
إيهاب بصلها بشرود وبعدين بصلي بستنكار وذهول وقال: — إنتِ عملتي كده فعلاً يا منار؟ نقلتي أمي لأوضة تانية ولغيتي وجباتها؟ إنتِ اتجننتي رسمي ولا جرى لعقلك حاجة؟ رديت عليه بكل هدوء، وقعدت على طرف السرير وجنبي ولادي التلاتة اللي كانوا باصين لينا بخوف، طبطبت عليهم وقلت لإيهاب:
— لأ يا حبيبي، أنا ما اتجننتش ولا حاجة.. أنا بس طبقت كلام طنط بالحرف الواحد. مش هي امبارح قالت لي بكل وضوح قدامك إنها جايّة هنا ترتاح لأنها بتشتغل، وإن أنا عشان “قاعدة في البيت” وماليش قيمة، فما أستحقش آخد إجازة ولا أستمتع بالبحر، ومطلوب مني أكون الخدامة اللي بتخدمكم ٢٤ ساعة؟ إيهاب اتلجلج وبص لأمه وبعدين بصلي وقال: — أيوه بس ما كانش القصد كدة.. أمي كانت بتقول كلام عادي يعني، إنتِ ليه تكبري الموضوع وتصرفي تصرف أهوج زي ده؟
ابتسمت ابتسامة عريضة وقمت وقفت قدامهم وهزيت رأسي بثقة: — مفيش حاجة كبرت يا إيهاب. أنا رحت لمدير الفندق بالليل، ووضحت له الوضع. وبما إن حجز الفندق ده كله اصلاً مدفوع من كروت الجمعية اللي أنا قبضتها الشهر اللي فات باسمي ومن شغلي الأونلاين اللي أنا بعمله من البيت بالليل بعد ما أنيم الولاد — الشغل اللي أمك شايفاه “قعدة في البيت مفيهاش تعب” — فمن حقي الكامل أتحكم في الحجز وفي الفلوس اللي تدفعت من عرق إيدي.
حماتي شهقت وحطت إيدها على صدرها: — شغل إيه وجمعية إيه؟! إنتِ بتمنّي علينا بالقرشين بتوعك يا حافية؟! قلت لها برود أشد من التلج: — لا سمح الله يا طنط، أنا ما بمنّش.. أنا بس بحط النقاط على الحروف. أنا دفعت حجز السويت ده ليا ولولادي ولجوزي عشان نفرح ونشوف البحر اللي عمري ما شفته. ولما حضرتك جيتي وفرضتي نفسك علينا، جوزي قطع لك تذكرة من جيبه، وأنا ما اعترضتش وقلت مرحب بيكي. لكن لما تجيلي بجدول أعيش بيه خدامة تحت جزمتك، يبقى لازم كل واحد يعرف مقامه وحجمه الحقيقي.
حماتي بصت لإيهاب وزعقت: — ساكت لها يا إيهاب؟! سامع مراتك بتقول إيه لأمك؟! سايبها تطردني وتفهمني إني مالياش قيمة؟! إيهاب كان متخشب في مكانه، الصدمة كانت ملجمة لسانه. هو طول عمره متعود إن أمه هي اللي بتسيطر، وإني أنا اللي بسكت وببلع الإهانة عشان المراكب تسير. ما كانش متخيل أبدًا إن الهادية المطيعة اللي استحملت قرف سنين ممكن تتغير في لحظة وتتحول لست تانية خالص. إيهاب قرب مني ومسك دراعي بقوة وقال بصرامة مزيفة:
— منار! هاتي المفاتيح ورجعي الحجز زي ما كان حالاً! أمي مش هتتنقل في أي حتة، وإنتِ هتنظفي الكلام ده وتعتذري لها فوراً! شلت إيده من على دراعي بحدة وبعينين حادين زي الموس: — إيدك يا إيهاب.. إياك تلمسني بالطريقة دي تاني. ولو فاكر إنك تقدر تجبرني على حاجة تبقى غلطان. أنا غيرت الحجز خلاص. الأوضة اللي هناك دي أوضتك أنت وأمك، سميها أوضة “المستريحين اللي بيشتغلوا”. الأوضة دي سويت كامل ليا أنا وولادي، مدفوع أكلنا وشربنا وإقامتنا بالكامل.
أمه صرخت: — وابني؟! ابنك ينام بعيد عن مراته وعياله عشان حضرتك ترتاحي؟! رديت عليها بكل حسم: — ابنك اختيارين يا طنط.. يا إما يروح يقعد معاكي في الأوضة التانية، ويخدمك ويمشي على الجدول العظيم بتاعك من الساعة ٦:٣٠ الصبح عشان يثبت لك إنه ابن بار ويستحق الإجازة، يا إما يفضل هنا معايا ومع عياله بس بشرط واحد.. الورقة دي تتفرم تحت جزمتي، وحضرتك ملكيش أي كلمة أو حكم عليا أو على عيالي طول ما إحنا هنا.
السكوت عم الأوضة لحظات. حماتي كانت بتبصلي بذهول كأنها شايفاني لأول مرة. وشها كان بيتغير بين الغضب والذهول والكسرة. هي طول عمرها بتلعب على نقطة ضعف إيهاب وإنه مبيقدرش يرفض لها طلب، بس المرة دي اللعبة خرجت عن سيطرتها كلياً لأن الفلوس والحجز بقوا في إيدي أنا. حماتي التفتت لإيهاب وقالت وهي بتمثل العياط والكسرة: — شايف يا إيهاب؟ شايف مراتك بتهين أمك إزاي وب تخيرك بينها وبيني؟ لو عندك ريحة النخوة والمفهومية، تطلقها فوراً وترجعنا البيت دلوقتي!
إيهاب بقى في موقف لا يحسد عليه. بصلها وبصلي، وكان شايف في عيني صرامة غير معتادة، رأى ست مش خايفة من الطلاق ولا خايفة من التهديد، ست وصلت لمرحلة الفاض كيلها واللي يحصل يحصل. إيهاب اتنفس ببطء وقال لأمه بصوت وطي: — طلاق إيه بس يا أمي على الصبح.. اهدي بس ونشوف حل للموضوع ده. حماتي صرخت فيه: — حل إيه؟! بقولك بتطردني من السويت وراحت حطتني في أوضة عادية في آخر الفندق! إنت هتسكت لها؟!
أن ا قاطعتهم وأنا بفتح باب السويت وبشاور لهم على بره بكل شياكة: — وقت النقاش خلص.. دلوقتي الساعة بقت ٨ الصبح، وحسب جدول حضرتك العظيم، ده ميعاد “نزول الفطار”. أنا واخدة ولادي ونازلة ناكل ونقعد على البحر نستمتع باليوم. قدامكم ٥ دقائق تتفضلوا تطلعوا بره عشان هقفل السويت. إيهاب قرب مني وقال بصوت واطي ومحروق: — منار.. إنتِ بتدمر كل حاجة بيننا، الحركة دي مش هعديها لك. رديت عليه بابتسامة ثقة:
— اللي عندك اعمله يا إيهاب.. إنت اللي اخترت تسيب أمتك تدوس عليا، وأنا اخترت إن محدش يدوس عليا تاني. قدامك دقيقة تطلع بره مع أمك، أو أطلب أمن الفندق ينزلكم لأن السويت مسجل باسمي أنا بس. حماتي جرت على بره وهي بتتحسبن وتزعق في الممرات بصوت واطي من الفضيحة، وإيهاب بصلي بقلة حيلة وغضب مكتوم، وخرج وراها وهو بيخبط الباب بقوة.
أول ما الباب اتقفل، قعدت على الكنبة وأنفاسي متسارعة، قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة، بس جوايا كان فيه احساس بالراحة والحرية عمري ما حسيته من سنين. بصيت لولادي التلاتة ولقيتهم باصين لي بابتسامة، الكبير فيهم قرب مني ومسك إيدي وقال: — ماما.. إحنا هننزل البحر بجد؟ مسكت وشه وبسته وقلت له: — اه يا حبيبي.. هننزل البحر، وهنلعب، وهنعمل كل اللي نفسنا فيه، ومحدش في الدنيا هينكد علينا تاني.
لبست ولادي مايوهاتهم، ولبست طقم صيفي مبهج، ونزلنا على البسين والبحر. الشمس كانت ساطعة والمية زرقا بتلمع، منظر كان بالنسبة لي حلم بعد سنين الضغط والخدمة والتعب في الشقة المقفولة. قعدنا على شيزلونج مريح قدام المية، وطلبت للولاد عصاير فرش وفطار فاخر من المطعم الخاص بالسويت. وبعد حوالي ساعتين وأنا قاعدة بتفرج على ولادي وهما بيلعبوا في المية ومبسوطين وبيضحكوا من قلبهم، شفت من بعيد إيهاب وحماتي طالعين من الممر الجانبي للفندق.
حماتي كانت شايلة شنطة بحر تقيلة، ووشها باين عليه التعب والحر، وكانت بتتحرك بصعوبة ومفيش حد شايل عنها حاجة. وإيهاب كان ماشي جنبها ولابسة قميص ومكشر، وباين إنه شايل هم الدنيا فوق دماغه. قربوا من المنطقة اللي أنا قاعدة فيها. حماتي بصلت للترابيزة بتاعتي المليانة أكل وعصاير فرش وشفت في عينيها الحقد والغيظ، لكن في نفس الوقت كان فيه حسرة. إيهاب قرب مني وحده، وساب أمه واقفة على مسافة بعيدة تحت الشمس.
قعد على الكرسي اللي جنبي من غير ما يتكلم، وبص للمية وبعدين بصلي وقال بنبرة هادية بس فيها تهديد مكتوم: — مبسوطة كدة يا منار؟ مبسوطة وإنتِ مشربة أمي المر ومخلياني أقف بينكم زي الأبلة؟ رديت وأنا باخد بق من العصير بتلذذ: — أنا مبسوطة جداً يا إيهاب.. ولادي مبسوطين، وده كل اللي يهمني. إنت اللي اخترت تقف موقف الأبلة لما شفت أمك بتديني ورقة عبودية وما فتحتش بقك بكلمة.
إيهاب حط إيده على ركبته وقال بصوت حاد: — تمام.. فاكرة إنك كدة كسبتي الجولة؟ فاكرة إنك لما تستقوي بفلوس الجمعية وتلوي دراعي بالفندق تبقي خلاص بقيتي الكل في الكل؟ إنتِ نسيتي إننا راجعين البيت؟ نسيتي إن الفندق ده كام يوم ويهل، والبيت هو اللي بايلنا؟ بصيت له بثبات وقولت له: — البيت ده بيتي زي ما هو بيتك، وإذا كنت فاكر إن اللي حصل هنا هينتهي لما نرجع، تبقى غلطان. المنار بتاعة زمان ماتت خلاص يا إيهاب.
في اللحظة دي، حماتي مشت ناحيتنا بخطوات سريعة، ووشها كان متفير خالص، ومسكة تلفونها في إيدها، وقالت بصوت العالي قدام كل الناس في المكان: — قوم يا إيهاب! قوم معايا حالاً! أنا اتصلت بعمك وبأخوك في القاهرة، وحكيت لهم على اللي مراتك المصونة عملته فيا.. وهما زمانهم على وصول هنا في الطريق! جايين يربوها ويردوها لبيت أهلها باللي هي لابسه! إيهاب اتفاجئ وقام وقف بسرعة: — إيه؟! إنتِ كلمتي عمي وأخويا يا أمي؟!
ردت بشر وابتسامة انتصار: — اه كلمتهم! عشان تعرف إن ليها رجالة يوقفوها عند حدها لما ابنها يبص في الأرض وما يعرفش ياخد حق أمه! زمانهم ساعة بالكتير ويكونوا واصلين هنا للفندق.. وساعتها هنشوف السنيورة هتتكلم بنفس الثقة دي ولا لأ! بصيت لحماتي وهي واقفة تبتسم ابتسامة ششماتة، وبصيت لإيهاب اللي كان واقف مرعوب ومش عارف يتصرف، ولادي طلعوا من المية وجريوا عليا ومسكوا في فستاني وهما خايفين من صوتها العالي.
ساعتها أدركت إن المواجهة العائلية الكبيرة اللي كنت بهرب منها طول السنين اللي فاتت خلاص بقت على بعد خطوات.. وإن المعركة الحقيقية يلا هتبدأ دلوقتي. ابتسمت بكل برود، وأخدت الفوطة وجففت ولادي واحد ورة التاني وأنا بقولهم بصوت حنين يطمنهم: — متخافوش يا حبايبي.. ألعابكم وميتكم وفرحتكم مش هتنقص، انزلوا كملوا لعب في البسين. حماتي بصتلي بغيظ وقالت وهي بتهز رأسها بثقة: — مسير الحي يتلاقى يا منار.. بكرة عيلتك الكريمة وعمك وعم ابنك لما يوصلوا، هنشوف الابتسامة دي هتروح فين. فاكرة إنك هتلوي دراعنا بشوية الفلوس اللي معطاهاش لك ربنا من شغل النت؟!
وقفت قدامها وطويت الفوطة ببراعة وقولت لها: — يا طنط.. إنتِ فاكرة إن عم إيهاب وأخوه لما يجوا هيغيروا حقيقة إن السويت باسمي؟ ولا هيغيروا إنك جاية بمصيف ناس تانية وجايبة ورقة أوامر كأني شغالة عندك؟ خليهم يجوا.. أهلاً وسهلاً بيهم، الفندق كبير والمطاعم كتيرة، وعلى الأقل يونسوا إيهاب اللي مش عارف ياخد موقف. إيهاب كان واقف زي المجسم، يضـ,ـرب كف بكف، وشايف الشارع والفندق كله بدأ يلاحظ الصوت العالي. اتكلم بصوت واطي ومحروق:
— بس يا أمي، بس يا منار! الناس بتتفرج علينا! هو إحنا جايين نفضح نفسنا ولا جايين نرتاح؟ رديت عليه بصرامة: — إنت اللي اخترت الفضيحة لما سمحت لأمك تتصل بعيلتك كلها وتعمل سيرك عشان حجز أوضة وفطار! فاتت حوالي ساعة ونص.. كنت قاعدة في كافيه اللوبي، ولادي بيلعبوا في المنطقة المخصصة للأطفال قدام عيني، وأنا بشرب قهوتي في هدوء تام. وفجأة، اتفتح باب اللوبي ودخل منه عم إيهاب (حاج توفيق) وأخوه الصغير (محمود). كانوا داخلين بوجوه جهمة وخطوات سريعة، وحماتي جريت عليهم من آخر القاعة زي اللي بتستغيث.
— تعالي يا توفيق! تعالي شوف البهدلة اللي بقينا فيها على كبر! تعال شوف بنت فلان اللي عملته فيا وفي ابنك! حاج توفيق وقف، ووشه مشدود، وبص لإيهاب بغضب: — إيه الكلام اللي أمك بتقوله ده يا إيهاب؟ إنت ازاي تسمح لمراتك تطرد أمك من الأوضة وتنقلها وتلغي أكلها؟ إنت مفيش في عينك نقطة دم؟ إيهاب بصلهم بتلعثم ومكنش عارف يبدأ منين: — يا عمي الموضوع مش كده بالضبط.. الموضوع فيه سوء فهم—
قاطعتهم وأنا قايمة من مكاني بثبات، وشايلة في إيدي شنطتي والورقة اللي كتبتها حماتي بخط إيدها أول يوم. مشيت لحد عندهم ووقفت بثقة وقالت: — مرحب بيك يا حاج توفيق، نورتوا الفندق. بس قبل ما تحكموا أو تسمعوا طرف واحد، اعتقد من الأصول والعدل إنكم تشوفوا سبب المشكلة الأول.




