روايات

جوزى

رديت عليه بكل قوة: “أيوه، رحت. وزي ما إنت خططت لخطوبتك وجوازك من ورايا وفي السر، أنا كمان بقيت أعرف أتصرف وأحافظ على نفسي وعلى ولادي.” قرب مني ووقف قصادي بعصبية واضحة وصوت عالي: “إنتِ فاكرة إنك بالشوية دول هتقدري تحبسيني في المحاكم والمشاكل؟ أنا مسافر، وشغلي بره مصر، ومش فاضي لكل الكلام الفارغ ده ولا فاضي لقضايا المحاكم!”

بصيتله وقلت بنبرة حازمة: “وأنا مالي ومال شغلك وسفرك يا أيمن؟ إنت كنت فاكر إنك هتسافر وتغيب زي ما تحب، وتستمتع بحياتك، وتسابني أشيل مسؤولية العيال والبيت لوحدي ضغط ومصاريف، ولما ترجع تقرر بكل برود تتجوز وتطلب مني أقبل بالأمر الواقع كأنني جارية عندك؟ لأ، المرة دي مش هسكت ومش هيحصل.” رد بحدة أكبر وغضب ظاهر: “إنتِ كده بتخربي بيتنا وبتخربي مستقبلي ومستقبل عيالك!”

ضحكت بمرارة بالغة وقلت: “أنا اللي بخرب بيتنا ومستقبلنا؟ طب لما كنت بتخليني أبيع دهبي حتة حتة عشان تصرف على أهلك وتلبي طلباتهم، وكنت بتجهز لخطوبتك من فلوسك اللي مخبيها عني، كنت بتفكر في مستقبل مين ساعتها؟ ولما عيالك طلبوا منك لبس العيد البسيط ورفضت بحجة إن مفيش معاك فلوس، كنت بتفكر في مستقبلهم إزاي؟” سكت لحظة كاملة، حس إن حجته ضعيفة، وبعدها قال بصوت يقطر تهديدًا: “طب اسمعي، أنا ممكن أطلقك وأخلص منك ومن وجع دماغك خالص!”

قلتله بثبات أعصاب أذهله: “طلّقني لو ده قرارك ولو دي راحتك، لكن طلاقك ليا مش معناه أبدًا إنك هتتخلص من مسؤوليتك القانونية والأخلاقية تجاه عيالك. النفقة حقهم الأصيل، ومش هتنازل عنه أبدًا، وهتابع كل إجراء قانوني خطوة بخطوة لحد ما حقوقهم تتحدد وتتأمن.” بدأ يتنرفز ويمشي في الصالة رايح جاي زي الأسد في القفص، وبعدها وقف قدامي تاني وقال بتهدئة مصطنعة: “طب اسمعي يا عواطف، بالراحة كده.. إنتِ عايزة إيه بالظبط عشان نقفل السيرة دي ونخلص؟”

بصيتله وقلت بوضوح الشمس: “أنا عايزة حقي وحق عيالي كامل، وعايزة كل حاجة تتم بالقانون من غير استغلال. ولو إنت فاكر إن سفرك وتهديدك هيخليني أخاف وأتنازل، تبقى لسه لحد دلوقتي ما فهمتنيش ولا تعرف أنا بقيت مين. أنا هتابع قضايا النفقة والتمكين، وهقدم كل المستندات المطلوبة، ولو حاولت تتهرب من التزاماتك أو تضرني في حقوق العيال، هسيب المحامي والقانون يتصرفوا.”

وبعدين قربت منه خطوة زيادة وقلت بلهجة حاسمة: “وإنت كمان لازم تفهم كويس حاجة مهمة يا أيمن، أنا مش ههددك بأشياء غير قانونية، لكن لو حاولت تستخدم سفرك أو شغلك عشان تهرب من مسؤوليتك، هتابع الموضوع بدقة من خلال الجهات المختصة، وإنت عارف كويس إن أي مشكلة أو نزاع قانوني في مصر ممكن يأثر على أوراقك وترتيبات سفرك وشغلك بره، فالأحسن لك والأضمن إنك تحل الموضوع بشكل محترم وهادئ بدل ما تكبره بإيدك وتخسر أكتر.”

بص لي بذهول تام وكأنه لأول مرة يشوفني بالشكل ده، كأن الضعيفة اللي كانت بتعيط زمان اختفت تمامًا وظهرت ست ثانية قوية مش إنسانة سهلة الانكسار. سألني بدهشة: “إنتِ اتعلمتي الكلام الثقيل ده من مين؟ مين اللي بيشحنك وبيعلمك تقولي كدة عليا؟” رديت عليه بابتسامة باهتة: “محدش بيشحنني ولا بيحرضني عليك يا أيمن. إنت اللي علمتني بأسلوبك إن الطيبة الزيادة لوحدها مش بتحمي صاحبها، وإن اللي ما بيعرفش قيمة العشرة والحلال لازم يعرف إن فيه قانون وحقوق بتحميه غصب عن أي حد.”

في اللحظة دي بالضبط، رن موبايله على الترابيزة، وكان أبوه بيصل بيه. رد عليه وهو لسه متعصب وعروق رقبته ظاهرة، وبعد ما حكى له جزء من الكلام بعصبية، سمعت أبوه بيقوله من الناحية التانية بصوت عالي نسبياً وصلني: “يا ابني، إنت إيه اللي عملته في مرتك عشان توصل الأمور للمحاكم والمشاكل دي كلها؟ ما كنت من الأول تعامل مراتك بما يرضي ربنا، وتصارحها وتتقي الله فيها، بدل ما تدخلوا في المحاكم وتفضحونا بالشكل ده!”

أيمن قفل المكالمة في وش أبوه بعصبية وغضب، وبعدها دخل أوضته بغضب وقفل الباب وراه بصوت خبطة قوية. أما أنا، فدخلت أوضة العيال وقعدت جنبهم على السر,,ـــــير بهدوء، كنت لسه جوايا خايفة شوية من المجهول ومن اللي جاي، لكن الخوف المرة دي ما بقاش أبدًا سبب يخليني أرجع في قراري أو أتنازل عن كرامتي.

عدت أيام وراء أيام، والمحامي بدأ في إجراءات المحاكم بخطوات ثابتة، وأيمن بدأ يتغير تدريجيًا لما فهم وتأكد إني مش مجرد زوجة بتزعق يومين وتعمل مشاكل وبعدها ترجع تعتذر وتراضيه زي كل مرة. بقى يتصل بيا من السفر يطمن على العيال ويسأل عن أحوالهم، وأحيانًا يعرض يبعت مصاريفهم بنفسه وبانتظام، لكني كنت بطلب دايمًا وبإصرار إن كل حاجة تخص حقوقهم تكون موثقة وواضحة، عشان ما يبقاش مصروفهم ومستقبلهم وسيلة ضغط يلوح بيها عليا كل ما يحصل خلاف بيننا.

انت في الصفحة 6 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى