
علي نظر لسارة برغبة مشتعلة في الانتقام ولكن أيديه كانت مكتوفة بالكامل، وقال بنبرة مكسورة ومحملة بالغل: «بكرة الظهر هيكون باقي المبلغ عندك يا سارة.. بس صدقيني، اللعبة دي مش هتعدي بالساهل، ولسه الحساب بيننا طويييل!» سارة ابتسمت ببرود وردت عليه وهي تغلق الباب في وجهه: «أنا مستنية يا علي.. وبكرة الظهر الفاصل بيننا!»
مرّت ساعات الليل على سارة بطيئة وثقيلة، لكنها كانت محصّنة بشرارة قوة جديدة لم تعهدها في نفسها من قبل. فتحت درج مكتبها، وضعت الـ 60 ألف جنيه داخل المظروف، وأغلقت الدرج بالمفتاح. كانت تعلم أن نبرة التهديد الصريحة التي أطلقها “علي” قبل أن يغلق الباب لم تكن مجرد نوبة غضب عابرة؛ فعلي رجل يعتدّ بنفسه وبسطوته في العائلة، ورؤيته لزوجة أخيه وهي تكسر كبرياءه وتجبره على الاستسلام أمام والدته كانت بمثابة صفعة لن يبتلعها بلمحة عين.
أشرقت شمس اليوم التالي، والهدوء يلف العمارة كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. كانت المهلة تنتهي في تمام الساعة الثانية ظهراً. سارة أعدت كوباً من الشاي وجلست في الصالة، وضعت هاتفها أمامها على الطاولة، تراقب العقارب وهي تزحف ببطء شديد نحو موعد الحسم. عند الساعة الواحدة والنصف، رنّ هاتف سارة. لم يكن علي ولا فتحية، بل كان رقم أخوها أحمد. ردت سارة بسرعة: «ألو.. إيه يا أحمد؟» جاء صوت أحمد مشدوداً ومكتوماً وهو يتحدث من مكان عام:
«سارة.. اسمعيني كويس وركزي معايا. أنا واقف دلوقتي قريب من ورشة المقاولات بتاعة علي.. علي مش نيتو صافية يا سارة، أنا شفته من نص ساعة واقف مع واحد من المحاميين الشمال بتوع المنطقة، وسمعته بيتكلم بحدة وبيقوله “أنا عايز أعمل لها قضية بلاغ كاذب أو محضر عدم تعرض وألبسها مصيبة تخليها تجري ورا نفسها وتنسى باقي الفلوس”.. علي مش ناوي يديكي الـ 40 ألف الباقيين، علي ناوي يقلب الطاولة عليكي بقضية كيروزين تشتت انتباه حسين وتخليكي إنتي اللي في موقف المدافع!»
سارة انقبض قلبها لحظة، لكن عقلها اشتغل بسرعة الصاروخ. طمع علي وجشعه عاد ليقوداه إلى هاوية أعمق. وقفت في نص الصالة وقالت لأخيها بثبات: «هو فاكر إن اللعب بالطرق دي هيخوفني؟ أحمد.. أوعى تخليه يحس إنك مراقبه. خليك مكانك وتابع خطواته، وأنا هعرف أرد عليه بالضـ,ـربة القاضية اللي مش هيقوم منها خالص.» قفلت سارة المكالمة، وقبل أن تأخذ أنفاسها، سمعت جرس الباب يرن بصوت متصل ومفزع! مشيت سارة بخطوات هادئة نحو الباب، فتحت العين السحرية، لتجد حماتها تقف وعلى وجهها علامات الهلع والإرهاق الشديد، وبجوارها فتحية التي كانت ترتدي عباءتها وتبكي بحرقة صامتة.
فتحت سارة الباب، ودخلت الحموات فوراً وهي تسند نفسها على الجدار، وقالت بصوت متهدج: «سارة.. الحقيني يا ابني! علي اتجنن يا سارة! علي راح البنك يسحب باقي الفلوس من حساب كان عامله للورشة، أصحاب الورشة عرفوا وشكوا فيه ووقفوا الحساب، ودلوقتي محبوس في الورشة ومسكوا في خناقه وتهديدات بالمحاضر! علي هيضيع يا سارة، وفتحية جاية تستنجد بيكي ونترجاكي تصبري علينا كام يوم لحد ما نفك الحجز ده!»
سارة بصت لفتحية بنظرة ثاقبة، شافت في عينيها الخوف والارتباك.. فتحية كانت بتتجنب القبول بعينيها، وده خلّى سارة تشك في القصة كلها فوراً. هل دي مسرحية جديدة اتعملت عشان يهربوا من دفع الـ 40 ألف المتبقية ويكسبوا وقت؟ ولا دي خطة علي عشان يتملص من المهلة؟ قربت سارة من فتحية وقالت لها ببرود يرعب: «الورشة اتقفلت عليه؟ والبنك جمد حسابه؟ سبحان الله.. ده على أساس إن علي كان معاه حساب في البنك أصلاً من غير ما حسين يضمنه؟ ولا دي التمثيلية الجديدة اللي ألفتيها إنتي وهو الصبح عشان تضحكوا على حماتي للمرة الألف
فتحية صرخت بدموع كاذبة: «والله العظيم ما بنكذب يا سارة! علي بجد ومحقوق في الورشة وممكن الشرطة تجيلوا في أي لحظة! أبوس إيديكي بلاش تبعتي حاجة لحسين دلوقتي، لو حسين عرف باللي بيحصل في الورشة وبباقي الفلوس، هيرفع إيده خالص وعلي يتسجن رسمي!» هنا سارة أدركت الخيط الحقيقي للمؤامرة. علي ومحاميه كانوا بيحاولوا يكسبوا وقت عشان يلفقوا محضر لسارة أو يضغطوا على الحماة عشان هي اللي تدفع الـ 40 ألف من ذهبها أو مدخراتها الخاصة ويفلت علي بجلده!
سارة التفتت لحماتها وقالت لها بحسم: «يا ماما.. ابنك مش محبوس في الورشة، ولا حسابه اتجمد.. ابنك واقف من ساعة مع محامي تحت العمارة اللي فيها مكتب المقاولات وبيحاول يلفق لي قضية عشان يأكل عليا باقي حقي وما يدفعش الـ 40 ألف!» الحماة صدمت وشهقت: «إيه؟ يلفق لك قضية؟ إنتي بتقولي إيه يا سارة؟» سارة سحبت هاتفها وفعلت مكالمة فيديو مع أخوها أحمد فوراً. فتحت المايك والسماعة الخارجية وقالت: «أحمد.. ورّي ماما علي واقف فين دلوقتي ومع مين.»
أحمد وجه كاميرا الموبايل بوضوح نحو الشارع: ظهر علي وهو يقف بكامل حريته على مقهى مجاور لمكتب محامين، يمسك بملف أوراق ويضحك مع رجل يحمل حقيبة جلدية، لا وجود لأي ورشة، ولا وجود لأي حجز أو شركاء غاضبين! سقطت الصحيفة الكاذبة الأخيرة من إيد فتحية. الحماة نظرت للشاشة، ثم التفتت لفتحية ورفعت إيدها وضـ,ـربتها كف على وجهها بقوة هزت الصالة! صرخت الحماة في فتحية بصوت زلزل الشقة: «يا حية! يا عقربة! جاية تضحكي عليا وتخليني أجري ورا مرّت ابني وأترجاها وأنا ركبي بتخبط في بعضها من الخوف على ابنك النصاب؟ بتعملوا عليا فيلم تاني بعد ما كشفتكم؟»
فتحية حطت إيدها على خدها وهي بتبكي برعب حقيقي المرة دي، ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة. سارة وقفت في منتصف الصالة، بكل ثبات وكبرياء، وسحبت هاتفها الثاني الخاص بالعمل، وقالت بلهجة قاطعة لا تحتمل أي نقاش: «المهلة انتهت يا فتحية.. وإنتي وعلي اخترتم تلعبوا للمرة الأخيرة.» ضغطت سارة على زر الاتصال بالرقم المباشر لزوجها **حسين**.. وضعته على المكالمة الجماعية (Speaker) ورفعت الهاتف في الهواء.. صوت رنين الهاتف كان يرن في الصالة كالإنذار الأخير، والحماة تبكي بحسرة، وفتحية ترتجف كأنها تنتظر الإعدام..
وفجأة.. فتح حسين المكالمة وجاء صوته المجهد من الغربة: «ألو.. سارة؟ خير يا حبيبتي، طمنيني.. وصلتي للمستشفى وعلي عمل العملية ولا إيه الأخبار؟» سارة أخذت نفساً عميقاً، وبصت لفتحية وللحماة، وقالت بنبرة صلبة كالحديد: «لا يا حسين.. علي ما عملش عملية.. اسمعني كويس يا حسين في اللي هقولهولك حالا… سادت حالة من الذهول والعمق في الصالة، وانقطعت أنفاس فتحية تماماً وهي شايفه الموبايل محطوط على السبيكر وصوت حسين يرن في المكان.
حسين استغرب النبرة القاسية والغريبة في صوت سارة، وسكت لحظة وقال بقلة صبر وقلق: «يعني إيه ما عملش العملية يا سارة؟ إنتي فين دلوقتي؟ وعلي جراله حاجة؟ ماتقولي في إيه خضتيني!» سارة بصت لفتحية بجمود، وقالت بصوت واضح وثابت: «علي بخير ووسط ناسه يا حسين.. علي لا عنده زرع كلى، ولا بيمـ,ـوت في المستشفى، ولا انمنع عنه الزيارة.. علي مراته خططت واستغلت خوفك وطيبتك وغربتك، وعملت القصة دي كلها عشان تاخد الـ 100 ألف جنيه بتوع الجمعية والشقا اللي أنا اتغربت واستنيته سنين عشان أوضب بيه بيتي.. تسدد بيه ديون وشيكات علي في تجارتهم المخسورة!»
