
وقفت سارة في صالة شقتها التوضيبات الجديدة، تنظر إلى الطلاء الجديد والألوان التي اختارتها بذوقها، وقالت في سرها الحكمة التي خرجت بها من هذه التجربة القاسية: بعد انتهاء الإجراءات الرسمية، عاد حسين وسارة إلى شقتهما.. قفل حسين باب الشقة، ونظر إلى سارة بنظرة مليئة بالفخر والاعتنان والتقدير العميق. جلس على الكنبة وسحب نفساً طويلاً كأنه يتنفس الحرية لأول مرة منذ أشهر، ثم أخرج من جيبه مظروف الجمعية الكامل المكون من الـ 100 ألف جنيه وضعها بين يدي سارة بكل احترام.
وقال حسين بنبرة دافئة وصادقة: «اتفضلي يا سارة.. دي فلوسك، فلوس جمعيتك وحلمك وشقاكي اللي وقفتي تحميها بعقلك وشجاعتك.. إنتي مش بس حميتي فلوسك يا سارة، إنتي حميتي بيتي، وحميتيني أنا شخصياً من السجن والخراب وأنا بعيد في الغربة ومش حاسس باللي بيتدبر لي في الخفاء. لو واحدة غيرك كانت خافت أو اتكسفت أو سكتت عشان مجاملات العيلة، كنت أنا انخرب بيتي وضاع مستقبلي ولبست في قضايا ما أطلعش منها. ربنا يبارك لي فيكي وفي عقلك يا بنت الأصول.»
سارة ابتسمت بابتسامة نصر هادئة صافية، وأخذت المظروف ووضعته على الطاولة، وقالت بنبرة واثقة يملؤها الرضا: «أنا ما عملتش غير اللي يمليه عليا ضميري يا حسين.. البيت ده بيتنا، وحقك هو حقي، وأنا ما أقبلش إن شقاك وعرقك في الغربة يروح لنصابين أو يستغفلنا حد تحت مسمى القرابة أو العاطفة المزيفة. الفلوس بتروح وتيجي يا حسين، بس الكرامة والحق لو ضاعوا ما بيرجعوش.»
وبعد أيام قليلة، كانت شقة سارة تشهد حركة بركة ونشاطاً جديداً؛ حيث جاء العمال وأخو سارة (أحمد) وبدأت أعمال التوضيبات والديكورات في الشقة كما حلمت بها سارة دائماً، ولكن هذه المرة بقلب مطمئن، وفرحة حقيقية ليس فيها أي شائبة من الشك أو الخوف أو الغدر. أما علي، فقد تعلم درساً لن ينساه ما عاش؛ فقد خسارة زوجته، وخسر شقته وورشته، وأصبح يعمل كعامل بسيط ليرد ما تبقى من ديونه وتكاليف خطئه، وعاش بعار النصب والتزوير في أعين الجميع. وعلم أن الطمع وجرائم الخداع لا تجلب لصاحبها سوى الانهيار الشامل.
وقفت سارة في صالة شقتها التوضيبات الجديدة، تنظر إلى الطلاء الجديد والألوان التي اختارتها بذوقها، وقالت في سرها الحكمة التي خرجت بها من هذه التجربة القاسية: > **«إن الطيب ليس مغفلاً، وحسن الظن بالأقارب لا يعني إلغاء العقل أو إغلاق العينين عن الحقائق. العاطفة بلا حزم قد تهدم البيوت، والتسامح في الحقوق المالية تحت ستار “المجاملة العائلية” هو أول خطوات الخراب. الحقيقة قد تكون مؤلمة وتتطلب شجاعة ومواجهة حاسمة، ولكنها الوحيدة التي تحمي الشرف وتصون البيت وتبني الحياة على أساس متين لا تهزه أكاذيب الخائنين.»**




