
فتحت شنطتي، وطلعت قدامه صورته وهو داخل العمارة حاضن مراته، وصور الرسائل اللي كان بيستعجلني فيها أبيع الأرض وأحول الفلوس على حسابه، وبعدها قلتله وأنا ببص في عينيه: “أنا سافرتلك أعملك مفاجأة… وهناك شفت حياتك الحقيقية، وسمعت كل كلمة قولتها عني وأنا مستخبية تحت الشجرة.” اختفت الضحكة من على وشه، وحاول ينكر، لكن كل كلمة كان بيقولها كان قدامها دليل يكذبها. وبعد محاولات كتير، خرج من المكتب وهو تايه، ولسه فاكر إنه هيقدر يسيطر على الموضوع زي كل مرة.
لكن المرة دي كانت مختلفة. المحامي بدأ يرفع الدعاوى ويطالب بكل حقوقي، وفي نفس الوقت اتخذ الإجراءات القانونية اللازمة. وبعد أيام، جوزي نزل مصر تاني علشان يحاول يحل الموضوع قبل ما يكبر، لكنه اتفاجئ وهو في المطار إن عليه إجراءات قضائية لازم يخلصها، ومقدرش يسافر ويرجع لشغله قبل ما يتعامل مع القضايا المرفوعة ضده. وقتها بدأ يتصل بيا كل يوم، مرة يترجاني أتنازل، ومرة يقولي إنه مستعد يدفع أي مبلغ، ومرة يعدني إنه هيطلق الست التانية ويرجعلي، لكن كل الكلام ده جه بعد ما حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
أما أنا، فكان ردي في كل مرة واحد: “أي كلام هيكون بينك وبين المحامي.” أمي كانت أول واحدة وقفت في ضهري. من يوم ما عرفت الحقيقة، ما سابتنيش لحظة. كانت تروح معايا كل جلسة، وتشد على إيدي كل ما ألاقي نفسي هضعف، وتقوللي: “اللي ضيع من عمرك سنين، لازم يرجعلك حقك.” وبعد شهور من الجلسات، والأوراق، والتقارير، حكمت المحكمة لصالحي، وأخدت كل حقوقي القانونية كاملة، من مؤخر صداقي، ونفقة العدة، والمتعة، وباقي مستحقاتي، واضطر يسددها كلها علشان يقدر ينهي إجراءاته ويسافر من جديد.
يومها خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد أمي، وبصيتلها وقلت بابتسامة كلها راحة: “فاكرة يا أمي الجمعية اللي عملتها في السر علشان أسافر أفاجئه؟” ابتسمت أمي وهي تربت على كتفي وقالت: “أيوه… فاكراها.” حضنتها وقلت: “ربنا كتب إن السفر ده يفتح عيني على الحقيقة، وإن الفلوس اللي كنت هضحي بيها عشانه تبقى سبب أرجع بيه حقي وكرامتي.”
ومن يومها، عرفت إن أصعب صدمة ممكن تهد إنسان… لكنها كمان ممكن تكون أول خطوة في طريق ينقذه.
بعد ما خلصت آخر جلسة، خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الحمل اللي كان فوق صدري بقاله سنين بدأ يخف. ماكنتش فرحانة عشان كسبت قض\ية، ولا عشان أخدت فلوس… كنت فرحانة إني أخيرًا بطلت أعيش دور الضحية اللي مستنية حد ينصفها. عدى كام شهر، وبدأت أبني حياتي من جديد. جزء من الفلوس سددت بيه الديون اللي استلفتها علشان الجمعية والسفر، والجزء التاني حطيته في مشروع صغير كنت بحلم أعمله من زمان، لكن طول عمري كنت بأجل حلمي علشان أحقق أحلامه هو.
الغريب إنه بعد كل اللي حصل، فضل يحاول يرجع يكلمني. مرة يبعت ناس من أهله، ومرة يخلي قرايبنا يتوسطوا، وكلهم يرددوا نفس الجملة: “سامحيه… الإنسان بيغلط.” لكن محدش فيهم سألني سؤال واحد… “وإنتِ… مين هيعوضك عن عمرك؟” وفي يوم، رن تليفوني من رقم غريب. رديت، لقيته هو. صوته كان مكسور لأول مرة. قال: “أنا خسرت كل حاجة.” سكت. كمل وهو بيتنهد: “مراتي سابتني بعد ما عرفت إني خسرت شغلي، والمشروع اللي كنت بحلم بيه عمره ما اتعمل… وحتى ابني بقى بشوفه في مواعيد محددة.”
سمعته للآخر من غير ما أقاطعه. وبعدين قال: “أنا ظلمتك… ولو الزمن رجع بيا، عمري ما كنت هعمل فيكي كده.” ابتسمت ابتسامة هادئة، وقلت: “الزمن فعلًا مرجعش… ولو رجع، أنا اللي عمري ما كنت هوافق أتجوز واحد زيك.” سكت. واضح إنه كان مستني مني كلمة تفتحله باب الرجوع. لكن الباب ده كان اتقفل من زمان. قبل ما أقفل المكالمة، قلتله آخر جملة: “أنا سامحتك بيني وبين ربنا علشان أعرف أعيش مرتاحة… لكن التسامح عمره ما معناه إنك ترجع لحياتي.”
وقفلت الخط. حطيت التليفون على الترابيزة، وبصيت من شباك البيت للشمس وهي بتغرب. افتكرت اليوم اللي وقفت فيه تحت شجرته، منهارة، وحاسة إن حياتي انتهت. ماكنتش أعرف وقتها… إن النهاية اللي كنت بعيط عليها… هتكون في الحقيقة بداية حياة جديدة، أهدى، وأكرم، وأصدق من أي حياة عشتها معاه.