سكت حسين على الناحية التانية.. سكون مرعب، كأن الخط اتصلد أو الموبايل وقع من إيده. ثواني مرت كأنها سنين، وبعدها خرج صوته وهو بيرتعش من الذهول والتكذيب: «سارة.. إنتي بتقولي إيه؟ إنتي أكيـد فاهمة غلط.. فتحية هي اللي اتصلت عليا ودموعها مغرقة الدنيا وتستنجد بيا، وعلي أخيـا!» هنا قربت حماته من الموبايل وهي بتبكي بحرقة وصوتها مكسور بالعار، وصرخت في السماعة:
«مرتك مابتكذبش يا حسين! مرتك بتقول الحق يا ابني.. أنا أمك وواقفة أهو شايفاه بعيني وبسمع الخـ,ـيانة بأذني.. أخوك ومراته ضحكوا عليك وعلى مرتك، واستغلوا مرض علي الوهمي عشان يسـ,ـرقوا فلوسكم ومجهودكم.. أخوك بعتك وباع شقاك عشان يغطي على خايبته وخيبته!» الكلمات نزلت على حسين في الغربة زي الصاعقة.. صدمة أخوه اللي كان مستعد يضحي بعرقه ودمه عشان ينقذه، تطلع مجرد لعبة وسـ,ـرقة جهاراً نهاراً! سمعوا صوت حسين عبر الهاتف وهو بيلهث بتعب شديد، وصوته بيتحول من الذهول لبركان من الغضب مكتوم:
«أمي؟ إنتي بتتكلمي جد؟ علي.. علي عمل فيا أنا كده؟» سارة ما سابتش فرصة للتحوير، فتحت الموبايل الثاني وتبعتت له فوراً على الواتساب التسجيلات الصوتية لفتحية وهي بتبتزها، والفيديو اللي سجلته لعلي وهو قاعد في مكتب المقاولات بيضحك وبيمضي عقود بصحته الكاملة. حسين فتح الفيديوهات في ساعتها، وسمعوا صوته عبر المكالمة الجماعية وهو بيشوف الفيديو والتسجيلات.. سمعوا صوت تكسير حاجة جنبه في الغربة، وزئير غضب طالع من أعماق قلبه: «يا واطيين! بقى أنا بفني عمري وصحتي في الغربة بعيد عن بيتي وأهلي، وبحرم نفسي من اللقمة عشان أساعدكم.. تقوموا تدعوا عليا بالمرض والمـ,ـوت وتسـ,ـرقوا تعب مراتي وعرقها
فتحية انقضت على الموبايل وهي بتبكي بانهيار هيستيري وبتصرخ: «والله يا حسين ما كان قصدي! علي كان هيتسجن والشيكات كانت هتخرب بيتنا! أنا أسفة يا حسين أبوس إيدك ما تخربش بيتي!» حسين صرخ فيها بنبرة ترعب: «اقفلي بقك يا حية! حسـابك معايا حساب تاني خالص.. فين باقي الفلوس؟ فين الـ 100 ألف جنيه بتوع سارة؟» سارة اتكلمت بصرامة: «رجّعوا 60 ألف يا حسين، والـ 40 ألف الباقيين علي واقف دلوقتي مع محامي تحت عمارة شغاله بيحاول يلفق لي محضر ويماطل عشان ما يدفعهمش!»
حسين قال بصوت حازم قاطع زي السيف: «اسمعيني يا سارة.. حقي وحقك مش هيضيع منه مليم واحد.. قفلي المكالمة دي دلوقتي، وأنا هعرف إزاي أخلي علي يرجع الـ 40 ألف جنيه كاش قبل ما الشمس تغرب النهاردة!» قفل حسين المكالمة في وشهم.. الصالة رجعت لسكونها الخانق. فتحية قعدت على الأرض بتبكي وتدش على وشها، والحماة بتبص لها بقرف واشمئزاز ورفضت حتى تلمسها أو تطيب خاطرك. سارة شالت تلفوناتها ببرود، وقالت بحسم:
«أنا عملت اللي عليا وقدمت الدليل لحسين ولحماتي.. قدامك لساعة المظروف يكتمل بـ 40 ألف جنيه، أو الباقي حسين هيتيرتصرف فيه بطريقته.» مشيت سارة وطلعت شقتها، وسابت فتحية والحماة في معمعة الغضب. بعد أقل من ساعة واحدة.. سمعت سارة صريخ وزعيق جاي من الشارع تحت العمارة! طلعت سارة البلكونة وبصت، لقت مفاجأة ما كانتش تتوقعها بسرعة دي:




