
خرجت من مكتب كريم الساعة أربعة العصر. أول ما فتحت موبايلي، الجهاز بدأ يرتجف ورا بعضه من كثرة الإشعارات. أرقام ورسائل ما بتنتهيش. لكن وسط كل ده، كان فيه رسالة نصية من رقم أحمد: “مريم، افتحي الزفت الموبايل ده وردي عليا! إنتي اتجننتي؟ إنتي عارفة الرسالة دي عملت إيه في الشركة؟ الموظفين شغلهم اتعطل، والعملاء بيسألوا، ووالدتي جاية في الطريق للبيت! افتحي الموبايل فورًا وبلاش الجنان ده!” قرأت الرسالة بهدوء، وما ردتش. عملت للرقم بلوك، وبلوك لرقم أخته، ولرقم والدته.
مشيت بالعربية ونيتي أرجع الفيلا عشان أغير الأقفال زي ما كريم نصحني. أول ما وصلت للبوابة الخارجية، لقيت عربية أحمد المرسيستس مركونة على جنب، وجنبها عربية ثانية عرفتها فورًا… عربية والدته. أول ما نزلت من العربية، سمعت صوت خطوات سريعة. أحمد خرج من العربية وشكله كان يسبق أي وصف. قميصه مقفول بغباء، شعره مش متظبط، وعيونه فيها مزيج من الغضب والذهول. ووراه خرجت والدته، الحجة فريدة، بملامحها الحادة اللي كنت دايمًا بشوف فيها الفوقية والتكبر.
أحمد قرب مني بغضب وهو بيزعق: “إنتي إيه اللي عملتيه ده يا مريم؟ إنتي واعية للفضيلة اللي فضحتيهالنا؟ بعتاها على جروب فيه 500 بني آدم؟ كل الشركات والمنافسين بيتكلموا علينا دلوقتي! الموظفين سابوا شغلهم وقاعدين بيهمسوا! وسارة… إنتي عارفة سارة حالتها عاملة إيه دلوقتي؟!” وقفت مكاني، حاطة إيديا في جيوب الجاكيت، وبصيتله بجمود تامة. “سارة؟ ههه… إنت لسه شايل هم سارة؟ عمومًا، كويس إنك جيت بنفسك. عشان تسلم المفاتيح القديمة، لأن الكوالين بتتغير دلوقتي.”
والدته اتدخلت بصوت عالي وهي بتمسك ذراعه: “إنتي اتجننتي يا بت إنتي؟! بتطردي ابني من بيته؟ بتسلمي هدومه للريسبشن زي ما تكوني بتطردي شغال؟ إنتي نسيتي إنتي بنت مين وهو مين؟ ده أحمد الشناوي! المدير العام اللي يعمل اللي هو عايزه، والست العاقلة تستحمل وتحافظ على بيتها، مش تفضح جوزها عشان بيسهر ولا بيشتغل!” بصيت للحجة فريدة، وبابتسامة باردة جداً قلت:
“نسيتي تقولي يا طنط إن أحمد الشناوي ده عايش في فيلا باسم بنت فؤاد العاصي. ونسيتي إن الشركة اللي بيتباهى بلقب المدير العام فيها، ثلثها ملكي أنا بفلوس أبويا. أحمد مش بيسهر عشان بيشتغل… أحمد كان بيبات في شقة سارة اللي في التجمع، واللي إنتي بالكاد كنتي عارفة ومغطية عليه!” أحمد ملامح وشها اتقلب أصفر. بص لرباط جزمته وبعدين بصلي بصدمة: “إنتي… إنتي عرفتي منين؟” “مش مهم عرفت منين. المهم إن اللعبة خلصت. الشنط بتاعتك راحت الريسبشن، وورق الطلاق عند المحامي، ومجلس إدارة الشركة هيتبعتله إخطار رسمي بكرة الصبح بوقف تفويضك في أسهمي.”
أحمد اتقدم خطوة وحاول يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا. نبرة صوته اتغيرت فجأة من الغضب للخوف: “مريم… اهدي، خلينا نتكلم. الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة. سارة مجرد… مجرد بتساعدني في شغل متأخر، وأنا لما كنت ببات بره كان بسبب ضغط العمل والتعب…” ضحكت بصوت واطي، ضحكة صافية مافيهاش أي وجع.
“كفاية كذب يا أحمد. إنت بقالك تلات سنين بتعاملني كأني قطعة ديكور في البيت. مجرد واجهة اجتماعية قدام أهلك، وبنت الرجل الغني اللي سدد ديونك. بس نسيت إن الديكور ده ممكن يتهد فوق دماغك. إنت فاكر إني سكت طول السنين دي ضعف؟ لا… أنا كنت صابرة ومدياك فرصة تبقى راجل. بس إنت اخترت تلعب من ورايا، فا استحمل بقى.” في اللحظة دي، عربية الصيانة الخاصة بشركة الأقفال وصلت. النجار نزل ومعه أدواته.
أشرتله على البوابة: “اتفضل يا فندم، غير أقفال البوابة والباب الرئيسي للفيلا.” الحجة فريدة صرخت: “والله ما هسيبك! والله لأخلي أحمد يربيكي وياخد منك كل حاجة! إنتي فاكرة نفسك مين؟” أحمد مسك إيد أمه ورجعها لورا، عينيه كانت مثبتة عليا وفيها حالة شلل تامة. هو كان عارف كويس قوي إن كلامي عن الأسهم مش مجرد تهديد. هو عارف إن سحب الأسهم أو تجميدها يعني انهيار ائتماني للشركة وسقوط أسهمها قدام البنوك.
قلت للنجار يكمل شغله، ولفيت ضهري وأنا رايحة ناحية عربيتي عشان أمشي وأروح بيت أبويا. أحمد جرى ورايا ووقف قدام باب العربية: “مريم، أرجوكي بلاش تحخلي الشغل في الموضوع! الشركة دي تعب عمري! لو سحبتي الأسهم أو عملتي مشكلة في مجلس الإدارة، الشركة هتقع!” بصيتله من وراء نظارتي الشمسية وابتسمت: “وتعب عمري أنا اللي ضاع في تلات سنين جواز مع واحد خاين ومستهتر؟ ده حسابه إيه؟ الشركة بتاعتك تقع أو تقوم… دي مشكلتك إنت والسكرتيرة بتاعتك دلوقتي. هي تبني معاك من جديد.”
ركبت العربية، ودورت الموتور. أحمد كان واقف يعبط على الإزاز: “مريم! افتحي نتكلم! مريم!” سبته ورايا وشغلت العربية ومشيت. وأنا ببعد في المراية، شفت أمه واقفة تصرخ في الشارع، وهو واقف قدام الفيلا اللي اتمنع يدخلها، مش عارف يروح فين ولا يواجه مين: الموظفين اللي بيضحكوا عليه في الشركة، ولا البنوك اللي هتقفل حساباته بكرة الصبح، ولا سارة اللي اسم جيبها بقى على كل لسان في الشركة. وصلت بيت أبويا بعد نص ساعة. الباب اتفتح، ولقيت أبويا واقف مستنيني بابتسامة هادية وذراعين مفتوحين.
أول ما دخلت في حضنه، ما عيطتش. بالعكس، حسيت إن جبل كان على صدري وانزاح. أبويا ططب على ضهري وقال بصوت هادي وثابت: “عملتي الصح يا بنت فؤاد. وبكرة الصبح، المحامي بتاعنا هيكون في الشركة قبل أحمد الشناوي نفسه.”