
وقبل ما يقفل، قلت:
ـ ربنا يخليك ليا وللولاد.واقفل.
ما كنتش محتاجة أكتر من كده.
بعدها بدقائق كان بيبعتلي المبلغ، وهي طبعًا كانت بتسأله:
ـ هو لازم كل مرة تبعتلها فلوس؟
كان في الأول بيحاول يعدي الموضوع:
ـ دي فلوس ولادي.
فترد عليه:
ـ ما أنا عارفة إنهم ولادك، بس إنت كل ما تتصل بيك تبعتلها.وكان يسكت.
وأنا كنت مستفيدة من كل نقاش بيحصل بينهم من غير ما أكون موجودة أصلًا.
والأغرب إن شغلها بدأ ياخد منها معظم وقتها، وبقت مش مهتمة بالأكل ولا بالبيت زي الأول.
كانت معتمدة إنه طول ما هو بيروح عندي، هي مش محتاجة تتعب نفسها فى اكل ولا بيت وانا كنت بستغل النقطه دى من غير ما ابين عشان متاخدش بالها
ولو سألته:
ـ هتتعشى إيه؟
كان يقول لها:
ـ أنا أكلت عندها.
ولو قالت:
ـ أعملك حاجة؟
يرد:
ـ لا، خلاص شبعت.
ومع الوقت، بقى الأكل عندي عادة بالنسبة له.
كان ييجي من الشغل ويدخل عليّ كأنه داخل بيته.
يلاقي السفرة جاهزة، والأكل اللي بيحبه موجود، والبيت هادي، والولاد حواليه.
وأنا ما كنتش بقول له:
ـ مراتك مش بتعملك أكل.
ولا كنت بلمح لها بكلمة.
بالعكس، كنت أقول له:
ـ روح بقى، أكيد مراتك مستنياك.
لكن جوايا كنت عارفة إن كل مرة بياكل فيها عندي، وكل مرة بتصل بيه عشان فلوس، وكل مرة يحصل بينهم نقاش بسببي، أنا بقرب خطوة من الحاجة اللي عايزاها.
وبدأت هي نفسها تتغير.
بقت تسأله كتير:
ـ إنت ليه بتروح عندها كل يوم؟
فيقول:
ـ عشان أشوف الولاد.
فترد:
ـ والولاد محتاجينك كل يوم للدرجة دي؟
كان يسكت.
وأنا كنت مستمرة في هدوئي.
لا خناق.لا تهديد.لا فضايح.
ولا حتى كنت أحاول أظهر قدامه إني مستنية رجوعه.
كنت بالعكس، كل ما زاد تعلقه بالمكان، أبدأ أختفي منه شوية.
لحد ما بقى هو اللي يتصل يقول:
ـ إنتِ عاملة أكل إيه النهارده؟
وأنا أضحك وأقول:
ـ ليه؟ هتيجي؟
فيرد بسرعة:
ـ آه، جاي.
وقتها كنت أقفل المكالمة وأنا مبتسمة.
لأني لأول مرة من يوم ما اتجوزها، بقيت أنا اللي أحدد إمتى ييجي…
وإمتى يحس إنه محتاج ييجي. وبعدها قررت ادخل فى الخطه التالته
بعد ما حسيت إن وجودي بقى جزء من يومه، وإنه بدأ يتعود على أكلي ومكالماتي واهتمامي، قررت أبدأ المرحلة التالتة. المرحلة دي كانت أصعب من كل اللي فات. لأني المرة دي مش هقرب منه… أنا هبعد.
كنت عايزة أحسسه إن كل اللي عمله معايا له ثمن، وإن صبري اللي طول الفترة اللي فاتت مش معناه إني رضيت باللي حصل. فجأة بطلت أدلعه. بطلت أقول له: “حبيبي”. وبطلت أستقبله بنفس الابتسامة. حتى الأكل اللي كان بيحبه، بقيت أعمله عادي من غير ما أكون مستنياه مخصوص. وفي يوم دخل عندي كعادته، حط مفاتيحه على الترابيزة وقال:
ـ عاملة أكل إيه؟ بصيت له من غير ابتسامة وقلت:
ـ الأكل موجود اجبلك تاكل
استغرب وقال:
ـ مالك؟ ـ مافيش. ـ لا، في حاجة. سكت شوية، وبعدين قلت:
ـ إنت شايف إن مافيش حاجة؟ قرب مني وقال:
ـ يعني إيه؟ بصيت له وقلت:
ـ يعني أنا تعبت. اتغيرت ملامحه:
ـ تعبتي من إيه؟ ـ من كل حاجة. ـ وضحي. ضحكت ضحكة قصيرة وقلت:
ـ إنت عايزني أوضح بعد كل الوقت ده؟ سكت. وأنا كملت:
ـ بقالك فترة مش بتبات هنا خالص. بقيت تيجي تقعد شوية وتمشي، وأنا كل مرة أقول معلش، أصل عنده حياته الجديدة، أصل مراته مستنياه، أصل هو اختار… لكن أنا كمان ليا طاقة وليا كرامة.
قال بسرعة:
ـ ما إحنا اتكلمنا في الموضوع ده. ـ لأ، إحنا ما اتكلمناش. إحنا كنا بنهرب من الكلام. سكت وهو بيبص لي. ـ أنا حاولت أتأقلم. حاولت أتعامل مع وجود مراتك الجديدة كأنه شيء عادي. حتى لما كنت بتيجي عندي كنت بستقبلك كويس، وأعملك أكلك، وأهتم بيك، وأقول لنفسي إنك مهما عملت تفضل أبو ولادي… لكن أنا تعبت. قال بصوت منخفض:
ـ إنتِ عايزة إيه؟ بصيت له لأول مرة في عينه وقلت:
ـ الطلاق.
حسيت إنه اتكهرب من كلامى واتصدم. فضل ساكت ثواني كأنه مستوعب الكلمة.
ـ طلاق؟ ـ أيوه. ـ وإنتِ فجأة كده قررتي؟ هزيت راسي:
ـ لأ، مش فجأة. أنا قررت من زمان، بس كنت بسكت. قرب مني وقال:
ـ طب وإيه اللي غيرك دلوقتي؟ قلت وأنا بحاول أتماسك:
ـ ولا حاجة غيرتني. اللي حصل إن صبري خلص. ـ طب والولاد؟ ـ ولادي مش سبب إني أفضل في جوازة أنا مش مرتاحة فيها.
سكت مرة تانية. وبعدين قال:
ـ إنتِ متأكدة من اللي بتقوليه؟ رديت بهدوء:
ـ متأكدة. وقتها لأول مرة حسيت إن ملامحه اتغيرت فعلًا. ما كانش متوقع يسمع مني الكلمة دي. هو اتعود إني موجودة. اتعود إني أعمل له الأكل. اتعود إني أرد على مكالماته. اتعود إنه لما يحتاج حاجة يلاقيني. واتعود أكتر إني مهما حصل مش هطلب منه يختار. لكن دلوقتي أنا اللي بقول له:
ـ أنا مش عايزة أكمل بالشكل ده.




