
سنين بتمر وكأنها دقيقة واحدة.. في شقتي الجديدة في التجمع الخامس، كنت قاعدة على الكنفة الواسعة، باصة على اللاب توب بتاعي وأنا براجع أرقام شركتي الجديدة لتصميم الديكور، الشركة اللي بنيتها بفضل ربنا وبشقايا اللي محدش قدر ياخده مني. النسايم الهادية كانت بتدخل من البلكونة، وفي إيدي كوباية نسكافيه دافية.. من غير قهوة مغلية، ومن غير صيرخ وجع، ومن غير ذكريات سودا.
تارا دخلت عليا المكتب وفيل إيدها ملفات جديدة، وقالت بابتسامة واسعة:”يا باشمهندسة مارينا.. العميل الجديد بتاع ڤيلا ميفيدا وافق على التصميم النهائي، وعايز يبدأ التنفيذ بكرة الصبح!”رفعت عيني عن الشاشة وضحكت: “ده العميل الثالث الشهر ده يا تارا! الشغل ماشي لوحده الحمد لله، وبقيت بحس إن كل تعب السنين اللي فاتت كان مجرد تمهيد عشان أقف على رجلي بجد.”قعدت تارا قدامي وسألتني بنبرة فيها شوية فضول: “صحيح.
. مجاش في بالك أبدًا.. إيه اللي حصل لسيد ونجلاء بعد القضية؟ أخبارهم إيه في السجــ,,ـــــن؟”بلعت ريقي وسكتت ثواني، كأني بسترجع صور الماضي البعيدة اللي بقت تخص واحدة ثانية غيري. هزيت راسي بهدوء ورديت:”آخر أخبار جابتها لي المحامي من شهر تقريباً، إن القضية الكبيرة بتاعت النصب وتبييض الأموال لبستهم هما الاتنين بجد.
نجلاء أخدت خمس سنين سجــ,,ـــــن مشدد بعد ما الهيئة اكتشفت إنها كانت المدبرة الأساسية للجمعيات الوهمية، وسيد.. أخد ثلاث سنين عشان تورطه وتسترّه على الجريمة وإيصالات الأمانة اللي على بياض. والأغرب من كده إيه؟”تارا باهتمام: “إيه؟””إن نجلاء في آخر جلسة طعن، لما لقت الحبل بيضيق عليها أكتر، اعترفت على سيد بكل التفاصيل وطلقت منه غيابياً، وقالت للقاضي حرفياً: ‘هو اللي باعني والمفروض يشيل الليلة لوحده’!
يعني القصر الوهمي اللي بنوه على طمع الناس وغدري تداعى على دماغهم هما الاتنين.”تارا حطت إيدها على بوقها بذهول وقالت: “سبحان الله.. اللي يخون العيش والملح، ملوش أمان لا في أخ ولا في زوج! بس بجد، أنا فخورة بيكي يا مارينا.. إزاي قدرتي تحولي القهوة المرة دي لطاقة نجاح وقوة تخليكي تسيبي كل ده وتبني الإمبراطورية دي لوحدك.
“قمت من على الكرسي، وفتحت باب البلكونة، وبصيت على الشارع الحيوي المليان بالحياة والناس الطيبة اللي بتسعى بجد، وقلت بصوت هادئ ومستقر:”القهوة المرة يا تارا.. أحياناً بتبقى أقوى دواء للي نايم في عسل المغفلين. وجع خدي ورقتي الطلاق كانوا أطهر صفعة فوقتني وعرفتني إن روحي وكرامتي أغلى بكتير من أي راجل خان أو أخت طماعة. أنا خرجت من الحكاية دي خالية الوفاض من الأشباح، لكن كسبت نفسي.. ودايماً اللي يكسب نفسه، بيكسب الدنيا كلها.
“تارا وقفت جنبي وحطت إيدها على كتفي وضحكت: “طيب يا ست الستات، تعالي ننزل نتغدى برا النهاردة، احتفالاً بالصفقة الجديدة وبأنك بقيتي أقوى ست في مصر الجديدة.. أقصد التجمع!”ضحكت بصوت عالي، وخدت شنطتي، وخرجنا مع بعض ونور الشمس بيلمع في وشي.. من غير آثار حــ,,ـــــرق، ومن غير خوف، وبمستقبل مشرق ماليان كله أمل وحرية. سنتين كمان مروا، والحياة في شقتي بالتجمع كانت ماشية في إيقاع هادي ومستقر ومنظم.
شركتي للتصميم الهندسي والديكور بقت اسم معروف وليها مشاريع في العاصمة الإدارية والتجمع، وتارا بقت شريكتي ورعاتي في كل نجاح بنحققه مع بعض. وجعي القديم، أثر الحــ,,ـــــرق، وكابوس سيد ونجلاء، بقوا مجرد صفحة مطوية في كتاب قديم قفلته للأبد. في يوم خميس، كنت قاعدة في المكتب بخلص بعض الرسومات الهندسية، وفجأة دخلت تارا وعينيها مليانة دهشة وهي ماسكة ورقة رسمية من المحكمة. قالت بصوت مذهول: “مارينا.. تعالي بصي كده!
إعلان رسمي وصل للمكتب من محكمة استئناف جنايات القاهرة!”رفعت عيني ببرود وقنعت نفسي إن مفيش حاجة ممكن تهزني تاني، وسألتها: “إعلان بإيه يا تارا؟ هو لسه فيه قضايا متعلقة بيهم؟”قعدت تارا قدامي وقالت: “سيد! سيد قدم طلب التماس لإعادة الإجراءات في قضيته، وطالب بوقف تنفيذ العقوبة أو تخفيفها بحجة إنه كان ‘مسلوب الإرادة’ ومجبر من أخته، وطالب كمان.
.. بطريقتي الخاصة!”سألتها باستنكار: “طالب إيه؟!”قالت تارا وهي بتبص في الورقة: “طالب بإثبات حقوقه الزوجية القديمة، وبيعترض على الخلع، وبيدعي إنك ‘اتخلعتي منه غيابياً وبطرق غير قانونية’ وإن لسه ليه حقوق عندك!”ضحكت بسخرية صوتها ملي الثقة، وقومت وقفت قدام البلكونة الكبيرة للمكتب اللي بتطل على شوارع التجمع الواسعة، وقلت لتارا بنبرة قوية:”لسه فاكر يفوق؟ بعد سنتين جوه الحبس، وبعد ما أخته بعته بالرخيص، جاي يفتكر إن ليه حقوق؟
العبد لله ده مش بيتعلم، فاكر إن الحياة ممكن ترجع لورا.”تارا سألتني بحماس: “وهتعملي إيه؟ الجلسة الشهر الجاي، هتروحي ولا هتبعتي المحامي؟”ابتسمت والتفتت ليها وأنا بقول:”طبعاً هروح.. هروح بنفسي وأنا رافعة راسّي، مش عشان أرد عليه، بس عشان أشوفه وهو بياخد القلم الأخير من القاضي، ويعرف إن اللي تبيع نفسها للكرامة والعزة مستحيل تنكسر تاني قدام ذئب بشري.
“جهزت نفسي للمعركة الأخيرة، وعارفة كويس إن القاضي العادل مش هيسمح للظلــ,,ـــــم يرجع يدق بابي تاني.. وتفتكروا سيد هيعمل إيه لما يشوفني قدامه في قاعة المحكمة وأنا في أحسن حال وهو في قاع الانهيار؟يوم جلسة الاستئناف، الشمس كانت ساطعة في سماء القاهرة، ونورها منعكس على زجاج عربيتي وأنا سايقة بنفسي لحد محكمة الاستئناف. مبقاش عندي أي ذرة خوف أو رهبة؛ الأيام والصعاب اللي عشتها صنعت مني حديد مبيتعوجش.
دخلت من بوابة المحكمة ومعايا الأستاذ رمزي محاميّ وتارا اللي كانت دراعي اليمين من أول يوم للحكاية. قاعة الاستئناف كانت واسعة ومزدحمة بأصوات المحامين والملفات، وقفنا في المكان المخصص، وبعد لحظات، دخل الحرس وبصوتهم العالي نادوا على رقم القضية. ومن باب قفص الاتهام، ظهر “سيد”.منظره كان أصعب بكتير من المرة اللي فاتت. سنتين السجــ,,ـــــن والكسرة وهجران أخته اللي باعته طحنوا ما تبقى منه.
شعره الأبيض كسى رأسه، ووشه دبل تماماً، وعينيه التائهة كانت بتلف في القاعة كأنها بتدور على طوق نجاة وسط بحر ميت. أول ما وقعت عينه عليا، وانا واقفة بثبات وبدلة العمل الرسمية وشعري المربوط باحتراف، حسيت كأنه شاف عفريت مش بني آدم. عيونه اتسعت بصدمة، وتحرك خطوة لقدام جوه القفص وكأنه عايز ينطق، بس عساكر الحجز منعوه بقسوة. نادى القاضي بوقاره المعهود، وساد الصمت في القاعة.
طلب القاضي من سيد الكلام عشان يشرح التماسه. سيد بلع ريقه بصعوبة بالغة، وطلع صوته متحشرج ومكسور، كأنه بيطلع في الروح:”يا فندم.. أنا مظلوم.. أنا كنت مغيب وتحت ضغط أختي، ومارينا دي عشرة عمري ومراتي.. أرجوك يا فندم، ارحمني، رجعلي بيتي وحياتي، أنا توبت والله العظيم توبت!”القاضي بص لملفات القضية ببرود، وبعدين رفع عينه وبص له وقال بصوت قاطع:”الملف بيقول إنك اعتدت على زوجتك بوحشية، وتسترت على شبكة نصب وتزوير، وإن الخلع تم بحكم قاضٍ بات بناءً على رغبتها ومستندات رسمية لا غبار عليها.
. والالتماس مرفوض شكلاً وموضوعاً!”كلمة “مرفوض” نزلت على ودن سيد زي الصاعقة. سقط على ركبه جوه القفص، وحط إيده على راسه وبدأ يعيط بانهيار تام، بينما نجلاء أخته اللي كانت في قضية تانية في نفس القاعة أو بعيدة عنه، كانت خلاص اتشطبت من حياته تماماً وما سألتش فيه أصلاً. قام الأستاذ رمزي، وقدم للمحكمة مذكرة نهائية بتثبيت كافة حقوقي المدنية، ورفض أي تعويض أو طعن مقدم من المدعو، والقاضي وافق عليها واعتمدها نهائياً.
بصيت لسيد نظرة أخيرة.. نظرة إنسانة حررت نفسها من سجــ,,ـــــن الجهل والخوف، وفتحت صفحة جديدة عنوانها القوة والنجاح. لفيت وشي ومشيت بخطوات ثابتة وثقة مالية ونفسية، وتارا وماسكة في إيدي بتضحك بصوت عالي. خرجنا من بوابة المحكمة، والهوا النظيف ضــ,,ـــــرب في وشي. بصيت لتارا وقلت بابتسامة واسعة:”خلاص يا تارا.. القصة خلصت للأبد، والباب اتقفل بالمفتاح ومش هينفتح تاني أبداً.
“تارا ضمتني وقالت: “مبروك يا مارينا.. مبروك ليكي ولحريتك ولإمبراطوريتك اللي بنيتيها من دموع وجع زمان. يلا بينا على الشغل، ورانا مشاريع تفتح النفس!”ركبت العربية، ودلست المفتاح في الدوارة، وسقت طريق التجمع، وأنا عارفة إن القهوة المرة كانت مجرد بداية لمرارة علميتني إزاي أحب نفسي، وأحمي روحي، وأبقى ملكة قراري لحد آخر العمر.
**الحكمة من القصة:**القهوة المرة، مهما كانت قسوتها وحــ,,ـــــرقتها، أحياناً تكون هي الدواء الوحيد الذي يوقظنا من غفلتنا لنرى الحقيقة عارية بلا رتوش. الخذلان قد يكون أقسى صدمة يتعرض لها الإنسان، لكنه في كثير من الأحيان يكون نقطة التحول الكبرى التي تكسر قيود الخوف، وتُظهر للإنسان معدنه الحقيقي وقدرته على إعادة بناء نفسه من جديد.
العلاقات التي تطفئ روحك وتستنزف كرامتك لا توفر لك سنداً، بل تزيدك غرقاً؛ وحين تختار نفسك وكرامتك أولاً، وتستبدل الضعف بالقوة والسعي، فإنك لا تكتفي فقط بإغلاق صفحة مؤلمة، بل تفتح أبواباً واسعة لحياة كاملة تليق بك، وتملك فيها زمام أمرك للأبد. من يكتسب نفسه، يكتسب الدنيا بحذافيرها.


