
بصيت لسيد نظرة أخيرة.. الراجل اللي كان بيترعش عشان يرضي أخته، واللي باعني بكلمتين، بقى قدامي حتة كومبارس فاقد الأهلية، مش عارف يحرك حتى لسانه. نجلاء جابت آخره، وفضلت تزعق في وش سيد وهي بتخبط على صدـ,,ـــرها:”ساكت ليه يا أخويا؟! كلم البوليس! قولهم دي سرقت بيتك! دي مشيت بالبيت كله في ساعتين! أنا كنت جاية أخد كلمتين على مية بيضا عشان أخلص إيصالات الأمانة اللي على جوزي، تقوم تطلعني من حارة الملاحين على البلاط كده؟
!”سيد كأن المية انقطعت من ريقه. بلع ريقه بصعوبة بالغة، وابتدي يتقدم نحوي بخطوات بطيئة، عينه في الارض، وكأنه استوعب أخيراً إن اللعبة خلصت وإن الكارت اتحــ,,ـــــرق. مد إيده المرتعشة وقال بصوت مكسور:”مارينا.. اهدي.. البسكوتاية بتاعتي.. إحنا ممكن نتكلم.. ده كله عشان أختي؟ طب خلاص، ولله ما أنا واخد منها حاجة، ولا عايز فيزا ولا غيره.. تعالي ادخلي بيتك واقعدي على راحتك، وسيبينا من الهبل ده عشان الجيران تفهم إيه؟
!”ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت نجلاء ترجع لورا خطوة، وقلت له بنبرة قاطعة زي السكــ,,ـــــينة:”بيتي؟! بيتي انا نقلته في العربيات وراح مكانه الصح.. مكانه اللي مفيش فيه ثعبان زيك ولا أختك الحرباية. البيت اللي فيه راجل بجد، مش عيل بيكسر كنكة القهوة على وش مراته عشان يرضي ست هانم! اسمع يا سيد..
المحضر في القسم، وورقة الخلع مع المحامي، وبكره الصبح أول ما النيابة تفتح، هيكون في أمر منعك من الاقتراب مني أو من مكاني الجديد. واعتبر الاربع سنين اللي ضاعوا معاك دول تذكرة قطار ركبتها بالغلط ونزلت في أول محطة.”أمين الشرطة شال الكرتونة وخرج قدامي، وتارا صاحبتي كانت مستنياني تحت العربية الـ SUV اللي كانت محملة كل عفشي. فتحت لي الباب، وركبت، وبصيت من المراية للمدخل.
سيد كان واقف في البلكونة الفاضية، بيبص عليا والدموع في عينه.. مش ندماً عليا، لا.. ندماً على الكرسي اللي قعد عليه، وعلى الشقة اللي بقت صدى صوت، وعلى الفيزا اللي طارت مع أول صرخة وجع. العربية اتحركت، وسبتهم في الصمت والتراب. بس القصة مخلصتش لحد هنا.. لأن تاني يوم الصبح، التليفون في شقتي الجديدة رن برقم غريب، والصوت اللي طلع منه كان مفاجأة تانية خالص، مفاجأة هتخلي سيد ونجلاء يعرفوا إن اللعبة لسه في الأول!
رنين التليفون Landline القديم اللي نزلته معايا في الشقة الجديدة في التجمع الخامس كان حاد ومزعج، كأنه بيخترق السكون اللي صنعته حواليا. بصيت للشاشة، الرقم مجهول.. بس إحساس غريب جابني ناحيته. رفعت السماعة وبصيّة محذرة لنفسي، جه صوت راجل جاد وخشن من الناحية التانية:”مديرية أمن القاهرة.. مباحث الأموال العامة. معنا الأستاذة مارينا؟”قلبي دق بسرعة، ووقفت مترددة وأنا بقول بصوت مشدود: “أيوه.
. معاكي مارينا.. خير يا فندم؟”الظابط كمل بنبرة قاطعة: “كنا محتاجين حضورك بكرة الصبح بدري في القسم.. بخصوص بلاغ مقدم ضد المدعو سيد عبد التواب (جوزك)، ومعه المدعوة نجلاء عبد التواب، في وقائع نصب وتزوير وإيصالات أمانة على بياض بملايين الجنيهات.”وقفت مكاني متسمرة. إيصالات أمانة؟! وملايين؟!الظابط كمل تفاصيل الصدمة: “احنا كنا متابعين الشبكة دي من فترة، ولما استعلمنا عن الفيزا والتحويلات الأخيرة اللي تمت من حسابات مختلفة، لقينا اسمك واسم ناس تانيين مرتبطين بنشاط نجلاء اللي بتدير جمعيات وهمية وتجارة عملة غير مشروعة، وجوزك كان الشريك والمستتر اللي بيوقع نيابة عنها بصفته وضمانته!
“هنا بس.. كل قطع القصة ركبت فوق بعضها!فهمت ليه نجلاء كانت ميتة على “فيزا المرتب” بتاعتي وعلى حسابي البنكي. وفهمت ليه سيد كان مرعوب لدرجة إنه حادف كنكة القهوة المغلية على وشي.. مكنش عشان خاطر عيون أخته الدلع، ده كان عشان يلحق يحط رقبتي في حبل المشنقة، ويخليني “الواجهة القانونية” لكل بلاغات النصب دي، لو حصلت كارثة والشرطة كشفت اللعبة! كانوا مخططين يلبسوني الطريقة بكل أريحية وأنا نايمة في العسل.
قفلت التليفون وإيدي بتترعش، مش خوفاً منه.. بل من حجم الغدر اللي كنت عايشة جنبه سنين وأنا مغمضة عينيا. في اللحظة دي، تارا دخلت عليا المطبخ وبإيدها كوباية نسكافيه، وقالت بخلعة لما شافت وشي الأصفر:”مالك يا مارينا؟ وشك خطف.. حد ضايقك؟”حكيت لها اللي حصل في المكالمة حرف بحرف. تارا اتفتحت عينيها على الآخر وضــ,,ـــــربت كف بكف وقالت:”ده طلع أفعى مش راجل!
ده كان نابع يبيعك بالسعر الرخيص عشان يفك أزمة أخته اللي شاربة ديون للركب!””مش هلحق أعيط ولا أنكد على نفسي يا تارا،” قلتها وأنا بجيب شنطتي وبظبط طرحتي بحزم: “ده معاده مظبوط مع النيابة بكرة، وأنا هكون هناك.. بس مش بصفتي الضحية، هكون بصفتي الشاهد الأهم اللي هيقفل عليهم الباب للأبد.
“الصبح، دخلت مباحث الأموال العامة ومعايا كل الأوراق، وفلاشة فيها رسائل وصوتيات قديمة بين سيد ونجلاء وهم بيتكلموا عن “توقيع مراتي على الورقة الجديدة”، وعقود الشراء وفواتير العفش اللي بتثبت ذمتي المالية المنفصلة تماماً عن لعبه الوسخ. أول ما دخلت مكتب التحقيقات، لقيت سيد وقاعد جنبه نجلاء.. منظرهم كان يقطع القلب بس من كتر الوضاعة.
