
والشقة رجعت هادية تمامًا. بس المرة دي هو اللي ما بقاش متأكد هو عايش فعلاً ولا لسه محبوس جوه اللحظة اللي رفض يصدقها من الأول الدكتور وقف يستنى ردّه، بس سامر كان ساكت تمامًا. بص في السقف الأبيض كأنه بيدوّر على إجابة جوا دماغه نفسها. عايز نبلغ حد؟ الكلمة اتكررت في دماغه بشكل غريب كأنها مش سؤال بسيط، كأنها بوابة. بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت واطي زوجتي الدكتور فتح الملف بسرعة، وبص له بنظرة هادية
اسمها إيه؟ سكت. المفروض يرد فورًا بس الاسم وقف في حلقه. حس إن فيه فراغ مكان الاسم نفسه. بعد ثواني قال مش فاكر الدكتور وقف لحظة، وبعدين قال بهدوء مهني طبيعي بعد الغيبوبة الطويلة في فقدان مؤقت للذاكرة أحيانًا. بس الجملة ما ريّحتهوش. لأنه جواه إحساس عكس الكلام ده تمامًا إحساس إن نسيان الاسم مش طبيعة ده نتيجة حاجة أعمق. سابه الدكتور وخرج. فضل لوحده في الأوضة. صوت الأجهزة هو الصوت الوحيد.
التفت ناحية الشباك. نور النهار داخل هادي طبيعي مفيهوش أي حاجة مرعبة زي اللي شافه قبل كده. بس الغرابة بدأت لما بص لإيده. فيه جرح قديم شبه خط رفيع على معصمه كأنه كان بيتمسك بحاجة جامدة جدًا فترة طويلة. حرك إيده ببطء. وفجأة حس بحاجة في جيب البنجال اللي عليه. مد إيده. طلع ورقة صغيرة متنية. فتحها. مكتوب بخط واضح جدًا متدورش عليا برا إنت اللي محتاج تفتكرني جواك. اتجمد.
نفس الجملة اللي سمعها قبل كده لكن من غير صوت. وفجأة الباب اتفتح. دخلت ممرضة. ابتسمت ابتسامة عادية وقالت كويس إنك فقت في حد كان بييجي يسأل عليك طول الفترة اللي فاتت. رفع عينه بسرعة مين؟ الممرضة سكتت ثانيتين، وبعدين قالت ست كانت دايمًا تقعد في نفس المكان قدام الأوضة، بس النهارده ماجتش. قلبه دق بسرعة. شكلها إيه؟ هزت كتافها مش واضحة قوي بس كانت تبصلك كأنها عارفاك كويس. سكت.
وبعد ما خرجت الممرضة، فضل يبص للورقة في إيده. وفجأة، حس بنفس الإحساس القديم بيرجع مشهد بيتفتح جواه واحدة واحدة. ست قاعدة قدام أوضة مستشفى ممسكة إيديها مستنية بس المرة دي الصورة مش واضحة. كأن عقله بيمنعها تظهر كاملة. همس لنفسه أنا مين اللي كنت مستنيه؟ وفي اللحظة دي الورقة اللي في إيده بدأت تتكرمش لوحدها من غير نـ,ـار من غير سبب. وكأنها بتختفي. وقبل ما تتحول لرماد ظهر آخر سطر فيها كان مخفي
لو افتكرتني هتفوق بجد. رفع عينه فجأة. بس الأوضة كانت فاضية. والممر الطويل برا ماكانش فيه أي حد. ولا حتى ظل الست اللي كانت مستنية. وساعتها بس سامر فهم إن القصة لسه ماخلصتش. وإن اللي فاق منه في المستشفى ممكن يكون بس أول طبقة من الحقيقة مش النهاية وقف في نص الشقة والهدوء المرة دي كان مختلف. مش هدوء فاضي ده هدوء كأنه بعد النهاية. اتلفت حوالينه ببطء، عينه على الصور اللي وقعت على الأرض.
كل صورة فيهم كانت بترجّع جزء من إحساس قديم كان مدفونه. مسك صورة بإيده. هو ومراته الأولى. بس المرة دي لاحظ حاجة ماكانش واخد باله منها قبل كده إنه في الصورة دي عينه مش عليها هي. كانت عينه دايمًا بعيدة كأنه مش موجود معاها من الأساس. همس لنفسه أنا كنت فين طول الوقت ده؟ وفجأة الباب خبط خبطتين خفيفين. اتجمد. بص ناحية الباب. الخبط اتكرر. بس المرة دي مفيش أصوات تانية مفيش هواجس مفيش لعب في النور.
خطى ناحية الباب بحذر. مد إيده. فتح. مفيش حد. بس على الأرض ظرف أبيض تاني. نزل جاب الظرف وهو حاسس إن قلبه هيقف. فتحه. جواه ورقة واحدة. مكتوب فيها لو وصلت للمرحلة دي يبقى أخيرًا بدأت تفوق. سكت. وفجأة سمع صوتها قريب جدًا من ورا الباب وهو لسه مفتوح فاكر لما قلتلك كنت بحبك؟ لف بسرعة. مفيش حد. بس الصوت كمل كنت بحبك فعلًا بس إنت ماكنتش شايف. رجع خطوة لورا.
والباب بدأ يقفل ببطء لوحده من غير إيد تمسكه. قال بصوت مكـ,ـسور إنتي عايزة مني إيه؟ سكتت ثانيتين وبعدين الرد جه كأنه جاي من جواه هو مش من برا عايزاك تعترف. أعترف بإيه؟ وفجأة كل حاجة سكتت. حتى نفسه بقى مسموع. وبعدين الصوت رجع إنك ما خسرتنيش لما اتجوزت غيري إنت خسرتني من أول مرة اخترت فيها نفسك عليا. الدنيا بدأت تهتز حواليه. الحيطة اللي قدامه بدأت تبان فيها انعكاسات مش صور ذكريات.
مشهد يوم ما تجاهل مكالمتها. مشهد لما سابها تبكي وهو خارج. مشهد وهو بيقفل الباب وهي بتنده عليه. كل حاجة بترجع مرة واحدة. وقع على ركبه. وهمس أنا آسف سكتت لحظة طويلة. وبعدين جاء الصوت الأخير، هادي جدًا الاعتذار مش ليا دلوقتي لنفسك. وفجأة كل حاجة اختفت. لا صوت لا شقة لا باب لا صور. بس بياض كامل. وبعدين فتح عينه تاني. لقى نفسه قاعد على سرير أبيض في مستشفى.
وإيده متوصلة بأجهزة. ودكتور واقف بيكتب في الملف وبيقول بهدوء الحمد لله فاق أخيرًا من الغيبوبة. سكت لحظة، وبصله كنت في حادثة من شهرين وكنت بتكلم عن زوجتك طول الوقت وإنت نايم. اتلفت ببطء ومفيش حد في الأوضة غيره. الدكتور سأل عايز نبلغ حد؟ سكت. وبص في الفراغ ولأول مرة ماكنش عارف يرد. لأنه مش عارف هو كان بيحلم بحياة تانية؟ ولا كان بيهرب من حياة عمره ما عرف يعيشها صح من الأول سامر فضل باصص للفراغ قدامه كأن الورقة اللي كانت في إيده سابت أثر سخونة في جلده، مش مجرد حبر اتشال.
قلبه بدأ يدق بسرعة غريبة مش خوف بس، ده إحساس إن فيه حاجة ناقصة جواه هو نفسه. رفع إيده وحطها على راسه. صداع بسيط بس وراه صور بتتحرك. الممرضة دخلت تاني فجأة وهي شايلة ملف. الدكتور قال نعملك أشعة كمان ونطمن حصل عندك فقدان ذاكرة بعد الحادث. هز راسه ببطء، لكن عينه كانت مش معاها. كانت بتبص على باب الأوضة. لأنه للحظة حس إنه شاف ظل واقف هناك. بس أول ما ركز مفيش حد.
الممرضة خرجت. وسابته لوحده تاني. الدقيقة دي كانت مختلفة. مشهد واحد بدأ يتكوّن جواه ببطء مش زي الأحلام المقطعة اللي كانت بتجي له قبل كده. ده كان أوضح. كان في شقة. نفس الشقة. بس النور فيها دافي. وست واقفة في المطبخ بتعمل حاجة بسيطة بتغني بصوت واطي. هو كان قاعد على الكنبة بيبصلها. مش متوتر مش غريب. كان مرتاح. وفجأة الصورة اتكسـ,ـرت. الصوت اختفى. ورجع لنقطة الصفر. فتح عينه فجأة
في السرير. همس لنفسه دي كانت مراتي؟ بس أول ما قال الجملة، حس برفض داخلي. كأن فيه جزء جواه بيقول له مش هي دي فيه حاجة أهم. في اللحظة دي جهاز المراقبة جنب السرير بدأ يدي صوت غريب. الخط ثابت. بس مرة واحدة خط القلب ارتفع بشكل مفاجئ. دخل الدكتور بسرعة. في إيه؟ حصل إيه؟ سامر كان بيبص للسقف، وعيونه مفتوحة على آخرها. أنا فاكر حاجة الدكتور قرب فاكر إيه؟
سامر بصله وقال بصوت مهزوز مش حياة كاملة لحظة واحدة بس. سكت لحظة، وبعدين كمل كنت ماشي في شارع ومفيش حد حواليّا وكنت ماسك موبايلها وبكلمها أعتذر. الدكتور اتجمد. وبعدها؟ بلع ريقه وبعدها عربية. سكت. الصوت في الأوضة اختفى تمامًا. وكأنه حتى الأجهزة بتسمع. كمل بصوت أخفض أنا مش كنت في غيبوبة بس أنا كنت بحاول أهـ,ـرب من اللحظة دي. الدكتور بصله بقلق مين اللي حصل له الحادث؟ سامر فتح بقه لكن قبل ما يرد
الضوء في الأوضة فصل لحظة واحدة. ولما رجع كان فيه كرسي فاضي جنب السرير. وملف الدكتور اللي كان في إيده مفتوح على صفحة مكتوب فيها اسم زوجته الأولى. لكن الاسم كان واضح لأول مرة هي اللي ماتت في الحادث. سكت سامر. وبص للكرسي الفاضي. وقال بصوت شبه همس يعني كل اللي شوفته قبل كده كان إيه؟ وفجأة الكرسي اتحرك سنتيمتر واحد. من غير ما حد يلمسه. والدكتور رجع خطوة لورا.
لكن سامر ما خافش. لأنه بدأ يحس بحقيقة أبشع من أي وهم إن مراته الأولى مش مجرد ذكرى. وإن اللي كان بيطارده مش شبح لكن ذنب لسه ماخلصش حسابه سامر فضل ثابت مكانه، عينه على الكرسي اللي اتحرك لوحده، لكن المرة دي مكنش فيه ذعر كان فيه فهم ثقيل بيقع عليه واحدة واحدة. الدكتور حاول يتكلم هدوء يا سامر دي ممكن تكون تأثيرات ما بعد الصدمة بس سامر قاطعه بصوت واطي
لأ أنا فاهم دلوقتي. بص للدكتور، وبعدين بص للكرسي أنا طول الوقت كنت فاكر إني ضيّعت مراتي لما اتجوزت غيرها بس الحقيقة إني ضيّعتها قبل كده بكتير. سكت لحظة، كأن الكلام بيطلع بالعافية ضيّعتها وأنا عايش معاها مش وهي مـ,ـاتت. الكرسي ما اتحركش تاني. بس الإحساس في الأوضة اتغيّر كأن حاجة اتقفلت. الدكتور بص للملف بصمت، وبعدين قال بهدوء الحـ,ـادثة كانت من شهرين وإنت فضلت في غيبوبة من وقتها. مفيش أي تسجيلات عن زوجة تانية في حياتك.
سامر ابتسم ابتسامة صغيرة مرهقة عشان هي ماكنتش موجودة فعلاً كانت الطريقة اللي عقلي بيهـ,ـرب بيها من الحقيقة. سكت. وبعدين كمل أنا لما خبطت بالعربية كنت راجع من عندها. كنت رايح أعتذر بس متأخر. ساعتها بس الصورة كملت. مشهد الطريق العربية الصدمة وصوت واحد كان آخر حاجة في دماغه أنا تعبت من انتظارك. فتح عينه تاني في المستشفى، بس المرة دي مفيش هلوسة، ولا أشباح، ولا أصوات. بس فيه حقيقة واحدة واضحة.
الدكتور سأله عايز حد يتصل بيها دلوقتي؟ سامر سكت طويل. وبعدين قال بهدوء مفيش داعي. بص للنافذة. الشمس كانت طالعة عادية. وقال آخر جملة وهو مش شايف غير نفسه المرة دي لازم أعيش الحقيقة، مش أهرب منها. وغمض عينه بهدوء لأول مرة. مش كاستسلام لكن كنهاية هـ,ـروب طويل. والشقة اللي كانت في خياله اختفت للأبد.




