
«علي استغل اسم حسين يا أم علي، ومضى على إقرارات وقروض بـ 300 ألف جنيه باسم أخوه المغترب عشان يغطي ديونه ونشاطه الفاشل.. وكان ناوي يسيب حسين يرجع مصر يتسحب من المطار على السجن، وهو قاعد يلعب ويبتز مراته ويمثّل المرض والعمليات!» الصدمة كانت صاعقة للجميع في القاعة.. فتحية بدأت تبكي وتصرخ: «أنا ماليش دعوة! والله ما كنت أعرف بموضوع القروض والتزوير ده! هو اللي كان بيعمل كل حاجة من ورايا وعايز يورطنا كلنا!»
علي التفت لمراته بصدمة وغضب وصرخ فيها: «انتي يا واطية اللي بتقولي ماليش دعوة؟ مش إنتي اللي كنتي بتزنّي عليا عشان أجيب فلوس بأي طريقة عشان التفاخر والديكورات؟ مش إنتي اللي فكرتي في ملعوب زرع الكلى عشان تاخدي فلوس سارة لما سمعتيها عند أمي؟ جاي تبيعين بلمحة عين؟» وبدأ الشجار ينفجر بين علي وفتحية بأبشع الصور.. كشفوا بعضهم بعضاً، وكل واحد فيهم رمى الغسيل القذر على التاني قدام كبار العيلة وحماتهم وحسين، ليظهر حجم الخزي والدناءة التي وصلت إليها علاقتهما.
حسين وقف من مكانه بكل كبرياء وقوة، ورفع إيده ليوقف المهزلة دي.. وقال بصوت قاطع هز أركان البيت: «اسكتوا كلكم! كفاية نفاق وقرف لحد كده! أنا ما جيتش من السفر عشان أسمع ردحكم وفرجكم على الناس.. أنا جيت عشان آخد قراري النهائي اللي مش هيرجع فيه مخلوق!» التفت حسين لأخوه علي، والتفت لسارة، وبص لأمه المكسورة، وقال بصوت حازم لا يحتمل التراجع:
«قدامك خيارين يا علي، ومفيش خيار تالت.. الخيار الأول: إنك بكرة الصبح بدري تنزل معايا للشهر العقاري وللمحامي، وتكتب لي تنازل رسمي عن نصيبك الكامل في شقة العمارة دي وفي الورشة والبيت، لتغطية القروض اللي زوّرتها باسمي وسداد الديون دي فوراً.. وتطلق الحية اللي جنبك دي اللي خربت بيتك وبيتي وكانت السبب في الفتنة والسـ,ـرقة!» ثم صمت حسين لحظة، وشعّت من عينيه قوة وصرامة مرعبة، وأضاف: «أما الخيار الثاني يا علي.. فتحية هتروح بيتها مطرودة النهاردة، وإنت أوراقك بالتزوير والقروض والنصب المحضرة كاملة هتوصل النيابة العامة بكرة الساعة 9 الصبح، وساعتها هتتحبس بالتزوير والنصب، وأنا اللي هرفع عليك القضية بإيدي!»
ساد الذهول والصمت القـ,ـاتل في الصالة بعد كلام حسين الحاسم والمدوي.. فتحية بصت لعلي برعب وهي مستنية كلمته، وعلي واقف مذهول ومكتوف اليدين بين خسارة شقته وحياته وزوجته، أو الدخول للسجن بفضيلة التزوير والنصب على أخوه! في هذه اللحظة الخاطفة، رفع علي رأسه، ونظر إلى حسين، ثم نظر إلى سارة بقلة حيلة ونظرة انكسار لم يُرَ مثلها من قبل، وأخذ يناضل ليلتقط أنفاسه قبل أن ينطق بالقرار الذي سيحدد مصير العائلة إلى الأبد…
وقف علي في منتصف الصالة كأنه شجرة جافة عصف بها إعصار شديد، التفت يميناً ويساراً فلم يجد وجهاً واحداً ينظر إليه بعين الرحمة أو الشفقة. كبار العيلة يجلسون بوجوه جهمة كأنهم قضاة ينتظرون النطق بالحكم، وأمه تبكي في صمت وتداري وجهها بوشاحها خجلاً من خزي ولدها، وزوجته فتحية تراجعت إلى الوراء خطوات، تحاول أن تنفض عن نفسها غبار الخدعة وتبحث عن مخرج نجاة فردي ولو كان على حساب كرامة زوجها.
بلع علي ريقه بمرارة، وشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه. كان يظن أن استغلال طيبة أخيه المغترب حسين وسذاجة سارة سيكون مجرد جولة سريعة يحقق منها مكاسب مالية وسداداً لديونه، ولم يدُر بخلده لحظة واحدة أن كشف اللعبة سيجرّه إلى هذه الزاوية الضيقة التي يخيّر فيها بين حريته وبين كل ما يملك. تنفّس علي بصعوبة، وصوته خرج متهدجاً كأنه يخرج من بين أنياب مـ,ـوت محقق:
أنا موافق يا حسين.. موافق على كل اللي تقوله.. اكتب التنازل اللي إنت عايزه، ونازل معاك بكرة الشهر العقاري أتنازل لك عن نصيبي في الشقة والورشة عشان تسدد القروض والمصايب دي وتفك اسمك من البنوك.. بس أرجوك بلاش النيابة، بلاش حبس وفضايح أكتر من كده أمام الناس والعيلة.» ساد الصمت القـ,ـاتل جدران البيت، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت شهقات فتحية العالية التي أدركت في هذه اللحظة أن كل ما حلمت به وقـ,ـاتلت من أجله بالنصب والكذب قد انهار في لحظة واحدة.
لكن حسين لم يتراجع، بل التفت إلى علي بنبرة قاطعة كالصلب، وقال: «والشرط التاني يا علي؟ الشرط التاني مش هتنازل عنه ولا هسمح بوجود الحية دي في وسطنا دقيقة واحدة كمان.. دي مش ست تصون بيتك ولا حمت كرامتك، دي كانت أول واحدة شجعتك على التزوير وجرّتك لطريق الحرام والدعاء بالمرض عليا وعليك، وكانت أول واحدة تتخلى عنك وتسيبك تشيل الشيلة لوحدك قدام الناس لما الحقيقة انكشفت.»
علي نظر إلى فتحية بنظرة مليئة بالغل والندم، تذكر في تلك اللحظة كيف وقفت فتحية في هذا المجلس تتبرأ منه وترمي عليه اللوم كله لتنقذ نفسها، وتذكر كيف خططت هي لكل التفاصيل واستغلت طيبة زوجة أخيه سارة واسترجعت شريط الأحداث كله بعينين جديتين. أخذ علي نفساً عميقاً، وقسّت ملامحه، ثم وقف أمام فتحية مباشرة وقال بصوت حاد هزّ أركان الشقة: «إنتي طالق يا فتحية.. طالق بالثلاثة.. ويا ريتني ما عرفتك ولا دخلتك بيتي ولا سمعت كلامك وشيطانك اللي خرب بيتي ودمر علاقتي بأخويا وأمي!»
شهقت فتحية وصرخت وهي تضع يديها على رأسها: «بتطلقني يا علي؟ بتبيعني عشان الفلوس والأرض؟» رد عليه الحاج توفيق بصوت جاد وحاسم: «اللي يبيع أهله ويستغل مرض وهمي وينصب على الناس ما يبكيش على بيت اتهد يا فتحية.. اتفضلي شيلي حاجتك وخدي شنطتك واخرجي من العمارة دي فوراً، ومالكيش مكان تاني بين عيلة حسين ولا في العمارة دي خالص.» خرجت فتحية وهي تجر أذيال الخيبة والعار، تلاحقها نظرات الازدراء من كل من في الشارع، بينما أغلقت حماتها الباب خلفها كأنها تطرد شؤماً طال أمره داخل البيت.
في صباح اليوم التالي، توجه حسين وأخوه علي إلى الشهر العقاري بصحبة الحاج توفيق والمحامي، وقام علي بالتوقيع على كافة التنازلات القانونية والمستندات التي تحمي حسين وتبرئ ذمته تماماً من كافة القروض والتزوير الذي حدث باسمه. تم نقل ملكية الشقة والورشة لحسين ليكون له الحق الكامل في بيعها أو استغلالها لسداد ديون البنك وتصفية المستحقات المالية بالكامل، ليعود حق حسين وثمرته وتعب سنوات غربته مجدداً تحت مظلة الأمان الحقيقي
بعد انتهاء الإجراءات الرسمية، عاد حسين وسارة إلى شقتهما.. قفل حسين باب الشقة، ونظر إلى سارة بنظرة مليئة بالفخر والاعتنان والتقدير العميق. جلس على الكنبة وسحب نفساً طويلاً كأنه يتنفس الحرية لأول مرة منذ أشهر، ثم أخرج من جيبه مظروف الجمعية الكامل المكون من الـ 100 ألف جنيه وضعها بين يدي سارة بكل احترام. وقال حسين بنبرة دافئة وصادقة:
«اتفضلي يا سارة.. دي فلوسك، فلوس جمعيتك وحلمك وشقاكي اللي وقفتي تحميها بعقلك وشجاعتك.. إنتي مش بس حميتي فلوسك يا سارة، إنتي حميتي بيتي، وحميتيني أنا شخصياً من السجن والخراب وأنا بعيد في الغربة ومش حاسس باللي بيتدبر لي في الخفاء. لو واحدة غيرك كانت خافت أو اتكسفت أو سكتت عشان مجاملات العيلة، كنت أنا انخرب بيتي وضاع مستقبلي ولبست في قضايا ما أطلعش منها. ربنا يبارك لي فيكي وفي عقلك يا بنت الأصول.»
سارة ابتسمت بابتسامة نصر هادئة صافية، وأخذت المظروف ووضعته على الطاولة، وقالت بنبرة واثقة يملؤها الرضا: «أنا ما عملتش غير اللي يمليه عليا ضميري يا حسين.. البيت ده بيتنا، وحقك هو حقي، وأنا ما أقبلش إن شقاك وعرقك في الغربة يروح لنصابين أو يستغفلنا حد تحت مسمى القرابة أو العاطفة المزيفة. الفلوس بتروح وتيجي يا حسين، بس الكرامة والحق لو ضاعوا ما بيرجعوش.»
وبعد أيام قليلة، كانت شقة سارة تشهد حركة بركة ونشاطاً جديداً؛ حيث جاء العمال وأخو سارة (أحمد) وبدأت أعمال التوضيبات والديكورات في الشقة كما حلمت بها سارة دائماً، ولكن هذه المرة بقلب مطمئن، وفرحة حقيقية ليس فيها أي شائبة من الشك أو الخوف أو الغدر. أما علي، فقد تعلم درساً لن ينساه ما عاش؛ فقد خسارة زوجته، وخسر شقته وورشته، وأصبح يعمل كعامل بسيط ليرد ما تبقى من ديونه وتكاليف خطئه، وعاش بعار النصب والتزوير في أعين الجميع. وعلم أن الطمع وجرائم الخداع لا تجلب لصاحبها سوى الانهيار الشامل.




