منوعات

بعد ولادتى بست ايام

علشان كده أي مستند بعته لازم يتراجع، وما نعتمدش على كلامه لوحده. أبويا هز راسه. وده كان مهم. أنا ماكنتش عايزة أنتقم. كنت عايزة الحقيقة. وفجأة… جرس الباب رن. العامل دخل. — يا حاج فؤاد… مدام عايدة بره. رامي رفع رأسه بسرعة. — أمي؟ أبويا قال: — لو سارة موافقة تدخل. بصوا لي. فكرت ثواني. ثم قلت: — تدخل. دخلت عايدة كالإعصار. أول ما شافت رامي، صرخت: — إنت جيت هنا من ورايا؟! رامي وقف. — أيوه. بصتلي. — مبسوطة؟ خربتي بيتك؟ لأول مرة… كلامها ما هزنيش. قلت: — اقعدي. ضحكت. — إنتِ بتأمريني؟ أبويا قال: — يا تقعدي يا تتفضلي.

قعدت. المحامي حط الصورة قدامها. وشها اتغير. قال: — تعرفي الصورة دي؟ قالت: — صورة قديمة. قلت: — ليه كنتِ بتسألي عن أملاكي قبل ما أتجوز ابنك؟ بصت لرامي. — إنت قلتلها؟ قال: — هي عرفت كل حاجة. عايدة سكتت لحظة. ثم قالت بمنتهى البرود: — كنت بطمن على مستقبل ابني. ضحكت. — مستقبل ابنك؟ — آه. زي أي أم. أبويا قال: — الأم تسأل عن أخلاق البنت. مش أرقام العقارات اللي باسمها. ردت: — وكل واحد حر. المحامي قال: — مش لما المعلومات يتم الحصول عليها بطرق غير مشروعة. هنا ارتبكت. قلت: — وديونك؟ وشها اتغير. رامي قال:

— خلاص يا أمي. لفت ناحيته. — إنت عبيط؟! — كفاية. — إنت هتقف ضدي علشانها؟ بص لها. ولأول مرة سمعت رامي يقول لأمه: — هي مراتي. عايدة ضحكت بسخرية. — مراتك اللي قاعدة وسط فلوس أبوها وبتحقق معاك؟ رامي رد: — وأنا السبب إنها قاعدة هنا. سكتت. قال: — أنا اللي سبتها وهي والدة. — ساعتين! — بنتي كان عمرها ست أيام! صوته ارتفع. — وأنا أخدت عربيتها وكرسي بنتي علشان حضرتك قولتي لازم أجيلك! عايدة قالت: — ما إنت جيت بإرادتك! الجملة وقعت عليه كصفعة. وأنا شفتها في وشه. لأنها كانت صح. أمه ضغطت عليه. لكن هو اللي وافق.

بصلي. وعرفت إنه فهم أخيرًا الحاجة اللي كنت بحاول أقولهاله. قال: عندك حق. ما رديتش. حماتي قامت. — أنا مش هقعد في المهزلة دي. قلت: — قبل ما تمشي… وقفت. بصيتلها. — من النهارده، أي حاجة تخصني أو تخص بنتي، مالكيش فيها قرار. — دي حفيدتي. — وأنا أمها. سكتت. قلت: — ورسالِتك اللي قولتي فيها إن ابنك من حقه يرتاح بعيد عني؟ رفعت الموبايل. — احتفظت بيها. وشها احمر. — بتهدديني؟ — لأ. قلت بهدوء: — بفكرك بس إن الكلام له تمن. خرجت. من غير سلام. رامي فضل قاعد. بعد ما أمه مشيت، قال: — سارة… ارجعي معايا. بصيتله.

كان فيه جزء جوايا نفسه يقول آه. مش علشانه حتى. علشان البيت. علشان الذكريات. علشان كنت أتمنى ليلى تكبر وأبوها وأمها معاها. لكنني سألت نفسي سؤال واحد: لو رجعت النهارده… إيه اللي اتغير؟ إنه اتكشف؟ ولا إنه فعلًا اتغير؟ قلت: — لأ. دموعه نزلت. — هطلقيني؟ قلت: — أنا ماخدتش القرار ده النهارده. رفع عينه. — يعني فيه فرصة؟ — فيه مسافة. سكت. قلت: — وأنا محتاجاها. — قد إيه؟ — معرفش. — وهشوف ليلى؟ بصيتله طويلًا. — هي بنتك. خلافنا مش معناه إني أستخدمها ضدك. لكن زياراتها وترتيباتها هتكون بما يناسب سنها واحتياجاتها، ومن غير تدخل من حد.

هز راسه بسرعة. — موافق. قلت: — والتوكيل يتلغى. — النهارده. المحامي قال: — وإحنا هنتابع الإجراءات. رامي وافق. قام. وقبل ما يمشي وقف قدامي. — أنا آسف. قلت: — عارفة. اتصدم. كملت: — بس الاعتذار مش ممحاة. نزل عينه. ومشي. عدت أسابيع. التحقيق في المستندات أثبت إن بعض الأوراق اللي وصلتني من المحاسب كانت حقيقية، وبعض استنتاجاته كانت مبالغ فيها بسبب خلافه مع حماتي. رامي ماكانش نقل لنفسه أملاكي. لكنه أخفى عني معلومات ماكانش من حقه يخفيها. والتوكيل اتلغى. أما المشروع اللي كانت عايدة بتحاول تدخل الشركة فيه، فتوقف قبل إتمام أي تصرف. أنا ما رجعتش البيت فورًا.

ولا طلبت الطلاق فورًا. لأول مرة في حياتي… ما خليتش حد يستعجلني. رامي بدأ ييجي يشوف ليلى. لوحده. في البداية كانت الزيارات غريبة. يقعد جنبها ومش عارف يشيلها. أقوله: — اسند رقبتها. يتوتر. وبعدين يتعلم. مرة ليلى فضلت تعيط. رامي بصلي مرتبك: — أعمل إيه؟ قلت: — بنتك. حاول تعرف. فضل ماشي بيها في الأوضة عشر دقايق. لحد ما نامت على صدره. بصلي يومها وابتسم. لكنني ما اعتبرتش اللحظة دي نهاية سعيدة انت مجرد بداية. لأنه كان لازم يتعلم إن الأبوة مش صورة على فيسبوك. ولا اسم في شهادة ميلاد. ولا خروجة عائلية وقت ما يناسبه. الأبوة مسؤولية. زي الجواز بالظبط.

بعد حوالي ثلاثة شهور، كنت قاعدة مع أبويا في الجنينة. ليلى نايمة في العربية الصغيرة جنبنا. قال: — هتعملي إيه؟ كنت عارفة بيسأل عن رامي. قلت: — لسه معرفش. ابتسم. — كويس. ضحكت. — كويس إني معرفش؟ — كويس إنك مش مستعجلة علشان ترضي حد. سكت شوية. وبعدين قلت: — بابا؟ — نعم؟ — أنا آسفة. بصلي. — على إيه؟ — السنتين. فضل ساكت. قلت: — أنا صدقت إنك كنت عايز تتحكم فيا. قال: — ساعات كنت بتحكم فعلًا. ضحكت وسط دموعي. — يعني مش هتديني فرصة أعتذر؟ ضحك. — اعتذري عن اللي يخصك وأنا أعتذر عن اللي يخصني. مديت إيدي.

مسكها. قلت: — وحشتني. ضغط على إيدي. — وإنتِ أكتر. صحيت ليلى وبدأت تعمل أصوات صغيرة. أبويا قام فورًا. — حفيدتي صحيت. قلت وأنا بضحك: — دي بنتي بالمناسبة. شالها وقال: — وإنتِ بنتي. يبقى الاتنين بتوعي. ضحكت. وكان يمكن دي أول ضحكة حقيقية تطلع مني من يوم الولادة. بعد ست شهور من الليلة دي… رجعت وقفت قدام البيت اللي كنت عايشة فيه مع رامي. لكن المرة دي ماكانش معايا شنطة. رامي كان واقف عند الباب. بصلي وقال: — متأكدة؟ بصيتله. — من حاجة واحدة. — إيه؟ قلت: — إن لو رجعنا، مش هنرجع لنفس الجواز القديم. هز راسه. قلت:

— مفيش أسرار. — حاضر. — مفيش والدتك تقرر عن بيتنا. — حاضر. — ومفيش “إنتِ مكبرة الموضوع” كل ما أقولك حاجة مضايقاني. ابتسم بحزن. — الجملة دي بطلت أطيقها أنا كمان. قلت: — والأهم… بص لليلى اللي في حضني. — بنتك عمرها ما تتحط في المرتبة التانية علشان ترضي أي حد. قال من غير تردد: — عمرها ما هتحصل تاني. ما دخلتش فورًا. فضلت واقفة عند الباب. لأن الثقة مش كلمة. والحب لوحده مش ضمان. والفرصة التانية مش معناها إننا نمسح اللي حصل. معناها إن الطرف اللي غلط لازم يثبت إنه اتعلم. دخلت. مش لأن رامي “استحقني”.

ولا لأن الست لازم تحافظ على بيتها مهما حصل. دخلت لأن خلال الشهور اللي فاتت شفت تغييرًا حقيقيًا في تصرفاته، مش مجرد وعود. ومع ذلك… خليت استقلالي زي ما هو. حساباتي باسمي. أوراقي معايا. وعلاقتي بأبويا عمرها ما اتقطعت تاني. أما حماتي؟ علاقتي بيها بقت رسمية جدًا. احترام من بعيد. من غير أسرار. ومن غير مفاتيح لبيتي أو قرارات تخص بنتي. وفي أول عزومة عائلية بعد رجوعي، حصل موقف عمري ما هنساه. نادين كانت مجهزة السفرة. رامي دخل قبلي وهو شايل ليلى. أمه كانت قاعدة. بصتله وقالت: — سيب البنت مع سارة وتعالى اقعد، الأكل هيبرد. رامي وقف. بص لأمه.

وبعدين بصلي. وقال: — لأ. عايدة رفعت حاجبها. قال: — سارة هتقعد جنبي، وليلى معانا. أمه سكتت. رامي سحب كرسي ليا بنفسه. وبعدين حط كرسي ليلى جنبه. قعدت. وبصيت للسفرة. المرة دي… كان فيه مكان ليا. لكن الغريب إن وجود الكرسي ماكانش هو اللي فرق معايا. الفرق إنني بقيت عارفة… لو في يوم ماكانش فيه مكان ليا على سفرة حد… مش هقف أترجاه يحطلي كرسي. هقوم. وأمشي. لأن الليلة اللي خرج فيها رامي بعربيتي وسابني بعد ولادتي بست أيام، كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلتلي إن جوزي اختار عيلته عليا. لكن بعد شهور فهمت إن الليلة دي أنقذتني من حاجة أخطر.

أنقذتني من إني أفضل طول عمري أقبل القليل… وأقنع نفسي إنه حب. وعلمتني إن الرجوع لبيت أبويا ماكانش هزيمة. وإن طلبي للمساعدة ماكانش ضعف. وإن كوني زوجة مايلغيش كوني إنسانة لها حق تقول: “لأ… المعاملة دي مش مناسبة ليا.” أما الرسالة اللي بدأت كل حاجة؟ لسه محتفظة بيها. مش علشان أستخدمها ضد حماتي. لكن علشان كل ما أشوفها أفتكر سارة القديمة. الست اللي كانت بتخاف تزعل الناس كلها… إلا نفسها. دلوقتي، ليلى كبرت شوية. وأحيانًا وأنا شايلها، ببص لإيدها الصغيرة وأفتكر الليلة اللي قفلت فيها الشوربة، وجهزت شنطة واحدة، واتصلت برقم ماكلمتوش من سنتين. مكالمة مدتها أقل من دقيقة…

غيّرت حياتي كلها. — بابا؟ — سارة؟ — تعالى خدني. وهو ما سألنيش: “ليه؟” قال بس: — إنتِ والبنت كويسين؟ وبعدين: — نص ساعة. وأحيانًا… الإنسان ما بيحتاجش حد يحل له حياته. هو بس بيحتاج يعرف إن لو قرر يقوم من المكان اللي بيتوجع فيه… فيه باب تاني هيتفتح له. تمت

انت في الصفحة 10 من 10 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى