روايات

اتجوزت جوز اختي

صدمة في صالة السبوع الحاضرين في السبوع كلهم سكتوا.. الأغاني اللي كانت شغالة وقفت، الزينة اللي مالية الشقة بقت ملهاش لازمة. حماته قربت وخطفت العقود من إيد بنتها وقرأتها، وشها جاب ميت لون، وبصت لأحمد بغل وقالت بقى أنت مطلع بنتي في شقة إيجار وعقدها هينتهي بعد ست شهور؟! وكمان أمك معاها ملايين وطردتها وضيعت الفلوس من إيدينا؟! أنت إيه يا بني آدم أنت؟! ضحكت علينا وفهمتنا إن الشقة ملكك؟!

مراته بدأت تلطم على وشها وتصرخ ملايين؟ أمك معاها ملايين يا أحمد وتطردها؟! ده أنا كنت بوزك عشان نوسع للواد، تقوم تضيع مننا خمسة مليون جنيه؟ ! وتطلع الشقة إيجار وهنترمى في الشارع؟! يخرب بيتك وبيت جوازتك! أحمد مكانش سامع حد فيهم.. كان سامع صوت أمه بس وهو بيتردد في ودنه ومن خلال الكلمات المكتوبة في آخر الرسالة الفلوس دي يا أحمد.. أنا روحت بنفسي قبل ما أمشي من الشقة، ووزعتها على كذا جمعية خيرية، وعملت بيها وقف لله.. مستشفيات سـ,ـرطان، ودار أيتام، وبناء مساجد. سيبت لنفسي بس قرشين يكفوني علاج وأكلي في أوضتي القديمة لحد ما أمـ,ـوت.

أنا قولت الجمعيات دي والناس الغلابة أولى بالفلوس دي منك.. على الأقل هما لما ياكلوا من خيري أو يتعالجوا بفلوسي، هيدعوا لي بقلب صافي لما أدخل القبر اللي أنت استعجلتني عليه.. إنما أنت؟ لو كنت خدت الفلوس كنت هتنساني، وكنت هتفتكر إنك شطارتك اللي جابتها. حلال عليك الأوضة يا أحمد.. وفرش البيبي.. وافرح بسبوع ابنك قدام نسايبك.. بس افتكر، كمان ست شهور لما العقد يخلص، وتلاقي نفسك في الشارع، ابقى خلي أوضة البيبي ونسايبك ينفعوك.

أمك اللي هانت عليك. الانهيار والندم المتأخر أحمد رمى الورقة من إيده، وحس بإن الأرض بتلف بيه. بص حواليه. . الأوضة اللي كان فرحان بيها، الستائر، البلالين، نسايبه اللي كانوا بيبصوله بنظرة فخر وفرحة، دلوقتي باصين له باحتقار وقرف. مراته مسكته من هدومه وهي بتعيط بهستيريا اتصرف! روح لأمك.. بوس رجليها.. خليها ترجع الفلوس.. خمسة مليون جنيه يروحوا لجمعيات خيرية وإحنا نترمى في الشارع بعد ست شهور؟! أنت غبي؟! أنت إزاي تعمل في أمك كده؟! دي أمك يا فاشل!

أحمد زق مراته وخرج يجري في الشارع كالمجنون.. مكانش شايف قدامه، دموعه اللي كانت متحجرة نزلت بغزارة، نزل دموع القهر والندم اللي مبينفعش. ركب أول تاكسي وقاله على البيت القديم.. بسرعة أرجوك! طول الطريق كان بيفتكر كل كلمة قالها لأمه.. بيفتكر نظرة الكسرة في عينيها لما قالها أنتي رجلك والقبر.. بيفتكر إزاي شالت هدومها في صمت ومشت من غير ما تدعي عليه ولا تصرخ في وشه. كان بيقول لنفسه أنا غبي.. أنا بعت أمي عشان أرضي ناس مبيرضوش.. بعت سندي الحقيقي عشان مظاهر كدابة.

المواجهة في البيت القديم وصل أحمد البيت القديم.. البيت كان ضلمة ومتهالك فعلاً زي ما أمه قالت. طلع السلم بيجري وهو بيلهث، خبط على الباب بكل قوته أمي! يا أمي افتحي أنا أحمد يا أمي! سامحيني.. أنا كلب.. أنا واطي.. افتحي يا أمي! محدش رد.. الباب كان مقفول بقفل حديد كبير من برة! جارتهم العجوزة طلعت على صوت خبيطه، وبصتله بحزن وقالت بتخبط على مين يا أحمد؟ أمك مش هنا.

أحمد لف ليها بلهفة وفزع أمال فين يا خالة أم أحمد؟ هي مش جت هنا؟!

الجارة هزت راسها وقالت وهي بتمسح دموعها جت يا بني.. جت الصبح بدري، وكانت شايلة شنطة هدومها ودموعها مغرقة وشها. دخلت الأوضة وبصت حواليها، وبعدين جابت راجل يشتري نصيبها في البيت ده.. باعته وخدت فلوسه، وقالتلي أنا ملبقاش ليا مكان هنا ولا ليا حد يسأل عليا.. أنا رايحة أقعد في دار مسنين نضيفة أعيش وسط ناس غُرب يمكن يحنوا عليا أكتر من قريبي.. ومشيت يا بني ومقالتش هي رايحة أنهي دار.. سابت مفتاح الأوضة معايا وقالتلي لو أحمد جه.. قوليله أمك مشيت ومترجعش تدوّر عليها.. لأن اللي يمـ,ـوت بالنسبة لأولاده، ميرجعش للحياة تاني.

أحمد وقع على ركبه على السلم.. بدأ يصرخ ويبكي زي العيل الصغير، يضرب راسه في الحيطة المتهالكة يا أمي ييييي! يارب خدني.. أنا ضيعت أمي.. ضيعت دنيتي وآخرتي! الخاتمة نهاية الجحود مرت الشهور الستة سريعة كأنها أيام.. أحمد حاول بكل الطرق يوصل لأمه، لف على كل دور المسنين في القاهرة والمحافظات، بس مكانش لاقي ليها أثر.. كأن الأرض انشقت وبلعتها، أو كأنها اختارت تختفي تماماً عن حياته. ومع نهاية الشهر السادس.. جه صاحب الشقة ومعاه المحضرين وقوة من الشرطة تنفيذًا لانتهاء العقد. طرد أحمد ومراته وابنه في الشارع.

مراته مأستحملتش العيشة في بهدلة، وطلبت الطلاق بعد ما أهله رفضوها وطردوا أحمد من بيتهم، وخدت ابنها ومشيت، وسابته لوحده.. لا طال رضا أمه، ولا طال الملايين، ولا حتى حافظ على الشقة وأوضة البيبي اللي باع أمه عشانها. أحمد بقى عايش لوحده في أوضة إيجار ضيقة، كل يوم بيمـ,ـوت في الدقيقة ميت مرة، يبص لتلفونه ويفتكر الاسم اللي كان مكتوب سندي.. ويدرك بعد فوات الأوان، إن الأم هي السند الوحيد في الدنيا، وإن اللي يكسر خاطر أمه.. يعيش عمره كله مكسور ومذلول.

تمت بحمد الله.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى