منوعات

جارتنا الجديدة

وبعد مراجعة المستندات ومضاهاة التوقيعات، ظهرت أدلة على تزوير توكيل واستعماله في معاملات تخص الأرض. أما وفـ,ـاة حسام، ففضلت مسألة منفصلة. ماكانش فيه دليل كافي وقتها يثبت إن الحادثة كانت مدبرة، رغم الشكوك اللي أثارتها الأوراق. وده كان مهم بالنسبة ليوسف. لأن الولد كان محتاج الحقيقة، مش حكاية جديدة يتعذب بيها من غير دليل. المحامي قال إن استرداد الحقوق المالية هيحتاج إجراءات ودعاوى، وإنه مش مضمون يحصل بسرعة. لكن لأول مرة، يوسف بقى معاه أوراق يقدر يبدأ بيها يطالب بحقه.

بعد أسبوع من اللي حصل، كنت قاعدة في الصالة مع محمود. العيال كانوا نايمين. والبيت هادي. لكن الهدوء اللي بينا كان مختلف. محمود بصلي وقال: — إنتِ لسه زعلانة مني؟ سكت شوية. وبعدين قلت: — أيوه. اتنهد. — وأنا مقدر ده. بصيتله وقلت: — تعرف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ قال: — إني خبيت عليكي موضوع يوسف؟ هزيت راسي. — مش بس كده. قربت منه شوية. — اللي وجعني إنك كنت شايل هم كبير، وعندك ابن أخ محتاجك، وبدل ما تشاركني، اخترت تعيش لوحدك بالسر ده.

محمود نزل عينه. قولت: — أنا مراتك يا محمود، مش مجرد واحدة بتشاركك الشقة ومصاريف العيال. قال بصوت مكسور: — عارف. كملت: — كنت ممكن أساعدك. كنت ممكن أعتبر يوسف زي ابني. كنت ممكن أهون عليك بدل ما تشيل كل ده لوحدك. دموعه نزلت. قال: — أنا كنت خايف أفتح باب مشاكل قديمة، وكنت فاكر إني بحميكي. رديت: — الحماية مش بالكذب. الحماية إننا نبقى عارفين إحنا بنواجه إيه سوا.

مد إيده ومسكني. — سامحيني. بصيتله طويلًا. وبعدين قلت: — أنا مش هقولك إني نسيت كل حاجة في يوم وليلة. بس أنا مستعدة نصلح اللي اتكسر، بشرط واحد. سألني: — إيه هو؟ قولت: — مفيش أسرار تاني. مهما كانت صعبة. هز راسه. — أوعدك. لكن كان لسه فيه حاجة ناقصة. حاجة لازم أعملها بنفسي. تاني يوم الصبح، خبطت على باب ندى. فتحتلي بعد شوية. كانت لابسة هدوم عادية، ووشها شاحب.

أول ما شافتني اتوترت. — خير؟ قولتلها: — ممكن نتكلم؟ فتحت الباب أكتر. — اتفضلي. لكن أنا ما دخلتش. قلت: — لا، هنتكلم هنا. وقفت قدامها، وبصيتلها في عينيها. — أنا عرفت الحقيقة، وعرفت إنك كنتِ بتحاولي توصلي لأوراق تخص أختك وابنها. ندى هزت راسها. — أيوه. قولتلها: — لكن ده ما يديكيش الحق تتصرفي مع جوزي بالطريقة اللي كنتِ بتتصرفي بيها. سكتت. كملت: — ولا يديكي الحق تسألي عيالي عن مواعيدنا، ولا تدخلي أوضة نومي، ولا تحاولي تخلقي مشكلة بيني وبين جوزي.

ندى قالت بصوت واطي: — أنا آسفة. رديت: — الاعتذار مقبول لما يبقى وراه تغيير، مش مجرد كلمة. بصتلي والدموع في عينيها. — أنا كنت خايفة ومش عارفة أتصرف. قولتلها: — الخوف مش مبرر إنك تخوفي غيرك على بيته. سكتت. وبعدين قالت: — أنا فعلًا غلطت في حقك. ابتسمت ابتسامة خفيفة. — كويس إنك عرفتي. وبعدين كملت: — من النهارده، أي موضوع يخص الأوراق أو يوسف يبقى عن طريق المحامي. وأي مشكلة في شقتك، تجيبي لها صنايعي. ومفيش أي تعامل مع عيالي من غير إذني.

هزت راسها بسرعة. — حاضر. كنت همشي، لكنها نادتني. — استني! لفيتلها. قالت: — ممكن أسألك سؤال؟ قولتلها: — اتفضلي. سألتني: — إنتِ إزاي فضلتي هادية طول الفترة دي؟ أنا كنت متوقعة إنك تعمليلي فضيحة من أول أسبوع. بصيتلها وقلت: — عشان أنا مش محتاجة أعمل فضيحة علشان أحافظ على كرامتي. أنا محتاجة أعرف إمتى أتكلم، وإمتى أحط حدود، وإمتى أرفض إن حد يستغل طيبتي. سكتت. وأنا كملت: — والست القوية مش اللي صوتها أعلى من كل الناس… الست القوية هي اللي تعرف تحمي بيتها من غير ما تظلم نفسها أو غيرها.

وسبتها ودخلت شقتي. مرت شهور. ندى سابت العمارة بعد انتهاء عقد إيجارها. هالة بدأت تصلح علاقتها بابنها، ويوسف كمل دراسته، وبقى يزورنا من وقت للتاني. أما قضية الأرض، ففضلت ماشية في طريقها القانوني. وبعد فترة، صدر حكم في جزء من النزاع ببطلان التصرف المبني على التوكيل المزور، وبدأ المحامي إجراءات استرداد الحقوق. لكن الشكوك المتعلقة بوفـ,ـاة حسام ما اتحولتش لحقيقة مثبتة، وفضلنا رافضين نتهم حد من غير دليل. ومحمود؟ اتغير كتير.

بقى يحكيلي عن شغله، وعن قلقه، وعن المشاكل اللي بتقابله. وبقيت أنا كمان أتكلم معاه بصراحة بدل ما أخبي جوايا. وفي يوم، يوسف جه يتغدى معانا. كان قاعد جنب ابني، وبيساعده في مسألة رياضيات. بصيت عليهم وابتسمت. محمود قرب مني وهمس: — عارفة؟ أنا عمري ما تخيلت إن يوسف هيقعد وسطنا كده. بصيتله وقلت: — كان ممكن يقعد من زمان يا محمود، لو كنت قلتلي الحقيقة. هز راسه. — عندك حق.

وبعدين قال: — الحمد لله إن ربنا ستر. ابتسمت. — الحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما الخوف يضيعنا كلنا. وفي ليلة هادية، بعد ما العيال ناموا، كنت قاعدة بشرب الشاي. فجأة جرس الباب رن. بصيت على الساعة. تسعة بالليل! محمود بصلي، وبعدين بص ناحية الباب. ولثانية واحدة، افتكرنا إحنا الاتنين كل اللي حصل. ضحك وقال: — يا ترى مين اللي عنده حنفية بايظة المرة دي؟ ضحكت غصب عني. وقمت فتحت الباب.

لقيت جارتنا الكبيرة اللي ساكنة تحت، شايلة طبق كنافة. ابتسمت وقالت: — معلش يا بنتي، أنا عملت كنافة وحبيت أطلعلكم شوية. ضحكت وقلت: — يا أهلا وسهلا! اتفضلي يا طنط. دخلت الست، وقعدت معانا شوية. وقبل ما تمشي، بصتلي وقالت: — تعرفي يا بنتي، أنا كنت خايفة عليكي من الجارة القديمة، بس فرحت إنك عرفتي تتصرفي بعقل. ابتسمت وقلت: — أنا اتعلمت درس مهم جدًا. سألتني: — إيه هو؟ قولتلها:

— إن مش كل واحدة بتخبط على باب بيتك تبقى محتاجة مساعدة، ومش كل حد بيساعد الناس يبقى عارف يحمي نفسه من الاستغلال. سكتت شوية، وبعدين كملت: — واتعلمت كمان إن الثقة بين الزوجين مش معناها إننا نخبي عن بعض، ولا إننا نسكت على الحاجات اللي بتضايقنا. محمود كان سامع كلامي من الصالة. قرب مني وحط إيده على كتفي وقال: — وأنا اتعلمت إن السر اللي الواحد بيخبيه علشان يحمي بيته، ممكن يبقى هو نفسه السبب اللي يهد البيت.

بصيتله وابتسمت. لأول مرة من شهور، حسيت إن قلبي مرتاح. مش لأن كل المشاكل انتهت. لكن لأننا بقينا بنواجهها سوا. وفي النهاية… أنا مكنتش محتاجة ألقن جارتي درس بالصوت العالي أو الفضايح. هي بنفسها اتعلمت إن التلاعب بمشاعر الناس وبيوتهم عمره ما كان وسيلة للوصول للحق. وجوزي اتعلم إن الصراحة مش ضعف، وإن مراته مش آخر واحدة لازم تعرف مشاكله. وأنا اتعلمت إن الطيبة من غير حدود ممكن تتحول لباب مفتوح لأي حد يستغلنا.

والأهم من ده كله… إن البيت مش بيحميه قفل الباب، ولا مراقبة الزوج، ولا الخوف من الستات التانية. البيت بيحميه الاحترام، والثقة، والصراحة، والحدود الواضحة. بس لو إنتوا مكاني، وجارتكم فضلت تخبط على الباب بالليل وتطلب جوزكم كل شوية، كنتوا هتتصرفوا إزاي؟ وهل كنتوا هتسامحوا الزوج على إخفاء سر زي ده طول السنين دي؟ تمت بحمد الله.

انت في الصفحة 11 من 11 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى