
قال بسرعة: “يا ستي أنا جاي أصالحك وعايز نرجع، مش جاي أفتح خнаقة ولا مشاكل. أنا اعترفت بغلطي، وممكن أكون تصرفت بأنانية شديدة، بس والله العظيم ما كنت متخيل أبدًا إن الأمور هتوصل بينا للطلاق والمحاكم بالشكل ده!” ضحكت بمرارة وقالت: “إنت ما كنتش متخيل إن الأمور هتوصل لكده، ولا ما كنتش متخيل إني أصلًا هقدر أقف قصادك وأطالب بحقي وبحق عيالي؟ لأن الفرق كبير أوي يا أيمن بين الأتنين.”
اتضايق من كلامها وصراحتها الجارحة، لكنه حاول يتمالك أعصابه قد ما يقدر وقال: “خلاص بقي.. أنا أصلًا ألغيت كل حاجة، ومش هخطب دلوقتي ولا في العيد الجاي زي ما كنت بقولك قبل كده. أنا خلاص أجلت الموضوع كله، وعايز أرجع بيتي ومعاك ومع العيال نعيش زي الأول وأحسن كمان.” سكتت عواطف للحظات طويلة بتفكر في كلامه، وبعدها سألته بجدية: “وإنت أجلت الجواز وفتحت سيرة الرجوع ليه فجأة كده يا أيمن؟ عشان اكتشفت بجد إنك ظلــ,,ـــــمتني ودست عليا، ولا عشان خفت على شغلك وسفرك من المشاكل والمحاكم؟”
اتنهد بضيق وقال: “هو إنتِ لازة تحاسبيني على كل كلمة وكل نية؟ أنا بقولك مش هتجوز، وجاي بيتي وعايز أصلح، وإنتِ برضه لسه بتشككي في نيتي وفي كلامي!”
ردت عليه بهدوء موجع وصوت صادق: “لأنك إنت وحدك اللي خليتني أشك في كل حرف وكل وعد بتقوله يا أيمن. يوم ما نزلت وقلتلي إنك نازل تقضي رمضان والعيد معانا ومع العيال، أنا فرحت من كل قلبي وفتحت لك بيتي وقلبي. بعت دهبي الوحيد عشان أجهز البيت وأكفيك وأكفي أهلك، وفضلت طول الشهر أخدم أهلك وأطبخ وأنضف ليل نهار، حتى العيال ما عرفوا ياخدوا حقهم في وقتا معاك. وفي الآخر اكتشفت إنك كنت مخطط لكل خطوة ولكل قرش من قبل ما تنزل، وإنك كنت مستغلني بكل تسلط عشان توفر فلوسك.”
قرب منها خطوة وقال برجاء: “خلاص يا عواطف، أنا اعترفت وندمت، هعوضك عن كل دمعة نزلت منك، وهنجيب دهبك تاني حتة حتة، ومش هخليكي إنتِ ولا العيال تحتاجوا لمليم من حد تاني.” هزت راسها برفض وقالت: “أنا مش عايزة دهب يا أيمن، ولا عايزة منك وعود براقة جديدة ما وراهاش أفعال. أنا كنت عايزة راجل حقيقي يحس بيا وبوجعي من غير ما أضطر أبيع دهبي وأتهان عشان أفهمه إني تعبت ومحتاجة سند، وكنت عايزة أبقى شريكة حقيقية في حياته، مش مجرد أداة رخيصة بيستغلها عشان يوفر فلوسه وقت ما يعوز.”
قال بصوت مكسور: “طيب يا عواطف، اديني فرصة واحدة بس أصلح اللي أفسدته.” بصتله طويلًا وبألم، وبعدها قالت: “الفرصة الحقيقية كانت قدامك طوال الشهر يا أيمن. كانت قدامك لما لقيتني تعبانة وناشفة ومش قادرة أقف على رجلي، ولما طلبت منك فلوس بسيطة للبيت واتخانقت معايا وكأنها جريمة، ولما عيالك استنوك بالساعات تاخدهم يشتريوا لبس العيد وإنت خرجت وسيبتهم في الشارع مكسورين. كنت تقدر تصلح كل ده في وقته وبكل حب، لكنك اخترت ما تعملش كده.”
