روايات

جوزى

وفي يوم من الأيام، رجع من السفر فجأة وقعد قدامي وقال بلهجة أقل حدة من الأول: “عواطف، أنا مش عايز الموضوع يوصل لمرحلة إن شغلي وسفري يتأثروا بسبب الخلافات والمحاكم دي. خلينا نتفق ونقفل كل الملفات دي ونرجع زي الاول.” بصيتله بتركيز وقلت: “وأنا من الأول يا أيمن ما كنتش عايزة أوصل للمحاكم ولا للمسار ده. أنا كنت عايزة منك الصراحة والاحترام والتقدير، لكن إنت اخترت تستغلني وتدوس على مشاعري. دلوقتي أنا عايزة حقوق العيال تتحدد رسمياً، وموضوع الفلوس اللي حولتها يتحل بشكل قانوني واضح، وكل واحد فينا يعرف حدوده ومسؤولياته.”

قال بضيق شديد: “يعني خلاص مفيش أي فرصة نرجع زي الأول وتنسي اللي فات؟” هزيت راسي برفض هادئ وقلت: “زي الأول؟ لأ يا أيمن، مستحيل. أنا مش هقدر أرجع الست الساذجة اللي كانت بتبيع دهبها وتقول معلش عشان خاطر البيت، واللي كانت بتعيط لوحدها في الظلــ,,ـــــمة عشان ما تزعلش جوزها. حتى لو افترضنا إني سامحتك على اللي فات في قلبي، مش هقدر أنسى أبدًا إنك كنت شايف وجعي وتعبى فرصة ذهبية تستفيد منها وتوفر بيها فلوسك.”

سكت طويلًا ولم يطق ينطق بحرف، وبعدها وافق أخيرًا ومجبر إننا نكمل الإجراءات القانونية بهدوء ونحاول ننهي الخلافات دي من غير ما نضر العيال نفسياً. ومع متابعة المحامي المستمرة، اتحددت بوضوح الخطوات الخاصة بمسكن الزوجية وحقوق الأولاد المالية والتعليمية، واستمر التعامل مع كل إجراء حسب وضعنا القانوني والمستندات الموجودة. أما موضوع المبالغ المالية الكبيرة التي حولتها لنهى، فضل ملفًا منفصلًا ومحفوظًا لحد ما اتفقنا على تسويته بالطريقة القانونية المناسبة التي تضمن حقي بالكامل.

وبعد فترة من التعب والمحاكم، انتهى زواجنا رسميًا بالطلاق، وبقيت مسؤولية أيمن تجاه أولاده قائمة ومحددة بقوة القانون، واتنظمت مسألة النفقة ورؤيته لهم بعيدًا عن أي مشاحنات أو خلافات شخصية بيننا. أما موضوع خطوبته التي أقام الدنيا لأجلها، فمشيت حياته في طريق هو اختاره لنفسه وبمحض إرادته، وأنا تمامًا بطلت أراقب أخباره أو أسأل اتجوز ولا لسه. كل اللي كان يهمني في الدنيا ويشغل بالي هو إن عيالي يعيشوا في أمان واستقرار، وإن مصاريفهم وحقوقهم ما تبقاش مرتبطة بمزاجه أو رضاه عني أو غضبه.

وفي أول عيد يمر علينا بعد الانفصال، اشتريت للعيال لبس جديد وفرحانين من فلوس شغلي وتعب إيدي، وجهزت لهم البيت بأجواء جميلة، ولما لبسوا وخرجوا قدامي بيتنططوا وفرحانين، افتكرت العيد اللي فات بكل تفاصيله القاسية، لما كنت واقفة قدام أيمن بدموعي وعيني الحزينة وبسأله ليه عمل فيا كده وخذلني. وقتها فهمت واقتنعت تمامًا إن أقسى حاجة في الدنيا ما كانتش إنه قرر يتجوز ويشوف حياته، لكن القسوة الحقيقية كانت في إنه استغل حبي الصادق ليه وثقتي العمياء فيه عشان يريح نفسه ماديًا، وهو كان عارف كويس إني هتحمل وهسكت عشان البيت ما يخربش.

أنا ما خرجتش من التجربة الصعبة دي أغنى حد في الدنيا، ولا رجعلي كل دهبي وتعب سنين عمري الطويلة، لكن طلعت وأنا عارفة تمامًا وبكل يقين إن حقي خط أحمر لازم أحافظ عليه، وإن العيال ملهمش أي ذنب في اختيارات أبوهم الخاطئة ولا حتى في أخطائي أنا الشخصية في طريقة تحميلي للمسؤولية. وفي يوم عادي، كانت عواطف قاعدة مع العيال في البيت بتساعدهم في المذاكرة، وسمعت صوت جرس الباب العالي. راحت وفتحت بهدوء، فلقت أيمن واقف قدامها، وفي إيده شنطة كبيرة مليانة هدايا وحاجات حلوة للولاد، وعلى وشه ابتسامة صفراء حاول يرسمها بالعافية عشان يبين إنه طبيعي.

قال بصوت مرتبك: “إزيك يا عواطف؟ عاملة إيه وعيالنا عاملين إيه؟” بصتله بهدوء تام وقالت: “الحمد لله كويسين، خير يا أيمن؟ جاي في حاجة؟” استغرب ردها الجاف المقتضب، لأنه كان متعود زمان إنها أول ما تشوفه تفرح وتسأله عن سفره وتعب الشغل وأكله وشربه، إنما المرة دي كانت واقفة قدامه شامخة كأنه واحد غريب لا يهمها أمره في شيء. قال بعتاب مصطنع: “هو إنتِ لازم تستقبليني بالطريقة الناشفة دي؟ أنا في الآخر أبو عيالك وجوزك السابق.”

ردت عليه وهي بتوسع له الطريق عشان يدخل باحترام: “اتفضل يا أيمن، العيال جوه في الصالة.” دخل، وأول ما شافوه الأولاد جريوا عليه بفرحة طفولية بريئة، حــ,,ـــــضنوه وفضلوا يسألوه عن الهدايا والسفر وحاجات كتير. قعد معاهم شوية، وطلع لهم الألعاب والهدايا اللي جايبها، وكان واضح أوي قد إيه بيحاول يعوضهم عن غيابه والفترة اللي فاتت. أما عواطف، فدخلت المطبخ بهدوء تكمل اللي كانت بتعمله وتجهز العشا، وسابته مع عياله براحتهم من غير ما تسأله حتى إذا كان شرب حاجة أو تعبان من السفر.

بعد شوية، أيمن قام ودخل وراها المطبخ ووقف عند الباب متردد. قال بصوت منخفض: “عواطف، ممكن نتكلم كلمتين لوحدنا برا بعيد عن العيال؟” مسحت إيديها في الفوطة بهدوء وبصتله بعينين ثابتتين: “اتفضل يا أيمن، أنا سامعاك، قول اللي عندك.” اتنهد بعمق وقال: “أنا عارف إنك زعلانة مني، وعارف إن اللي حصل بيننا كان صعب وقاسي، بس أنا جيت النهارده عشان بجد نفتح صفحة جديدة ونصلح كل حاجة.” بصتله باستغراب شديد، وبعدها قالت بتهكم خفيف: “صفحة جديدة؟ وإنت فاकर إن الموضوع بالسهولة دي كأننا بنمسح سبورة؟”

انت في الصفحة 7 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى