روايات

خطوبتى

— “أيوة يا أم سارة.. عمر وداليا وأمهم شبكة منظمة، بيخطبوا البنات اللي عندهم أملاك أو شقق باسمهم، ويعملوا المشاكل والمكائد عشان يطفشوا البنت ويجبروا أهليها يتنازلوا تحت الضغط والفضايح! الفيديو اللي بعتهولك دا متسجل من شهرين، وأنا معايا ملف كامل بقضايا النصب اللي هما هربانين منها!” في هذه اللحظة، تعالت أصوات صراخ وشجار جديد في أسفل العمارة! أسرعت سارة وأمها إلى النافذة المطلة على الشارع، لتشاهدا مفاجأة لم تكن في الحسبان..

كانت سيارة شرطة تقف أمام باب العمارة، يحيط بها عدد من الجيران، بينما كان عمر وداليا وأمهما يحاولون الهرب نحو سيارتهم، لكن رجال الشرطة كانوا أسرع وأطبقوا عليهم الكلبشات في منتصف الشارع أمام أعين الجميع! التفتت الأم إلى سارة وعيناها تلمعان بدموع الانتصار: — “ربنا ما بيضيعش حق حد يا سارة.. اللي افتكروه سحر وغل، كان السبب اللي كشفهم للناس كلها!” نزلتا إلى الشارع لمتابعة الموقف، وعندما رأت داليا سارة، صرخت بغل وهي تُساق إلى سيارة الشرطة:

— “مش هنسيبك يا سارة! والله ما هنسيبك!” لكن عمر كان يطأطئ رأسه في الأرض، عاجزاً عن الحديث بعد أن أخرجت المرأة المجهولة الملفات للضابط في الشارع. رجعت سارة وأمها إلى الشقة، وشعرتا لأول مرة بالهدوء الحقيقي يستقر في أركان البيت. لكن، أثناء تنظيف الصالة ومسح آثار الدخان من الممر، عثرت سارة على مفتاح غريب وميدالية نحاسية سقطت من حقيبة عمر أثناء الشجار الأخير.. مفتاح يحمل رقماً لرقام الخزائن الخاصة في أحد البنوك!

#الكاتب_رومانى_مكرم_ التقطت “سارة” الميدالية النحاسية الثقيلة من على الأرض، وتأملت المفتاح البارد بين أصابعها. كان منقوشاً عليه بخطٍ دقيق اسم أحد البنوك الكبرى ورقم حظيرة أو خزنة خاصة: (خزنة رقم 408). نادت سارة أمها بنبرةٍ تشوبها الحيرة والدهشة: — “تعالي شوفِي يا ماما.. عمر نسِي المفتاح دا وهو بيتض.رب وبيتسحب في الشارع. دا مفتاح خزنة بنك!” جاءت الأمُّ مسرعة، ونظرت إلى المفتاح بوجوم، ثم رفعت رأسها نحو ابنتها وقالت بذكاءٍ وثبات:

— “المفتاح دا مش مجرد حديدة يا سارة.. دا السر اللي كان عمر وأخته بيمو.توا عشان يخفوه. الشبكة المنظمة دي ما كانتش بتجمع الفاكهة والعيديات، دول كانوا بيجمعوا حصيلة النصب والسرقة من البنات اللي ضحكوا عليهم قبلك!” في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً، كانت سارة وأمها تقفان أمام مبنى النيابة العامة. كان الممرُّ مزدحماً بالمحامين وضباط الشرطة، بينما كانت المرأة المجهولة—صاحبة الشقة التي حذرتهما—تقف بانتظارهما وبيدها حقيبة سوداء ملئى بالمستندات والأحكام القضائية الصادرة ضد عمر وعائلته.

قالت المرأة بابتسامةٍ مشجعة: — “صباح الخير يا أنسة سارة.. وكيل النيابة منتظرنا جوة، والأستاذ محمود صاحب محل الإسدال وصل وادّى أقواله وقدم فيديو الكاميرات اللي بيثبت دخول داليا المحل وشرائها أدوات السحر والدجل.” دخلت سارة وأمها إلى مكتب وكيل النيابة. كان عمر وداليا يقفان في زاوية الغرفة بالكلبشات، ووجوههما شاحبة كالأموات، تكسوها الخيبة والهوان. لم تعد داليا ترفع عينها في عين سارة، بينما كان عمر يطأطئ رأسه في الأرض كالمذنب المنتظر لحكم الإعدام.

وضع وكيل النيابة الملفات أمامه، ونظر إلى داليا بصرامة: — “المتهمة داليا.. التقرير المبدئي للشرطة والفيديوهات المقدمة من المحل بتثبت تورطك في أعمال التهديد بالق*تل، وإحداث تلفيات، والشروع في إيذاء الأنسة سارة عن طريق أعمال السحر والدجل وترك مواد حارقة قدام بيتها.. إيه ردك؟” انفجرت داليا بالبكاء الهيستيري وصاحت: — “والله عمر هو اللي كان بيخليني أعمل كده! هو اللي كان بيقولي طفشيها وخلي أهليها يتنازلوا عن الشقة عشان نبيعها ونحط الفلوس في الخزنة!”

هنا، تقدمت سارة بخطواتٍ واثقة، وأخرجت المفتاح النحاسي والميدالية، ووضعتهما على مكتب وكيل النيابة أمام الجميع: — “يا فندم.. المتهم سقط منه المفتاح دا وهو بيتشاجر في بيتنا.. دا مفتاح الخزنة رقم 408 في البنك، ودي الخزنة اللي بيجمعوا فيها العقود والفلوس اللي نصبوا بيها على الضحايا السابقتين!” انقبض وجهُ عمر، وتغيرت ملامحه للذعر المطلق، وصرح بصوتٍ مخنوق: — “لا! المفتاح دا مش بتاعي! دا.. دا حاجة شخصية تخصني!” لكن وكيل النيابة رفع يده يطالبه بالصمت، وأمر فوراً باستصدار أذنٍ رسمي للتحفظ على الخزنة البنكية وفتحها بحضور لجنة رسمية من النيابة والشرطة.

وفي عصر نفس اليوم، وأمام مقر البنك المركزي، كانت اللجانُ الرسمية تفتح الخزنة رقم 408. وعندما انفتح الباب الصليبي الثقيل، كانت المفاجأة التي هزت الجميع.. داخل الخزنة، لم تكن هناك أموالٌ أو ذهبٌ فحسب، بل كانت هناك أوراقُ ملكية لشققٍ سكنية وعقودُ زواجٍ عرفية باسم عمر وأخته من أربع بنات مختلفات في محافظات متفرقة، وبجوار العقود كانت تقبع أظرفٌ سوداء مكتوبٌ عليها أسماء الضحايا، وفي كل ظرفٍ قطعةٌ من ممتلكاتهن الشخصية التي استخدمتها داليا في أعمال الدجل للنصب عليهن وإجبارهن على التنازل!

تجمعت الأدلةُ بالكامل، وصدر القرارُ العاجل من النيابة بحبس عمر وداليا وأمهما على ذمة التحقيق في قضايا النصب والتهديد والتزوير والسحر. عادت سارة وأمها إلى بيتهما في المساء، والشمسُ تشرقُ في قلوبهما بعد ليلةٍ طويلة من الظلم والشر. أغلقت سارة باب الشقة، ونظرت إلى أمها وقالت بتنهيدةٍ ملئها الراحة: — “الحمد لله يا ماما.. الحق رجع، والشر اتكشف قدام الدنيا كلها.” ردت الأم وهي تحتضنها بابتسامةٍ حنونة: — “ربنا لما بيحب عبد بيحميه يا بنتي.. والإسدال اللي كانوا فاكرين إنهم هيذلوكي بيه، كان هو السبب اللي نضّف حياتك ورجّع حق كل المظلومين.”

لكن، وبينما كانتا تجلسان لتشربا القهوة في صمتٍ هادئ، رنّ جرس الباب نغمةً واحدةً هادئة.. وعندما فتحت سارة الباب، لم تجد أحداً في الممر، بل وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً ملفوفاً بشريطٍ أبيض، وداخله خطاطٌ مكتوبٌ بخطٍ يدوي أنيق: (إلى سارة.. الحقيقة كُشفت، لكن السر الكبير لم يبدأ بعد!). #الكاتب_رومانى_مكرم_ ارتجفت يدُ “سارة” وهي ترفع الصندوق الخشبي الصغير من على العتبة، وتتطلع في زوايا الممر المظلم. لم يكن هناك أثرٌ لأحد، سوى صدى خطواتٍ جافة تبتعدُ في الخفاء. أغلقت الباب بحذر، ودخلت الصالة حيث كانت أمها تجلسُ مجهدةً من أهوال اليوم الطويل في النيابة.

وضعت سارة الصندوق على الطاولة الوسطى، واستقرت المكتوبُ الأنيق بين أصابعها. التفتت الأم ونظرت إلى الشريط الأبيض والصندوق بريبةٍ شديدة: — “إيه دا يا سارة؟! مين اللي ساب الصندوق دا ورن الجرس؟!” ردت سارة بصوتٍ خفيض ينبضُ بالدهشة: — “ما شفتش حد يا ماما.. بس الجواب مكتوب فيه إن الحقيقة كُشفت، بس السر الكبير لسه ما بدأش!”

بأصابع ترتعش، فكّت سارة الشريط الأبيض وفتحت غطاء الصندوق الخشبي. لم تكن هناك أدوات دجل هذه المرة، ولا صورٌ محروقة.. بل كان يقبعُ داخل الصندوق دفتا دفتر قديم، مائلٍ إلى الصفرة، غلافه الجلدي متآكل من الأطراف، وبجواره فلاشةٌ ميموري صغيرة ومفتاحٌ ثالث مختلف تماماً عن مفتاح الخزنة البنكية. سحبت سارة الدفتر ببطء، وفتحت صفحته الأولى، لتقرأ خطاً يدوياً مألوفاً جداً لها.. خطاً جعل الدم يتجمد في عروقها للمرة الثانية! كانت التوقيعاتُ والأرقامُ المسجلة في الدفتر تعود لسنواتٍ مضت، وفي أعلى كل صفحة كان مكتوباً اسم شخصٍ واحد.. “والد سارة المتوفى”!

انفجرت الأمُّ بالبكاء فور أن رأت اسم زوجها الراحل، وقالت بصوتٍ متهدج: — “أبوكي؟! إيه اللي جاب دفتر أبوكي الله يرحمه ليد الناس دي؟! الدفتر دا ضاع مننا يوم وفاته من خمس سنين ودورنا عليه في كل مكان!” فتحت سارة الدفتر لتكتشف الفاجعة.. لم يكن عمر وداليا يستهدفان سارة من أجل شقتها البسيطة أو بعض الهدايا والفاكهة كما أدّعوا، بل كان والدهما الراحل شريكاً قديماً لوالد سارة في تجارةٍ سابقة، وكان الدفتر يحتوي على عقود ومستندات تثبت أن لعائلة سارة ديناً ضخماً وحصةً عقارية كبرى في شركةٍ تجارية يملكها والد عمر حالياً، تقدّر بالملايين!

كانت خطوبة عمر لسارة مخططاً مدبراً من العائلة بالكامل، ليس للنصب على شقةٍ صغيرة، بل للوصول إلى هذا الدفتر وتدميره، وإجبار سارة على التنازل عن كافة حقوق والدها المالية قبل أن تكتشف سر التجارة القديمة! قالت سارة وهي تضع الفلاشة الميموري في هاتفها:

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى