روايات

خطوبتى

— “علشان كده داليا كانت هتمو.ت وتاخد الإسدال وتعمل المشاكل! كانوا عايزين يدخلوا البيت بأي طريقة ويفكروا في طردنا عشان يفتشوا في حاجة أبويا ويدوروا على السر دا!” شغّلت سارة الفلاشة، ليظهر مقطعُ صوتي متسجل لوالد عمر قبل وفاته، وهو يعترف صراحةً بحقوق والد سارة، ويحذر أبناءه داليا وعمر من أكل أموال اليتامى، مؤكداً أن العقود الأصلية والمفتاح الثالث يقودان إلى خزنة جدارية قديمة في منزل العائلة المهجور بالصعيد! وقفت الأمُّ على قدميها، وامتزجت دموع الحزن بصلابةٍ مفاجئة:

— “يعني كانوا جايين ياكلوا شقانا وحق أبوكي الميت، ويمَنّوا علينا ببدلة وفاكهة وعيديات؟! كانوا فاكريننا غلابة وما حيلتناش حاجة، وتضحك علينا أختهم بالإسدال وهي جاية تسرق تاريخ أبوكي!” مسحت سارة دموعها، ونظرت إلى المفتاح الثالث والدفتر التاريخي الصغير، وقالت بصوتٍ ثابت كالحديد: — “حق أبويا مش هيروح يا ماما.. بكرة الصبح الدفتر دا والفلاشة هيكونوا قدام القاضي في أول جلسة محاكمة لعمر وداليا.. مش بس عشان السحر والنصب، لكن عشان استرداد حقنا المنهوب من خمس سنين!”

في صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل قاعة المحكمة الكبرى، جُلب عمر وداليا من محبسهما لحضور الجلسة العاجلة. كانا يجلسان خلف القضبان الحديدية، والذل يأكل ملامحهما، حين دخلت سارة وأمها ومعهما المحامي وبيدهم الحقيقة الكاملة التي أغلقت كل أبواب الهروب أمام العائلة الخائنة. تطلعت داليا من خلف الحديد إلى سارة، لكن سارة لم تكتَفِ بالصمت، بل رفعت الدفتر القديم في وجهها بثقة، ليدرك عمر وداليا في تلك اللحظة أن السحر انشقلب على الساحر، وأن اللعبة انتهت بالكامل.

#الكاتب_رومانى_مكرم_ وقفت “سارة” في منتصف قاعة المحكمة الكبرى، ثابتة الخطى، مرفوعة الراس، وبجوارها أمها التي طالما كانت الدصن والسند. أضاءت أنوار القاعة العالية ملامحهما، بينما ساد الصمت والرهبة أرجاء المكان مع دخول هيئة المحكمة الموقرة واعتلائها المنصة. جلس “عمر” و”داليا” خلف القفص الحديدي، يرتديان ملابس الحبس الاحتياطي البيضاء. اختفت تماماً نبرة التعالي والغرور التي بدأت بها داليا المكالمة الهاتفية، وتلاشت ادعاءات الفضل والمنّ بالهديا والإسدال والفاكهة؛ فلم يبقَ سوى وجهين شاحبين يعصرهما الخوف والندم، وعيون تجول في الأرض خجلاً وهواناً أمام أنظار الجلسة والحضور.

نادى كاتب الجلسة باسم القض*ية، فتقدم المحامي ووضع على منصة القاضي الدفتر الجلدي القديم، والفلاشة الميموري، إلى جانب محاضر الشرطة وتسجيلات كاميرات المحل، وتقرير النيابة العامة بشأن محتويات الخزنة البنكية رقم 408. بدأ القاضي يتصفح الأوراق بدقة حاسمة، ينظر إلى عقود الملكية المسلوبة، ويستمع إلى التسجيل الصوتي الوارد على الفلاشة، والذي يعترف فيه والد المتهمين بحقوق والد سارة المنهوبة منذ سنوات. كانت كل ورقة تُقلب على المنصة بمثابة المسمار الأخير في نعش المؤامرة الخبيثة التي حُكت في الخفاء.

وبعد مداولة قصيرة، نطق رئيس المحكمة بالحيكم الذي أثلج الصدور وزلزل أركان المتهمين: > **”بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الشاهد، وثبوت أركان التهديد والتزوير والنصب، والشروع في الإضرار العمدي وعمل أعمال الدجل والشعوذة، وإعادة الحقوق المنهوبة إلى أصحابها الشرعيين.. حكمت المحكمة حضورياً:** > **أولاً: بحبس المتهم الأول (عمر) بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وإلزامه براد كافة الأموال والعقارات المسجلة بالدفتر لصالح الورثة الشرعيين.** > **ثانياً: بحبس المتهمة الثانية (داليا) بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات عن جرائم التهديد والشعوذة والتلفيات العمدية.**

> **ثالثاً: غرامة مالية كبيرة والتكفل بكافة المصاريف الجنائية.”** > دوت طرقاتُ خشبة القاضي لتعلن نهاية الكابوس. انهارت داليا بالبكاء الهيستيري داخل القفص وهي تتمسك بالحديد، بينما سقط عمر على ركبتيه ينظر إلى الأرض بعينين لا تفتاً تتوسلان العفو، لكنه عفوٌ جاء بعد فوات الأوان. خرجت سارة وأمها من مبنى المحكمة، والشمس تشرق على وجهيهما بنورٍ دافئ يغسل آثار الحزن والخوف. رفعت الأم يديها إلى السماء حامدةً شاكرةً ربها الذي ردّ إليهن كرامتهن وحقهن المالي والنعنوي بالكامل.

نظرت سارة إلى الإسدال الجديد الذي اشترته بنفسها، وابتسمت ابتسامة صفاء وتحرر، مدركةً أن القصة التي بدأت بمحاولة إهانةٍ واسترداد هدايا وفاكهة، انتهت بظهور الحق وعدالة السماء. ### **الحكمة من القصة:** إن المعاني الحقيقية للبشر لا تظهر في بداب العلاقات وأوقات الرخاء، بل تتكشف معادنها النبيلة أو الخبيثة عند النهايات والمواقف الصعبة. 1. **الكرامة لا تُشترى:** الهدايا والفضل لا يُمنّ بهما، ومن يطلب ثمن قطعة فاكهة أو هدية قُدمت يوماً، فهو ينزع عن نفسه مروءته ويكشف عن فقر النفس قبل فقر اليد.

2. **الشر يرتد على صاحبه:** لا يمكن للغل والحقد أو الطرق المل.توية كالس.حر والدجل أن تبني مستقبلاً أو تستر عيباً؛ فالله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ونيّة الأذى تسقط صاحبها في الحفرة التي حفرها لغيره. 3. **الستر في التدبير الإلهي:** قد يرى الإنسان في فركشة أمرٍ أو خسارة ظاهرة شرّاً يسوؤه، بينما يكون في حقيقته رحمةً ولطفاً إلهياً ينقذه من جحيمٍ أكبر ويكشف له الحقائق المستورة.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى