
عربية علي كانت واقفة، وعلي نازل منها وشّه أصفر ومضروب، وجنبه راجلين كبار من كبارات العيلة والمنطقة حبايب حسين، وحسين كان مكلمهم من الغربة ومحملهم أمانة وشارح لهم المهزلة اللي حصلت! الكبار كانوا ماسكين علي من إيده وبيهينوه في نص الشارع، وأحدهم صرخ في وشه بصوت سمع العمارة كلها: «بقى بتسـ,ـرق أخوك المغترب وبتبتز مراته بمرض وهمي يا خسيس؟ الفلوس ترجع حالا يا علي وإلا العيلة كلها هتبرى منك ومش هتدخل العمارة دي تاني!»
علي كان واقف مكسور الخاطر، عينيه في الأرض، وهيبته قدام أهل المنطقة والعيلة اتدمرت تماماً في لحظات. مسك تليفونه بقلة حيلة وهو بيرتعش، وطلب حد يسلفه باقي المبلغ عشان ينقذ ما يمكن إنقاذه من شرفه المتبقي. وبالفعل، خلال نص ساعة، طلع أحد كبار العيلة ومعاه علي والحماة، وراحم خبطوا على باب سارة.. فتحت سارة الباب، وقف كبير العيلة وقال بنبرة احترام وترضية: «حقك علينا يا سارة يا بنتي.. حسين كلمنا وشرح لنا المهزلة، وما يرضيناش الشقا ده يضيع.. اتفضلي، دول الـ 40 ألف جنيه الباقيين كاش، كملوا الـ 100 ألف بتوعك كاملين غير مفقوص منها مليم.»
مسكت سارة الفلوس وعدتهم بثبات، وقالت: «كتر خيركم يا حاج.. أنا ما أخدتش غير حقي وحق جوزي.» علي كان واقف وراهم، مش قادر يرفع عينيه في عين سارة.. ولا حتى قادر ينطق بكلمة واحدة، خسارته بقت مضاعفة: الفلوس اتدفعت، وسـ,ـرقتهم اتكشفت، وهيبته قدام العيلة والشارع راحت في الوبا. دخلت سارة شقتها وقفت الفلوس في الخزنة.. تنفست الصعداء وهي حاسة إنها استردت حقها وكبرياءها بحكمة وشجاعة.. لكن.. وفي وسط الفرحة بالنصر، رن تليفون سارة المرة دي.. وكان المتصل **حسين** تاني.
ردت سارة بابتسامة: «ألو يا حسين.. الفلوس وصلتني كاملة خلاص و…» قطعتها نبرة حسين المخنوقة بالدموع، وهو بيقولها كلام غير مجرى القصة تماماً: «سارة.. أنا قطعت حجزي وراجع مصر بكرة الصبح.. أنا مش هسيب العيلة دي ولا هسيب اللي حصل يمر بسهولة.. بس القصة ما انتهتش عند الفلوس يا سارة.. أنا اكتشفت حاجة ثانية وأكبر بكثير علي وفتحية كانوا مخبينها عننا كلنا!»
ساد الصمت التام في الأوضة، وسارة ماسكة التليفون وإيدها بتتجمّد بالتدريج. نبرة حسين ما كانتش مجرد غضب من نصباية الفلوس، دي كانت نبرة راجل مكسور ومصدوم صدمة العمر، صدمة صوتها أثقل وأعمق بكثير من سـ,ـرقة الـ 100 ألف جنيه. بلعت سارة ريقها بوعورة، وقالت بصوت خافت تحاول تلملم بيه شتات نفسها: «حسين؟ إيه اللي اكتشفته؟ حسين، اتكلم.. في إيه ثاني غير موضوع الجمعية والشيكات؟» تنهّد حسين تنهيدة حارّة عبر التليفون، سمعت فيها صوت شهقة مكتومة لراجل رافض يبكي، وقال بصوت حزين ومبحوح:
«لما عرفت بالحقيقة وكلمت الحاج توفيق من كبار المنطقة عشان يتدخل وياخد الفلوس من علي، الحاج توفيق ما سكتش.. الراجل انحرج من اللي سمعه وقال لي: “يا حسين يا ابني، أنا لازم أقولك على حاجة مسكوت عنها من زمان، كنت ساكت عشان ما أخرُبش البيت، بس طالما وصلت للنصب والادعاء بالمرض، يبقى لازم تتفتح الملفات كلها”.. اتاري علي مش بس كان غرقان في ديون المواشي والنصب يا سارة.. علي بياخد قروض واعتمد على اسمي وشغلي كضامن ليه من ورايا وبدون علمي من سنة كاملة!»
سارة شهقت وتحطت إيدها على بؤها: «قروض باسمك إنت؟ إزاي؟ إنت في الغربة بقالك سنتين ما نزلتش!» رد حسين بصوت مليان مرارة وتعب: «استغل أوراق الشركة القديمة اللي كنا فاتحينها مع بعض قبل ما أسافر، ومضى بتوقيعي وزوّر توكيلي القديم اللي كان معاه.. علي محملني قروض ووصلات أمانة للبنك ولأشخاص ببطاقتي واسمي أنا! والناس كانت بتسكت وبتستنى عشان عارفة إن حسين مغترب وبيبعت فلوس.. فتحية وعلي كانوا بياكلوا في لحمي وشقايا وبيرموني في الهاوية وأنا عرقان في الغربة وفاكر إنهم أهلي وسندي!»
