روايات

أنا وسلفتى

> الكلمة نزلت على سلفي محمود زي الكرباج. في ثانية، لقيته هجم عليا ورفع إيده وراح مديني قلم قوي على وشي، لدرجة إني دوخت ورجعت خطوتين لورا. صرخ في وشي وهو بينهج: * **”كلنا رجالة يا بت.. ياللي مالكيش لا أصل ولا فصل وتغوري في داهية!”** حطيت إيدي على خدي اللي سخن من القلم، وبصيت لأشرف جوزي.. كنت مستنياه يثور، مستنياه يضـ,ـربه، يعمل أي حاجة تغسل شرف مراته اللي اتضـ,ـربت قدامه. لكن أشرف بص في الأرض.. وبس.

في اللحظة دي، أنا مبعتش بس أشرف، أنا بعت البيت كله باللي فيه. ## بيت البطل.. ورجالة “أبويا” اللي بجد لميت هدومي في شنطة صغيرة، ونزلت وأنا دمي بيفور وكرامتي في الأرض. وصلت بيت أبويا “الحاج عبد الحميد” في منطقة الدرب الأحمر. أول ما أبويا شافني ودموعي على خدي، قلبه وجعه. قعدت وحكتله كل اللي حصل بالتفصيل، من أول خناقة السلايف لحد القلم اللي أخدته وجوزي باصص في الأرض.

أبويا كان بيسمع وهو بيضغط على سنانه وعروق إيده بارزة من الغضب. لكن اللي مكنتش عارفاة، إن عمي “سيد” (كبير العيلة وكلمته سيف) كان قاعد في الأوضة اللي جوا وسامع كل حرف وكل شهقة قهر طلعت مني. عمي سيد خرج من الأوضة وعينه حمرا من الغضب، مكلمنيش، مسك تليفونه وبدأ يكلم رجالة العيلة واحد ورا التاني وصوته بيهز الحيطان: * **”يا أبو فهد.. هات عيالك وتعال على بيت عبد الحميد حالاً!”**

* **”يا إبراهيم.. كلم خالك وكلم ولاد عمك وقولهم شرف العيلة بيتهان، دقيقة وتكونوا عندي!”** ## الطوفان القادم ساعة واحدة بس.. وكان بيت أبويا مليان على آخره. * **عمامي التلاتة** الكبار بجلابيبهم وهيبتهم. * **خالي “أبو بكر”** اللي كلمته مبتنزلش الأرض. * **أولاد عمامي وأولاد خالي**، شباب زي الورد، عيونهم كلها غضب وجايبين معاهم هيبتهم وس*لاحهم مستور في جيبهم. عمي سيد وقف وسط الصالة وبص لأبويا وقال بصوت جهوري هز البيت:

> **”بنتنا تضـ,ـرب قدام جوزها والندل يبص في الأرض؟ قسماً بالله ما هنسيب حقها، واللي مد إيده عليها هنقطعها له.. اجهزوا يا رجالة، إحنا رايحين نرجع هيبة بنتنا وندوس على اللي داس على كرامتنا!”** الكل وقف في نفس واحد، والشرار بيطلع من عيونهم، والرجالة نازلين على السلم وصوت خطواتهم بتهز الشارع كله، ورايحين على بيت عيلة جوزي.. ## زلزال في الحتة.. زفة رجالة الدرب الأحمر الشارع في الدرب الأحمر اتقلب في دقايق. صوت جزم الرجالة وهي نازلة على السلم كان عامل زي دقات طبول الحرب. الناس في المحلات والقهوة وقفوا على رجل واحدة لما شافوا المنظر.

* **الحاج عبد الحميد** ماشي في الوش، وعيونه فيها نظرة مـ,ـوت مبيفهمهاش غير اللي يعرفه كويس. * **عمي سيد** على يمينه، ماسك عصايته الأبنوس اللي بتترج مع كل خطوة من كتر الغضب. * **ورانا طابور من شباب العيلة**.. أولاد عمامي وخالي، عيونهم بتلف يمين وشمال زي الصقور، وكل واحد فيهم جواه نار قايدة عايزة تاكل الأخضر واليابس. المسافة بين بيت أبويا وبيت حمايا مكنتش بعيدة، لكنها كانت أطول مسافة عدت في حياتي وأنا قاعدة مستنية في شقة أبويا، قلبي بيدق بعنف، مش خوف من اللي هيحصل، لكن هيبة من رجالة دمي اللي ميرضوش يناموا وضهرهم مكسور.

أول ما الموكب وصل أول شارع بيت جوزي، الحركة وقفت تماماً. أصحاب المحلات قفلوا أبوابهم نص قفلة، والستات طلعت في البلكونات يتفرجوا. الهيبة كانت تسبق الخطاوي، والكل فهم إن “سماح” وراها رجالة بيوزنوا بلد بلاد. ## هدم الحصون.. وبداية الطوفان وقف عمي سيد تحت البيت، وبصوت هز جدران العمارة والبيوت المجاورة، صرخ بأعلى حسه: > **”يااااا أشرف.. انزل يا أشرف إنت وأخوك السبع اللي شاطر على الحريم! انزلوا لرجالة الدرب الأحمر لو ليكم عين تبصوا في عيون الرجالة!”**

> الصوت سمع للشارع اللي وراهم. في ثواني، الشباب بتوعنا انتشروا وقفلوا مدخل البيت والشارع من الناحيتين، محدش يدخل ومحدش يخرج غير بأمر كبير العيلة. الباب بتاع العمارة اتفتح ببطء، وخرج منه “أشرف” جوزي، وشه كان أصفر زي الليمونة، وخطواته مرعوبة ومرتبكة. وراه على طول ظهر “محمود” سلفي، بس المرة دي مكنش السبع اللي فرد عضلاته عليا؛ كان باصص للأرض وعيونه بتلف في وجوه الطوفان اللي واقف قدامه، وجسمه بيترعش وضوء الشمس كاشف خيبته. حتى حماتي وأخت جوزي “ولاء” كانوا واقفين ورا شيش البلكونة، ميتين من الرعب وصوتهم ملوش أثر.

أول ما أشرف قرب، أبويا خطى خطوة واحدة لقدام، وبصوت هادي بس مليان قهر وقوة: * “بنت عبد الحميد تضـ,ـرب في بيتك يا أشرف؟” * “بنت عبد الحميد اللي دخلت بيتك بكرامتها، تتهان وتطرد وتاخد بالقلم على وشها وإنت واقف تتفرج وتبص في الأرض؟” أشرف بلع ريقه وحاول يتكلم وصوته طالع مهزوز: * “يا عمي.. الموضوع سوء تفاهم.. والبيت كان مقلوب وضغط الأعصاب..” **”إخرس!”**.. صرخة عمي سيد قطعت كلامه ونزلت عليه زي الصاعقة. عمي رفع عصايته وشاور بيها في وش محمود سلفي:

> **”إنت بقى محمود؟ السبع اللي حالف بالطلاق على حريم الناس؟ اللي مد إيده على بنت أصول وجوزها واقف زي الحرمة يتفرج؟”** > ## القصاص.. وعلقة في عز الضهر محمود حاول يظهر متماسك، وبص لعمي وقال بنبرة مهزوزة بس فيها عوجان بق: * “يا حاج سيد.. البنت غلطت فيا وفي أخويا.. وقالت كلام ميرضيش ربنا..” قبل ما يكمل كلمته، كان ابن عمي الكبير “فهد” خطى خطوتين زي البرق، وبأقصى ما عنده من قوة، نزل بقلم على وش محمود رن صوته في الشارع كله! القلم كان قوي لدرجة إن محمود لف حوالين نفسه ووقع على ركبه في الأرض.

أشرف اتخض وحاول يتدخل: “يا جماعة عيب كدة إحنا في الشارع ومينفعش..” هنا بقية شباب العيلة اتقدموا خطوة، وبحركة واحدة حاصروهم. عمامي التلاتة وقفوا حيطة سد. أبويا بص لمحمود وهو على الأرض وقال بنبرة تقطر قسوة: > **”الضـ,ـربة دي عشان تعرف إن الإيد اللي تتمد على بنات الأصول بتتقطع من لغاليغها! وإنت يا أشرف.. ورقتك هتوصلك.. بنتنا ملهاش قعاد مع ناس متعرفش يعني إيه شرف الحرمة!”** >

محمود قام من الأرض وهو ماسك وشه، وعيونه مليانة غل وذل في نفس الوقت، بص لرجالة عيلته اللي بدأوا يتجمعوا من بعيد بس محدش فيهم قدر يخطى خطوة واحدة لقدام هيبة رجالة الدرب الأحمر وس-لاحهم المستور اللي واضح في جوبهم. ## الشروط الصعبة.. وحبس الأنفاس عمي سيد وقف في نص الشارع، وبص للكل وقال بصوت جهوري مسمع للكل: * **أولاً:** محمود ده مش هيقعد في البيت ده دقيقة واحدة طول ما بنتنا على ذمة أخوه.. لو حبت ترجع في يوم من الأيام.

* **ثانياً:** حق القلم اللي اضـ,ـرب لبنتنا هيترد مضاغف، ومحمود هيجي لحد بيت عبد الحميد ويبوس راس بنتنا ورجليها قدام عيلتها وعيلته كلها! * **ثالثاً:** القايمة والدهب وحقوق سماح كلها تتكتب من جديد بضمانات تكسر الضهر، عشان اللي يفكر يرمي يمين طلاق تاني يعرف إن رقبته هتبقى تحت الجزمة! أشرف كان واقف هيمـ,ـوت من الكسرة، باصص لأخوه اللي متبهدل على الأرض وباصص للشارع كله اللي بيتفرج على خيبتهم الثقيلة. في اللحظة دي، خرج عم حمايا “الحاج توفيق” راجل كبير في السن وليه هيبة برضه، وجري على أبويا وعمي سيد وهو بينهج:

* “يا حاج عبد الحميد.. صلوا على النبي.. مينفعش كدة في وسط الشارع.. إحنا نسايب ولحم ودم.. اطلعوا فوق والرجالة تتدخل ونحل الود بالود!” عمي سيد بص له بعيون حامية وقاله: > **”الود اندفـ,ـن يوم ما بنتنا اتضـ,ـربت قدام جوزها يا حاج توفيق! إحنا مبناكلش حق حد، بس حقنا بناخده تالت ومتلت ومن عين التخين.. إحنا طالعين فوق، بس الكلام مش هيبقى ودي.. الكلام هيبقى سيف على رقابكم!”**

الكل بدأ يتحرك ويطلع السلم ورا الحاج توفيق، والرجالة طالعين ورا بعض زي الإعصار، وأنفاس الكل محبوسة.. يا ترى إيه اللي هيحصل جوة الشقة المقفولة؟ وهل أشرف ومحمود هيقبلوا بالشروط دي ولا النفوس هتشعلل أكتر والدم هيسيل؟ ## قعدة كسر العضم.. والمستخبي يظهر الباب اتفتح، ودخلت رجالة الدرب الأحمر الشقة زي الطوفان اللي مبيقفش. الصالة الواسعة اللي كانت من ساعات شاهدة على ذلي وقهرتي، اتملت في ثواني بهيبة عمامي وخالي وشباب العيلة.

أول ما دخلنا، كانت حماتي وأخت جوزي “ولاء” قاعدين في كورنر في الصالة، وشوشهم خاطفة اللون، وأول ما شافوا عمي سيد داخل وشرار عينيه سابق خطاويه، ولاء استخبت ورا ظهر أمها وهي بتترعش. عمي سيد مقعدش على الكنبة، فضّل واقف في نص الصالة، ساند بإيديه الاتنين على عصايته الأبنوس، وبص للحاج توفيق (عم حمايا) وقال بنبرة حادة تخترق الحيطة: > **”إحنا مش جايين نشرب شاي يا حاج توفيق، ولا جايين نعاتب عتاب أحبة.. إحنا جايين نحدد مقام بنتنا اللي اتهان في البيت ده، ونعرف مين الراجل ومين اللي لابس توب راجل بالكدب!”**

> أشرف جوزي دخل ووقف جنب الحيطة، عينه في الأرض مش قادر يرفعها في عين أبويا. أما محمود سلفي، فكان واقف ورا عمه توفيق، حاطط إيده على خده اللي علم عليه قلم “فهد” ابن عمي، وعيونه مليانة غل وكسرة في نفس الوقت. الحاج توفيق اتنهد وقال وهو بيحاول يهدي اللعب: * “يا حاج عبد الحميد، حصل خير والشيطان شاطر، والستات هما أساس الحـ,ـريقة من الأول.. نجلاء هي اللي بدأت وضـ,ـربت الحما والأخت، ومحمود أخويا عميت عينه لما شاف أمه بتنضـ,ـرب.”

هنا أبويا “الحاج عبد الحميد” خبط بإيده على الترابيزة خبطة هزت الكوبايات اللي عليها، وزعق بصوت جهوري: * **”ومال سمااااح؟!!”** * “بنت عبد الحميد مالها ومال خناقة السلايف؟ تحلف عليها بالطلاق ليه؟ وتطردها من بيتها في نص الليل بصفتك إيه؟ والأهم من ده كله.. تمد إيدك عليها وتضـ,ـربها بالقلم وبأمارة إيه يا محمود؟!” ## المواجهة الشرسة.. وانكشاف المستور محمود حاول ينطق ويتشطر، وبص لأبويا وقاله: * “بنتك لسانها طول عليا وقالتلي إنت اتجننت، ومبقتش عاملة حساب لكبير ولا صغير في البيت!”

ابن عمي “فهد” خطى خطوة لقدام وعروق رقبته ناطقة، ولولا إن عمي سيد رفع إيده ووقفه، كان فهد أكل محمود بسنانه. عمي سيد بص لمحمود باحتقار شديد وقال: > **”البنت مكدبتش.. إنت فعلاً اتجننت لما تدخلت في اللي مالكش فيه وتحلف بالطلاق على حريم مش حريمك.. لكن العيب مش عليك يا محمود، العيب على اللي واقف زي لوح التلج، مراته بتتضـ,ـرب قدام عينيه ومحركش شعره!”** > عمي سيد لف وشه وبص لأشرف جوزي، والنظرة دي كانت كفيلة تدفـ,ـنه مكانه. قاله:

* “إنت يا أشرف.. قسماً بالله لو كنت خدت لمراتك حقها في وقتها، ووقفت في وش أخوك وقلتله مراتي خط أحمر، كنا جينا النهاردة قعدنا في بيتك وضهرنا بيك مسنود، وكنا عذرناك.. إنما إنت طلعت…” أشرف قاطعه بدموع محبوسة وصوت مخنوق من الكسرة: * “يا عمي سيد.. ده أخويا الكبير.. ومقام أبويا الله يرحمه.. مكنتش أقدر أمد إيدي عليه عشان خاطر أمي اللي كانت هتمـ,ـوت من الصدمة!” أبويا رد عليه بقسوة وجفاء:

> **”اللي ميرضاش يمد إيده على أخوه عشان أمه، ميرضاش برضه إن أخوه يمد إيده على مراته ويكسر كرامتها قدام أمه! الرجولة مش مجرد كلمة في البطاقة يا أشرف.. الرجولة مواقف، وإنت في أول موقف بعت بنتنا في سوق الرخص!”** >

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى