
سامح الشاذلي. أحمد بص لأمه يعني كان بيسرق فلوس الشركة؟ أمه هزت راسها. فلوس كتير. وبابا كان عارف؟ في الأول لأ. سارة بدأت تجمع صور من المستندات والفواتير والتحويلات. وسامح عرف إنها بتدور وراه. في الأول حاول يقنعها تسكت. لكنها رفضت. وبعدها التهديدات بدأت. عربية تفضل ماشية وراها. مكالمات من أرقام غريبة. إزاز شباك بيتها اتكسر. وفي ليلة، حد دخل شقتها. مسرقش حاجة. لكن على سريرها ساب ورقة مكتوب عليها
بطلي تدوري… وإلا هتختفي. أحمد قبض على الرسالة بإيده. طب ليه محدش قالي حاجة؟ أمه قالت لأنك كنت عندك تسعتاشر سنة، وسارة بنفسها طلبت مننا منقولكش. وده يبرر إنكم تكدبوا عليا عشر سنين؟ أمه نزلت عينيها. لأ. وسكتت لحظة قبل ما تقول مفيش حاجة تبرر اللي حصل بالكامل. أبوهم حاول وقتها يروح للشرطة، لكن جزء من المستندات اللي كانت سارة جمعتها اختفى. وسامح كان عنده
علاقات كتير، وكان واضح إنه عرف إن سارة مستعدة تتكلم. ساعتها أبوهم خد قرار صعب. قرروا يخلوا الكل يفتكر إن سارة ماتت. عربيتها اتسابِت جنب الترعة. وجزء من العربية اتلقى في الميه. وسارة سافرت من مصر في نفس الليلة بهوية جديدة. أحمد كان باصص لأمه كأنه مش مصدق اللي بيسمعه. يعني إنتوا عملتوا حادثة وهمية؟ أمه هزت راسها وهي بتعيط. أيوه. وسيبتوني عشر سنين أفتكر إن أختي ماتت؟
أمه انفجرت في العياط كل يوم كنت عايزة أقولك! بس مقولتيش! لأن سامح فضل بيراقبنا. أحمد عقد حواجبه. عشر سنين؟ لأ… هو فضل يراقبنا حوالي أربع سنين، وبعدها سافر أمريكا. أحمد اتصدم طب ليه مقولتوليش بعدها؟ أمه سكتت. وكان واضح إن فيه جزء تاني من الحكاية لسه مستخبي. قالت بصوت مكسور عشان سارة مكنتش عايزة ترجع. أحمد بص لها يعني إيه؟ كانت بأمان وبدأت حياتها من جديد، وطلبت مننا محدش يقولك إنها عايشة.
أحمد اتوجع من الكلمة. حتى أنا؟ أمه هزت راسها. حتى إنت. ليه؟ أمه أشارت ناحية علبة خشب صغيرة كانت موجودة على المكتب. جواها ظرف تاني. أحمد أخده. أول ما شاف الخط، عرفه. خط سارة. فتح الظرف. وكان مكتوب أخويا الصغير… لو إنت بتقرأ الكلام ده، غالبًا هتكرهني. ومن حقك. بس وقتها إنت مكنتش تعرف تخبي حاجة. حتى لما بابا كان بيخبي عنك هدية عيد ميلادك، كنت في الآخر بتفضح مكانها من غير ما تحس.
ولو كنت عرفت إني عايشة، سامح كان هيعرف من وشك. مكنتش أقدر أطلب منك تشيل السر ده. وبعدين السنين عدت. وكل ما الوقت عدى، رجوعي بقى أصعب. أنا اتجوزت. وخلفت بنت. اسمها ليلى. وعندها دلوقتي ست سنين. وكل ما تسألني عندك أخ؟ بقول لها أيوه. لأني عمري ما نسيتك. أحمد قعد على طرف السرير. كان عنده بنت أخت. عنده بنت أخت عاشت ست سنين وهو ميعرفش حتى إنها موجودة.
كمل القراءة. بابا كان عايز يقولك الحقيقة قبل ما يموت. وأنا طلبت منه يستنى. كنت فاكرة إني هرجع بنفسي. بس معنديش الشجاعة. سامحني لو تقدر. سارة. أحمد فضل ساكت. مش عارف يعيط ولا يصرخ. منى كانت واقفة جنبه وهي بتبكي. وفجأة لمحت دفتر صغير جوه العلبة. فتحته. كان جواه عنوان حديث لمكان كانت سارة عايشة فيه. أحمد أخده بسرعة. بص لأمه ده عنوانها؟ أمه هزت راسها. على حد علمي. أحمد طلع موبايله.
أمه اتوترت إنت هتعمل إيه؟ هكلمها. مد إيده ناحية الموبايل. لكن أمه مسكت إيده. استنى. بصلها بعصبية استنى إيه تاني؟ أنا استنيت عشر سنين! أمه قالت فيه حاجة تانية لازم تعرفها. أحمد بص لها. إيه؟ أمه أخدت نفس طويل وقالت سامح رجع مصر من تلات أسابيع. أحمد اتجمد. وفجأة، افتكر الخادمة. افتكر إنها كانت بتسأل عن أوضة سارة. وافتكر إن أمه كانت هتطردها من البيت. بصلها وقال عشان كده كنتِ عايزة تطرديها؟
أمه هزت راسها. من ساعة ما سامح رجع وأنا بقيت بخاف من أي حد يسأل عن الأوضة. أحمد بص لأمه وقال وإنتِ كنتِ فاكرة إن الخادمة شغالة لحسابه؟ أمه قالت أيوه. ومن كتر خوفي، لما لقيتها بتسأل عن الدور اللي فوق، افتكرت إنها مبعوتة عشان تعرف سارة فين. الخادمة هزت راسها بسرعة وقالت والله يا مدام، أنا كل اللي عملته إني لقيت جهاز التسجيل. أحمد بص لها. إزاي؟ قالت من أسبوع كان فيه تسريب ميه في سقف الطرقة، والسباك كان محتاج يدخل المكان اللي ورا الأوضة دي عشان يصلح المشكلة، لكن حضرتك رفضتي. وأنا استغربت.
بصت لأحمد وقالت وبعدها لقيت جهاز التسجيل. أحمد بص لأمه. وإنتِ بدل ما تسأليها، كنتِ هتطرديها؟ أمه نزلت عينيها. كنت خايفة. المرة دي أحمد مرفعش صوته. طلع موبايله واتصل بمحامي العيلة. وبعدها كلم ضابط سابق كان والده بيثق فيه، عشان يراجع معاه ملف حادثة سارة القديم. رجوع سامح لمصر اتأكد. لكن الحقيقة كانت مختلفة عن اللي أمه كانت متخيلاه. سامح مكنش راجع يدور على سارة. كان راجع عشان فيه تحقيقات مالية جديدة بدأت تتحرك من خلال مستندات قديمة ظهرت بعد وفاة أبوه.
والمستندات دي كان فيها أدلة على الفلوس اللي اتاخدت من الشركة. أدلة سارة القديمة. أبوهم كان محتفظ بنسخ منها. وجزء من المستندات كان موجود في الأوضة المقفولة. بعد أيام، تم القبض على سامح وهو بيحاول يخرج من مصر. والتحقيقات كشفت عمليات اختلاس وتهديدات وضغوط كان عملها على مدار السنين. لكن بالنسبة لأحمد، كل ده مكنش أهم حاجة. أهم حاجة كانت سارة. بعد تلات أيام، سافر للمكان اللي كانت عايشة فيه.
وقف قدام بيت صغير. قلبه كان بيخبط في صدره. خبط على الباب. وبعد لحظات، الباب اتفتح. ظهرت قدامه ست شعرها بقى أقصر، وفيه كام شعرة بيضا ظهرت بينه. وشها اتغير. لكن أحمد عرفها من أول نظرة. سارة. أخته. قدامه بعد عشر سنين. الاتنين فضلوا واقفين من غير كلام. عشر سنين كاملة، ومفيش كلمة واحدة كانت قادرة تختصرهم. سارة قالت بصوت مكسور إنت كبرت. ضحك أحمد ضحكة فيها وجع ده الطبيعي بعد عشر سنين.
دموعها نزلت. أحمد… قال لها ليه عمرك ما كلمتيني؟ نزلت عينيها. في الأول كنت خايفة. وبعد كده؟ حسيت بالعار. أحمد عقد حواجبه من إيه؟ إني خليتك تعيش وتعيط على واحدة هي أصلًا مش ميتة. أحمد شد على أسنانه. أنا كنت بروح المقابر. سارة قفلت عينيها. عارفة. عرفتي منين؟ ماما كانت بتحكيلي. أحمد دموعه نزلت أخيرًا. وإنتِ كنتِ عارفة إني بروح هناك؟ هزت راسها. أيوه. ومعملتيش حاجة؟ سارة بصت في الأرض.
لأ. أحمد رجع خطوتين. غضبه كان لسه موجود، لكنه بدأ يختلط بحاجة تانية. وفجأة ظهرت بنت صغيرة عند باب البيت. ماما؟ سارة مسحت دموعها بسرعة وقالت ليلى… تعالي. البنت قربت وبصت لأحمد باستغراب. وبعدين قالت هو ده؟ سارة ابتسمت وسط دموعها أيوه. البنت ابتسمت بخجل وقالت إزيك يا خالو أحمد؟ الكلمة دي كسرت حاجة جواه. أحمد نزل على ركبته قدامها وقال إزيك يا ليلى؟ المصالحة بين أحمد وسارة محصلتش في لحظة.
مقدرتش عشر سنين من الوجع تختفي بكلمتين. عدت شهور. أحمد سأل أسئلة كتير. وسارة جاوبت على بعضها بإجابات وجعته. وأمه اضطرت تعترف إن خوفها من حماية بنتها اتحول لسنين من الكذب والسيطرة والخوف. أما الخادمة، ففضلت في شغلها. وأمه اعتذرت لها قدام العاملين في البيت. قالت لها أنا ظلمتك واتهمتك من غير دليل. الخادمة ردت أنا قبلت اعتذارك يا مدام… بس بعد كده اسألي الأول قبل ما تطلبي من الأمن يطرد حد.
أحمد ابتسم لأول مرة من وقت طويل. وبعد ست شهور، رجعت سارة البيت لأول مرة. طلعت السلم. وقفت قدام أوضتها القديمة. ليلى كانت بتجري قدامها. وأحمد واقف عند الباب. سارة بصت للسرير والكتب والتسريحة، وبعدين مسكت المفتاح الصغير في إيدها وقالت نقفلها تاني؟ أحمد هز راسه لأ. بصت له باستغراب ليه؟ فتح الباب على آخره وقال كفاية إن العيلة دي عاشت سنين ورا أبواب مقفولة. أمه كانت واقفة بعيد، ودموعها نازلة من غير كلام.
ومن اليوم ده، أوضة سارة مبقتش أوضة ممنوعة. حولوها لمكتبة للبيت. وكل الرسائل والتسجيلات القديمة اتحفظت. والباب فضل مفتوح. لأن أحمد فهم بعد عشر سنين إن الحقيقة مهما كانت صعبة، تفضل أرحم من الك,ذبة لما تكبر وتعيش معاك سنين.