نزل عينه للأرض بخزي وسكت شوية، وبعدها قال بصوت خافت: “يعني إنتِ خلاص مش عايزاني في حياتك نهائي؟” ردت عليه والدموع لمعت في عيناها بصعوبة: “أنا مش عايزة أرجع أعيش معاك وأنا مرعوبة وخايفة من بكرة ومن الجاي. مش عايزة أضل مستنية في قلق أشوف هتوجعني بإيه المرة الجاية، ولا كل ما أطلب طلب بسيط أعمل ألف حساب إنك ممكن تبيعني وتستغلني. أنا تعبت يا أيمن، وتعبت أكتر من إني بقيت مش عارفة أصدقك حتى ونت بتقولي بلسانك إنك عايز تصلح.”
حاول يمد إيده ويمسك إيدها بخشونة، لكنها رجعت إيدها بهدوء وحسم. قال بضعف: “عواطف.. أنا لسه بحبك على فكرة.” بصتله بحزن دفين وقالت: “يمكن تكون بتحبني بطريقتك الخاصة، لكن طريقتك دي يا أيمن وجعتني أكتر ما أي حد ممكن يستحمل. وأنا مش هقدر أرجع أعيش نفس الكابوس لمجرد إنك قررت النهارده إنك مش عايز تتجوز وخايف على مصلحتك.”
خرج من المطبخ وهو ساكت ومنكسر الرأس، وقعد مع العيال شوية لحد ما جه وقت العشا. حاول يتعامل معاها كأن مفيش أي حاجة حصلت، وسألها إذا كانت جهزت الأكل، لكنها قالتله بكل هدوء إن الأكل محطوط على السفرة وإنه يقدر ياكل مع أولاده براحته. ما عملتلوش الأكل المفضل بتاعه اللي كان بيحبه زمان، وما فضلتش تلف حواليه زي زمان، لكنها في نفس الوقت ما أهانتوش ولا حاولت تقلل منه أو تنتقم لنفسها.
بعد ما العيال ناموا في أوضهم، طلب منها يقعدوا يتكلموا مرة تانية بعيد عنهم. قعد قصادها وقال برجاء: “أنا بجد مش عارف أعمل إيه تاني عشان تسامحيني وترجعي لبيتك؟” ردت عليه بثبات: “مش لازم تعمل حاجة مستحيلة عشان تسامحك، لأن المسامحة دي حاجة، والرجوع لحياتنا القديمة حاجة تانية خالص. أنا ممكن أسامحك في يوم من الأيام وأدعي لك بالخير في طريقك، لكن ده مش معناه أبدًا إني أقدر أرجع أعيش معاك تحت سقف واحد وأنا مكسورة.”
قال بحزن: “وهنسيب سنين حياتنا الحلوة دي كلها تضيع هباءً كده؟” ردت بقوة: “السنين دي ما ضاعتش يا أيمن ولا هانت عليّ، أنا خلفت وربيت عيالي الصغار وعشت معاك أيام حلوة وأيام صعبة وتجاوزتها. لكن مش معنى إننا عشنا سنين مع بعض إننا مجبرين نكمل مع بعض حتى لو بقينا بنوجع بعض وبندمر نفسية بعض كل يوم.”
فضل ساكت تمامًا، وكأنه لأول مرة في حياته يفهم ويدرك بعمق إن عواطف مش بتساومه عشان يغير رأيه، وإنها فعلًا وصلت لنقطة النهاية ومش مستنية منه أي وعود تانية. قعد عندها يومين كاملين، حاول خلالهم بكل الطرق يقرب منها، ويهزر معاها، ويعرض عليها يخرجوا كلهم مع العيال، لكنها كانت بتتعامل معاه باحترام شديد وخالٍ من أي مشاعر من غير ما تفتح له باب للرجوع أبدًا. وفي آخر يوم قبل سفره و رجوعه لعمله، قعد معاها في الصالة وقال بصوت مخنوق: “أنا مسافر بكرة الصبح بدري يا عواطف.”
ردت عليه بكل هدوء: “ربنا يوصلك بالسلامة ويحفظك في طريقك.” بص لها بعتاب شديد وقال: “بس كده؟ مفيش حتى كلمة سلامة تانية ولا دعوة حلوة؟” ابتسمت بحزن وقالت: “أقولك إيه يا أيمن؟ ربنا يوفقك في شغلك، ويصلح حالك، ويخليك لعيالك وتكون ضهر وسند لهم. أكتر من كده مش هقدر أوعدك بشيء مش حاساه بجد في قلبي.” قال بصوت مخنوق ودموع في عيونه: “أنا كنت فاكر لما أجيلك وأقولك إني بطلت الجواز وإني مش هتجوز، هتفرحي وترجعي زي الأول بيتنا ينور.”
ردت عليه بكل حكمة: “وأنا كنت فاكرة لما ترجع من السفر هفرح وأحس أخيرًا إن بيتي اكتمل بيك وبوجودك. لكن للأسف مش كل حاجة بنتمناها في الدنيا بتحصل زي ما إحنا متخيلين.” في صباح اليوم التالي، جهز شنطته وملابسه، وقبل ما يخرج من باب الشقة دخل أوضة العيال يودعهم، حــ,,ـــــضنهم جامد ووعدهم إنه هيفضل يتصل بيهم كل يوم ويبعت مصاريفهم بانتظام، وإنه هيحاول ينزل يشوفهم كل ما ظروفه تسمح. أما عواطف، فوقفت عند باب الشقة بكل ثبات، ولما شافته شايل شنطته وماشي، قال لها بصوت ضعيف: “خلي بالك من نفسك ومن العيال كويس.”
ردت عليه بكل هدوء: “وإنت كمان يا أيمن.. خلي بالك من نفسك ومن صحتك في السفر.” خرج أيمن ونزل على السفر من غير ما يتجوز، وسافر تاني لبلد شغله وغربته، وهو شايل جواه ندم كبير وثقيل على كل اللي حصل، لكنه طبعا ما قدرش يرجع الزمن لورا ولا يجبر عواطف إنها تحبه أو ترجعله بنفس الطريقة القديمة الساذجة.
أما عواطف، فقفلت باب الشقة وراها بهدوء تام، وسندت ضهرها على الباب للحظات تستمد قوتها. كانت عارفة كويس إن الطريق قدامها لسه طويل ومش سهل، وإنها هتحتاج وقت ومجهود عشان تتعافى تمامًا من جروح الماضي وكل اللي حصل، لكنها المرة دي ما عيطتش على رحيله، ولا حسّت أبدًا إنها لازم تجري وراه أو تترجاه عشان تحفظ على شكل العيلة من برا.
دخلت أوضة العيال، لقتهم بيضحكوا ويلعبوا بكل براءة وسعادة، فقعدت وسطهم وشاركتهم ضحكهم وكلامهم، وحست من جواها إن البيت، بكل اللي مر بيه من وجع وأيام صعبة، لسه فيه روح وحياة تستاهل منها إنها تحارب وتعيش عشانها بكل عزة نفس وكرامة.
ومع مرور الشهور والأيام، استقرت حياتها تمامًا، وبقت بتتعامل مع أيمن في أضيق الحدود وفي حدود مسؤولياته القانونية تجاه أولاده فقط، من غير أي عتاب جارح ولا أي انتظار لوعود جديدة كدابة. وهو من ناحيته التزم تمامًا بمصاريفهم الشهرية، وفضل يحاول من وقت للتاني يفتح معاها باب الرجوع والتفكير من جديد، لكنها كانت دائمًا بتعتذر له بكل هدوء وحسم تنهي به أي أمل كاذب.
وفي النهاية الحقيقية، عواطف ما كسبتش المعركة لمجرد أنها قدرت تحرم أيمن منها أو تقهر, ولا أيمن خسر لمجرد إنه ما اتجوزش ورجع لوحده. الحكاية انتهت ووصلت لنهايتها لما عواطف فهمت وقنعت تمامًا إن الحب وحده مش كفاية أبدًا عشان نبني بيه بيت، وإن البيت اللي يخلو من الأمان والتقدير والاحترام المتبادل ممكن يفضل واقف من برا قدام الناس، لكنه بيكون من جوه مكسور ومنهار من زمان.
أما أيمن، فرجع لسفره وغربته من غير خطوبة ولا جواز، بعد ما اكتشف بمرارة إن الزوجة الطيبة اللي كان واثق تمامًا إنها هتستحمل كل قسوة وكل إهانة للأبد، قدرت أخيرًا وبكل شجاعة تقوله بصوت عالي: أنا سامحتك على اللي فات عشان أرتاح، لكن مستحيل أرجع أعيش نفس الوجع والذل من تاني أبداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




