
— إنتِ مش غلطانة في أي حاجة، ومش مسؤولة عن اللي حصل. لكنها كانت مقتنعة إن سكوتها خيانة لأمي. ومع الوقت، بدأت تسأله أسئلة أصعب. — هو بابا وحش؟ — لأ يا حبيبتي، باباكي عمل غلط كبير، لكن ده مش معناه إنك لازم تبطلي تحبيه. — طب ليه ماما مـ,ـاتت؟ وكان السؤال ده بيوجعه أكتر من أي حاجة. فضل جنبها سنين، يشجعها تتكلم عن مشاعرها، ويساعدها تتجاوز خوفها. لكن السر فضل بينهم. وفي يوم، بعد ما كبروا، قالتله أختي: — أنا عايزة أقول لأختي الحقيقة. رد: — من حقك تقولي. سألته: — طب إنت هتفضل جنبي لو زعلوا مني؟ قال:
— طبعًا. وبعدين قالتله: — أنا بحبك… بس مش عايزاك تتجوزني علشان خايف عليا. بصيتله وأنا بسمع الكلام. قال بصوت مخنوق: — يومها فهمت إنها فاهمة كل حاجة، وإنها خايفة أكون معاها بدافع الذنب. سألته: — وإنت كنت بتحبها فعلًا؟ رفع عينيه وقال: — أيوه. كنت بحبها من زمان، لكن كنت محتاج أتأكد إن اللي بينا مش مجرد إحساس بالمسؤولية، وإنها هي كمان بتختارني بحرية. سكت شوية، وبعدين كمل: — لما طلبت إيدها، كنت عارف إني هفضل شايل ذنب سكوتي عن الحقيقة. لكني مكنتش بتجوزها علشان أخبي السر. اتجوزتها لأني عايز أعيش معاها، وأكون زوجها وشريكها، مش حارس عليها. قلتله بمرارة:
— بس إنتوا كلكم حرمتوني من حقي أعرف الحقيقة عن مـ,ـوت أمي. رد: — عندك حق… ومفيش مبرر لده. وفجأة، سمعنا صوت خطوات سريعة. الدكتور خرج من العناية المركزة، ووشه متوتر. جرينا عليه. سألته: — أختي عاملة إيه؟! قال: — قدرنا نسيطر على النزيف، لكن حصلت مضاعفات أثرت على وظائف بعض الأعضاء. هي دلوقتي تحت المراقبة الدقيقة، ولسه في خطر. جوزها سأله: — ممكن أشوفها؟ الدكتور قال: — زيارة قصيرة جدًا، ومن غير ما تتكلموا معاها كتير. دخلنا واحد واحد. ولما جه دوري، لقيت أختي نايمة على السرير، وحواليها أجهزة كتير. وشها كان شاحب، وإيديها فيها محاليل. قربت منها ومسكت إيدها.
— يا حبيبتي… أنا هنا. فتحت عينيها بصعوبة. حاولت تبتسم. همست: — البيبيهات؟ قلت بسرعة: — كويسين يا روحي، في الحضانة والدكاترة بيتابعوهم. نزلت دمعة من عينها. قربت منها أكتر وقلت: — أنا عرفت كل حاجة. اتغير وشها. حاولت تسحب إيدها من إيدي، لكنها مكنتش قادرة. همست: — متزعليش مني. عيطت وقلت: — أنا عمري ما هكرهك… بس ليه مخبيتيش عليا الحقيقة كل السنين دي؟ قالت بصعوبة: — بابا قال… لو عرفتي… هيسيبونا ياخدوه. سألتها: — وإنتِ كنتِ خايفة عليه؟ هزت راسها. — كنت خايفة أخسركم كلكم. حضنت إيدها بين إيديا. — إنتِ ملكيش ذنب في أي حاجة.
لكنها فجأة شدت على إيدي بقوة. بصتلي بخوف وهمست: — الورقة… قلت: — شفتها. هزت راسها بسرعة. — مش دي… قربت منها. — أمال إيه؟ قالت بصوت متقطع: — الورقة اللي ماما خبتها… في العلبة الزرقا. اتجمدت. — علبة إيه؟! حاولت تتكلم، لكن نفسها بدأ يتسارع. جريت أنادي الدكتور. دخل بسرعة وطلب مني أخرج. وقفت برا الأوضة وأنا بترعش. جوزها قرب مني. — قالتلك إيه؟ بصيتله وقلت: — قالت إن فيه ورقة تانية… في علبة زرقا. وشه اتغير. سألته: — إنت تعرف العلبة دي؟ سكت. فمسكته من دراعه وقلت: — بالله عليك، كفاية أسرار! رد:
— أختك كانت محتفظة بعلبة زرقا صغيرة في دولابها، وكانت رافضة تخليني ألمسها. سألته: — وموجودة فين دلوقتي؟ قال: — في بيتنا. قلت بحسم: — لازم نروح نجيبها. بعد ما الدكتور طمنا إن حالة أختي مستقرة مؤقتًا، سيبت جوزها جنبها وروحت البيت مع أبويا. طول الطريق مكنتش بكلمه. كان بيحاول يفتح معايا كلام، لكني كنت ببص من الشباك. لحد ما قال: — أنا عارف إنك مش هتسامحيني. رديت: — أنا مش قادرة حتى أبص في وشك. سكت. وبعدين قلت: — لو ماما كانت عايشة، كانت هتسامحك؟ نزل راسه. — معرفش. قلت: — أنا عارفة… كانت هتطلب منك تعترف وترد الحقوق لأصحابها.
وصلنا بيت أختي. فتحت الباب بالمفتاح اللي كان معايا للطوارئ، ودخلت أوضتها. فتحت الدولاب وفضلت أدور. لقيت علب كتير فيها خيوط وإبر وأقمشة. لكن مفيش علبة زرقا. فضلت أدور لحد ما لاحظت درج صغير مقفول. سألت أبويا: — معاك مفتاح؟ هز راسه. لقيت المفتاح مربوط بشريط صغير خلف إطار صورة فرحها، في مكان كانت أختي بتحتفظ فيه بحاجاتها المهمة. فتحت الدرج. وكانت جواه علبة معدنية زرقا. إيديا كانت بتترعش وأنا بفتحها. لقيت جواها صور قديمة لأمي، وسلسلة فضة، وجواب مكتوب بخط إيدها. لكن اللي صدمني أكتر كان ظرف بني مكتوب عليه: «إلى بنتي الكبيرة…
لو حصل لي أي حاجة، لازم تعرفي الحقيقة.» حسيت إن قلبي هيقف. فتحت الظرف بسرعة. كان جواه جواب طويل، وفي آخره توقيع أمي. بدأت أقرأ: “بنتي حبيبتي… لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا مقدرتش أحكيلك بنفسي. أنا عرفت إن أبوكي عمل غلطة كبيرة، لكن فيه حاجة أخطر بكتير من موضوع الفلوس. أبوكي مش الشخص الوحيد المتورط في اللي حصل. فيه حد قريب مننا جدًا كان بيساعده، ولما واجهته بالحقيقة، هددني إني لو اتكلمت هخسر أغلى حاجة عندي. أنا مش خايفة على نفسي… أنا خايفة عليكي إنتِ وأختك. وعلشان كده، خبيت نسخة من الأوراق في مكان محدش يعرفه غيري.”