سارة حسّت بالدم بيغلي في عروقها.. البشاعة وصلت لحد التزوير وخراب البيوت! علي مش بس طمع في الـ 100 ألف بتوع التوضيب، ده كان حاطط حسين في صدر المدفع، ولو البنوك أو أصحاب القروض تحركوا، كان حسين وهو راجع من السفر هيتمسك في المطار ويترمى في السجن فوراً بجريرة أخوه! سارة قالت بغضب وثبات: «حسين.. إنت صح. تنزل مصر فوراً.. تنزل وتواجه المهازل دي بنفسك وتغسل القرف ده كله قبل ما يلبسوك في مصيبة إنت مفيش ليك ذنب فيها!»
حسين قال بقلة حيلة ونبرة متقطعة: «طيارتي بكرة الصبح يا سارة.. أرجوكي ما تحكيش لحماتي ولا لأي حد كلمة عن موضوع القروض والتزوير لحد ما أوصل.. أمي كبرت وممكن يجرالها حاجة من الصدمة.. استنيني بكرة في البيت، الحساب الكبير هيتفتح أول ما رجلي تعتب العمارة.» قفلت سارة المكالمة، وقعدت على السرير وعقلها بيلف وزي الساقية. الخدعة كانت أكبر وأخطر بكثير من مجرد لعبة حكيتها سلفتها فتحية عشان تاخد فلوس الجمعية.. اللعبة كانت مخطط متكامل لتغطية بلاوي علي وديونه المقفولة بتزوير اسم أخوه!
مرّت ليلة سارة كأنها سنة. ما عرفتش تنام دقيقة واحدة. الأفكار بتاكل في دماغها، والشغلانة بقت أكبر من شقة وتوضيبات، بقت قضية شرف وحياة ومستقبل حسين. مع إشراق شمس اليوم التالي، نزلت سارة ورتبت شقتها، وحضرت نفسها.. وفي تمام الساعة الواحدة ظهراً، سمعت صوت حركة ودوشة في مدخل العمارة تحت.. صوت خطوات تقيلة وزحمة صاعدة على السلم. فتحت سارة الباب، وطلعت للبلكونة المطلة على الصالة، وشافت **حسين**! كان داخلاً العمارة بشنطة سفره، وشه شاحب والتعابير على ملامحه كانت حادة ومظلمة زي سحابة الصيف. وبجنبه الحاج توفيق واثنين من كبارات العيلة والمنطقة.
أول ما شافته حماتها، طلعت تصرخ وتبكي وتترماه في حضنه: «يا حبيبي يا ابني! يا حسين يا ضنايا.. حقك عليا يا ابني، التربية خابت والعيلة اتفضحت بسببه!» حسين حضن أمه بهدوء، وطبطب عليها بحنان، بس عينيه كانت تدور في المكان بصرامة، وقال بنبرة واطية وجافة: «اهدي يا ماما.. اهدي وما تبكيش.. اللي حصل ده أنا جاي أنهيه النهاردة وللأبد.» رفع حسين عينيه وشاف سارة واقفة فوق عند الباب.. نزل شنطته ونزل نظرة امتنان واحترام لسارة، النظرة اللي بتقولها: “إنتي اللي صنتي بيتي وحميتي حقي لما الكل كان بيستغفلني”.
حسين بصلهم وقال بلهجة حازمة سمعت كل العمارة: «نادوا لعلي ومراته.. انزلوا كلكم عندي في شقة أمي تحت، الحساب النهاردة مش هيسيب صغيرة ولا كبيرة إلا لما تتفتح وتحط النقاط على الحروف!» خلال عشر دقائق، كانت الصالة في شقة الحماة مليانة بالناس.. قعد الحاج توفيق وكبار العيلة في ناحية، وحسين قاعد في النص وشه حجر صلب، وسارة واقفة جنبه بصلابة وثبات. وفي الناحية التانية، دخل علي ووشه في الأرض، وخلفه فتحية بلبسها المبهدل وعيونها المنفوخة من الخوف والبكاء.. ما كانش فاضل فيهم نبرة واحدة من التكبر أو التهديد اللي مارسوه على سارة في الأول.
ساد الصمت في الصالة.. صمت يقطع الأنفاس. حسين بص لأخوه علي لفترة طويلة من غير ما ينطق، نظرة فيها كمية ألم وحسرة تكسر الحجر. وبعدين، أخرج حسين من جيبه ملف أوراق أصفر، ورماه على الترابيزة في نص الصالة بقوة أحدثت صوتاً مدوياً جعل فتحية تتنفض في مكانها! قال حسين بصوت جهوري يرن في جدران الشقة: «الفلوس بتوع الجمعية والـ 100 ألف بتوع سارة ورجعوا وخدنا حقنا كاش.. بس الأوراق اللي قدامي دي يا علي.. الأوراق دي هي اللي جايباني من الغربة مخصوص عشان أسمع منك إجابة واحدة بس!»
علي بلع ريقو بصعوبة ونظر للأوراق المرمية، ووشه اتغير كلياً وبدأ يعرق بغزارة رغم إن الجو ما كانش حر. حسين صرخ بكل قوته: «التزوير يا علي! القروض اللي باسمي! الشيكات والمبيعات اللي تمضيت بتوقيعي في البنوك وعند المقاولين وإنت مستغل إني بعيد ومش عارف حاجة! بتعمل فيا أنا كده؟ بتعمل في أخوك الكبير اللي ساب بلده وشغله عشان يكبرك ويعمل لك قيمة في وسط الناس؟» الحماة سمعت كلمة “قروض وتزوير” وصرخت وضـ,ـربت على صدرها:
«قروض إيه وتزوير إيه يا حسين؟ إنت بتقول إيه يا ابني؟» الحاج توفيق اتكلم بصرامة ووجه كلامه للحماة وللحاضرين:




