد اللي أنا هعمله. استغربت ليه؟ ابتسم وقال عشان اللي بيكدب وهو مطمن، بيغلط أكتر. مر يوم… واتنين… وتلاتة. والولد فضل يظهر فوق السطح كأنه مفيش حاجة حصلت. وفي اليوم الرابع، جوزي كان قاعد في البيت من بدري، ومستخبي بعيد عن السطح، وأنا كنت في المطبخ، وبنتي في أوضتها. فجأة سمعت صوت خبطة فوق. قلبي وقع في رجلي. جوزي بصلي وحط صباعه على بقه وقال متتحركيش. طلع السلم بهدوء.
وبعد ثواني سمعنا صوت جوزي بيقول انزل يا ابني. وبعدها حصل صوت جري وخبط جامد فوق السطح. أنا جريت ورا جوزي، ولما طلعت لقيته واقف ماسك الولد من دراعه، والولد وشه أصفر. لكن المفاجأة إن جوزي مكنش لوحده. كان فيه راجلين من أهل البلد واقفين على السطح. اتضح إن جوزي كان كلم عمه الكبير واتنين من كبار العيلة، وقالهم كل حاجة، وطلب منهم ييجوا يشوفوا بنفسهم بدل ما الموضوع يتحول لخناقة بين البيتين. الولد فضل يقول أنا كنت طالع أشوف حاجة بس! جوزي رد تشوف إيه من فوق منور أوضة بنتي؟ الولد سكت. عمه زعق فيه اتكلم! فضل ساكت.
جوزي قال أنا مش عايز أضـ,ـربك، ولا همد إيدي عليك. أنا عايزك تقول الحقيقة قدام الناس اللي هنا. الولد بص في الأرض، وبعد شوية قال بصوت واطي أنا… كنت ببص. أول ما قالها، حسيت إن الدنيا سكتت. مش عشان اتفاجأت، أنا كنت عارفة. لكن عشان الكلمة دي كانت هتثبت إن بنتي كانت بريئة من أول لحظة. جوزي قال وبتطلع ليه؟ الولد سكت. عمه قال رد! قال كنت عايز أشوفها. جوزي رد عليه وده مش حقك. وبعدين أخده ونزلوا كلهم على بيتهم. أمه أول ما شافت الناس متجمعة، خرجت تجري وهي بتقول في إيه؟ ابني عمل إيه؟
جوزي وقف قدامها وقال فاكرة لما قولتيلي إن بنتي يمكن تكون هي اللي سمحتله يطلع؟ وشها اتغير. كمل ابنك بنفسه قال إنه كان بيطلع يبص عليها. هي حاولت تنكر مستحيل! ابني قال الكلام ده؟ الولد نفسه كان واقف وراها، ساكت ومكسوف. جوزي قال أنا جاي آخد حق بنتي بالكلمة، مش بإيدي. لأن بنتي لو غلطانة كنت أول واحد هحاسبها، لكن لما تكون بريئة، مش هسمح لحد يشكك في أخلاقها. أم الولد بدأت تبكي وقالت أنا اتسرعت. أنا بصيت لها وافتكرت كلامها وهي واقفة على الباب بتقوللي شوفي بنتك كانت قايلة لمين يطلعلها. لكن جوزي بصلي وقال سيبيها. استغربت أسيبها؟ قال أيوه.
إحنا خدنا حقنا لما الحقيقة ظهرت. مش محتاجين نهين حد. وبعدين لف على بنتنا وقال إنتِ من النهارده مش هتستخبي من حد، ومش هتخافي من حد. لو حد بصلك أو ضايقك أو قرب منك، تيجي تقوليلي فورًا. وأنا اللي هتصرف. بنتنا كانت پتبكي، وقالت بس أنا كنت خاېفة يا بابا… خاېفة تزعقلي أو تقول إني السبب. جوزي حضنها وقال إنتِ بنتي. أنا ممكن أزعقلك لو غلطتي، لكن عمري ما أظلمك عشان غلطة حد تاني. الكلمة دي كسرتني من جوا. افتكرت قد إيه كنت طول الأسبوع خاېفة، وقد إيه بنتي كانت بتبصلي وتسألني ليه قفلت المنور وأنا مش قادرة أقولها الحقيقة.
في اليوم ده، جوزي طلع معايا السطح. فكينا الخشب والقماش اللي كنت قافلة بيهم المنور، وركبنا الغطاء الجديد اللي يدخل الهوا والنور ويمنع أي حد يقرب. دخلت بنتي أوضتها، وفتحت الشباك، وفضلت واقفة في النور. بصتلي وقالت كده أحسن يا ماما. ابتسمت وسط دموعي وقلت أيوه يا حبيبتي… أحسن. ومن يومها، الولد مظهرش فوق السطح تاني. وأمه بقت كل ما تشوفني تحاول تسلم عليا وتتكلم، وأنا كنت برد السلام من غير ما أفتح الكلام القديم. لكن أغرب حاجة حصلت بعد كل ده، كانت بعد كام يوم. بنتي دخلت عليا وهي ماسكة ورقة، وقالت ماما… بابا قاللي إن الورقة دي ليكي.
فتحتها، لقيت جوزي كاتب بخط إيده متقفليش النور على بنتنا عشان حد قليل الأدب حاول يبص عليها… خليها دايمًا ماشية في النور، واللي عنده مشكلة هو اللي يغمض عينه. وقتها ضحكت وأنا بعيط. وفهمت إن جوزي، بدل ما يعمل مصېبة ويتخانق ويضـ,ـرب، اختار إنه يعلم بنتنا درس أهم من أي اڼتقام إنها مش مذنبة في قلة أدب غيرها… وإن الدفاع الحقيقي عن البنت مش إنك تخليها تخاف وتستخبى، لكن إنك تخليها عارفة إن أبوها مصدقها، واقف جنبها، ومش هيسمح لأي حد يشوه صورتها أو يحملها ذنب حاجة معملتهاش.


