منوعات

عزومة عائلية

“قفلت التليفون وعملت له “بلوك” نهائي، وقلت لتارا وهي بتدور المــ,,ـــــوتور:”يلا بينا.. اللي زي دول ميستاهلوش دمعة واحدة.. القهوة المرة شربتها، ومبقاش في حياتي مكان لحد يبيعني.”تارا ابتسمت وسألتني: “والخطوة الجاية إيه يا ست الكل؟”رديت بثقة وأنا بظبط قعدتي: “الخطوة الجاية هي البداية الحقيقية.. ومحكمة الأسرة هتقفل الفصل ده للأبد.”تفتكروا القاضي هيحكم بطلاق مارينا في أول جلسة خلع، ولا سيد هيحاول يلعب بآخر كارت عنده في المحكمة؟

أسبوعين مروا كأنهم دهر كامل، أسبوعين من الهدوء الحقيقي اللي عرفته لأول مرة بين جدران شقتي الجديدة في التجمع الخامس. كنت بصحى الصبح على ريحة القهوة المظبوطة اللي بعملها بمزاج، أشربها وأنا باصة من البلكونة على الشارع الهادي، من غير ما أخاف إن كنكة تتحدف في وشي، ومن غير ما أحس بنــ,,ـــــار الغدر اللي كانت هتاكل روحي.

وشي كان بيخف تدريجياً تحت إشراف دكتور الجلدية، وأثر الحــ,,ـــــرق بدأ يختفي، وكأنه كان علامة فارقة ربنا كتبها عليّ عشان تفوقني وتعرفني قيمة نفسي اللي بعتها رخيص لفترة طويلة. في اليوم الموعود، يوم جلسة محكمة الأسرة للخلع، صحيت بدري، لبست بدلة رسمية سوداء أنيقة، وربطت شعري بحزم، ومعايا تارا اللي مابتسيبنيش لحظة، ومحامي الشاطر الأستاذ رمزي اللي كان متبني القضية بكل ثقة. دخلنا قاعة المحكمة، الهوا جوه كان مكتوم ومحمل بريحة القلق والورق القديم.

قعدت على الدكة وأنا باصة قدامي بثبات، وبعد دقايق، دخل الحرس وبصوتهم المعهود نادوا على القضايا. ومن باب خلفي، دخل “سيد”.منظره كان مأساوي بمعنى الكلمة. أسبوعين بس في الحجز وسط المجرمين والنصبة كفيلين يهدوا أي جبل. لحيته طالت بشكل عشوائي، ووشه اصفر وباقي دبلان، وهدومه اللي كانت نظيفة بقت مبهدلة وواسعة عليه كأنه خس نص وزنه.

أول ما دخل القاعة وعينه وقعت عليا، تحرك ناحيتي بسرعة بجنون وعايز يتكلم، بس الحرس زقوه ومنعوه من الاقتراب. صرخ بصوت مخنوق ودموعه في عينه:”مارينا! أرجوكِ اسمعيني دقيقة واحدة! بالله عليكي يا مارينا ترحميني! أنا اتبهدلت جوه! نجلاء باعتني أول يوم، وقالت للنيابة إن كل حاجة كانت بأمرها وبأفكارها وإن أنا كنت مغيب، ووقعتني في البلاوي لوحدي!

أنا توبتي، ورب الكعبة توبت، رجعيني لبيتك واعملي فيا اللي إنتي عايزه بس ما تسبينيش أطلق وتنهي كل حاجة!”بصيت له ببرود شديد، مكنش جويا أي ذرة غضب ولا حتى شفقة، مجرد فراغ تام. الراجل اللي كان من شهر واحد بيخيرني بين أخته وبين طردي بشنطة هدومي، واللي كان شايفني مجرد شقة وكرت بنكي، واقف قدامي حطام إنسان بيدور على طوق نجاة عند الست اللي دمرها.

في اللحظة دي، دخلت نجلاء من باب تاني للحجز، كانت هي كمان لابسة عباية الحبس ومكلبشة مع متهمين تانيين في قضية تزوير أوراق مالية. أول ما شافته في القاعة، بصت له بنظرة حقد مقرفة، وعلت صوتها قدام الكل وقالت بصوت مليان سم:”يا ريتني ما عرفتك يا أخويا يا فاشل! إنت السبب في اللي أنا فيه!

إنت اللي طمعتني في فيزا مراتك وشقاها!”سيد اتقلب في مكانه، وبقى يزعق فيها بجنون: “اخرسي يا حيوانة! إنتي اللي جابتيني للحتة دي! إنتي اللي ضحكتي عليا!”الحرس زعقوا بصوت عالي: “سكووووت.. المحكمة!”دخل القاضي بوقاره وهيبته، وساد الصمت التام في القاعة. قعد على المنصة وبص في الأوراق قدامه، وبعدين نادى على الدعوى رقم كذا الخاصة بطلعي أنا (مارينا) ضد المدعو سيد.

وقف الأستاذ رمزي محاميّ، وبكل ثقة قدم مذكرة الدعوى، وأكد على استحكام العِشرة، واستحالة استمرار الحياة الزوجية بعد التعدي الجسدي والنفسي، وتقديم تقارير الطوارئ ومحضر الشرطة، بالإضافة لتورط الزوج في قضايا نصب تمس شرف وذمة الموكلة المالية. القاضي بص لسيد اللي كان واقف في القفص بيترعش، وسأله بصوت جاد: “هل أنت متمسك بالزوجة ولا عندك أقوال تانية؟”سيد بلع ريقه وقال بصوت مكسور: “يا فندم أنا مطلقهاش.. دي مراتي وعشرة عمري، وأنا آسف والله آسف!

“القاضي بص للأوراق، وبعدين رفع راسه وبصلي، وسألني: “يا مدام مارينا، هل مصممة على الخلع وتنازلك عن كافة حقوقك المالية للرجل ده؟”قمت من على الدكة، وقفت بكل ثبات، وبصيت للقاضي وقلت بصوت واضح ومليان قوة سمع الكل صداه:”متمسكة يا فندم.. ومش عايزة منه مليم، أنا كل اللي عايزه إني أخد حريتي وأقفل الصفحة دي اللي كادت تحــ,,ـــــرق عمري زي ما حــ,,ـــــرق وشي بكنكة القهوة.

“القاضي هز راسه بفهم، وكتب كلمتين في الورق، وبعد ثواني معدودة، خبط بالمطرقة الخشبية ض.بة قوية تردد صداها في القاعة كلها وقال بصوت عالي:”بإسم القانون، حكمت المحكمة بتطليق المدعية مارينا من المدعو سيد خلعاً، وبانفصال تام بينهما نهائياً، وتتحمل النفقات.”حسيت بروح جديدة اتنفخت في صدـ,,ـــري. الهwa بقى أدخل جويا بكل سلاسة. بصيت لتارا اللي نطت من فرحتها وضمتني جامد وعينيها دمعت من الفرحة.

وسيد سقط على ركبه في قفص الاتهام، وحط إيده على راسه وبدأ يعيط بصوت عالي كالأطفال، بينما نجلاء كانت بتشتمه بصوت واطي ومسموع. خرجت من المحكمة وأنا ماشية على الأرض خطوات ثابتة، وبصيت للسما الصافية في القاهرة، وعرفت إن القهوة المرة مهما كانت قسوتها، أحياناً بتبقى الدواء الوحيد اللي بيصحيك على الحقيقة المرة ويخليك تختار نفسك فوق أي اعتبار تاني. تارا مسكت إيدي وقالت: “الف مبروك يا ست الكل.. يلا بينا نعمل أحلى سهرة في التجمع عشان نحتفل بالحرية.”رديت عليها بابتسامة واسعة: “يلا يا تارا.. الحكاية لسه بتبدأ، والمستقبل كله قدامي!”
عزومة عائلية حكايات رومانى مكرم 3

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى