
حاج توفيق بصلي باستنكار وقال: — أصول إيه يا منار؟ أياً كان السبب، دي أم جوزك وست كبيرة! ازاي تتجرئي وتعملي حركة زي دي؟ مديت إيدي بالورقة وقولت له بكل هدوء: — اتفضل يا حاج.. اقرأ الورقة دي الأول بتمهل، وبعدين قول رأيك في الأصول. حاج توفيق مسك الورقة بستغراب، وأخوه محمود قرب منه عشان يقرأ معاه. كان مكتوب فيها بخط واضح: *”جدول واجباتك أثناء الإجازة.. ٦:٣٠ صحي الأطفال، ٧:٠٠ القهوة ليا ولابني، ٨:٠٠ الفطار، ٩:٠٠ نومي الأطفال عشان ابن يرتاح…”* ولما وصل للسطر اللي مكتوب فيه: *”لأنك قاعدة في البيت وما تستحقيش الإجازة، من العدل إنك تخدمينا”*
حاج توفيق عينيه اتوسعت من الصدمة، وبص لحماتي وبعدين بص لإيهاب. محمود أخوه اتكلم بذهول: — إيه ده؟ هو فيه جدول بالمنظر ده بيتعمل لست بيت وموجب إجازة؟ حماتي اتلجلجت وقالت بسرعة: — إيه يعني؟! ما هي فعلاً مابتشتغلش! إحنا بنشتغل وبنتعب، وهي قاعدة طول اليوم في الشقة على قلبنا! هي جاية تتفسح وتتدلع وإحنا نصرف عليها؟! هنا رديت بصوت واضح يسمعه الكل:
— المصيف ده كله مدفوع من جايبي ومن شغلي الخاص يا حاج توفيق. أنا دفعت حجز السويت والوجبات لولادي ولجوزي ولأم جوزي من عرق إيدي. وحضرتك تقدر تسأل مدير الفندق وتشوف الفواتير باسم مين. لما أكون أنا اللي دافعة الفلوس، وتيجي طنط تديني ورقة العبودية دي وتفهمني إني خادمة مالهاش قيمة، يبقى أنا ردت لها القيمة بطريقتي.. كل واحد يحجز لنفسه ويرتاح بطريقته. حاج توفيق بص لحماتي ونبرة صوته اتغيرت تماماً من الغضب عليا للكسرة والكسوف:
— إنتِ عملتي كده يا أم إيهاب؟ كاتباهالها ورقة بجدول خدمة في إجازة هي دافعة فلوسها؟! حماتي صرخت: — إنت جاي تقف معاها هي ضدي يا توفيق؟! ده ابن أخوك اللي اتهان! حاج توفيق بص لإيهاب وقال بنبرة حادة جداً: — إنت فين يا إيهاب من الليلة دي كلها؟ إنت ازاي وافق على الهبل ده؟ ازاي تسيب أمك تملي جدول زي ده على مراتك، وازاي تسيب مراتك تدفع المصيف وإنت واقف بتتفرج؟! إنت مش راجل البيت ده ولا إيه؟!
إيهاب وشها بقى أحمر زي الدم من الإحراج قدام عمه وأخوه، وقدم رجل ورجع رجل: — يا عمي أنا قلت لها تتجاهل الموضوع— حاج توفيق زقه بيده وقال: — تتجاهل إيه؟! إنت اللي جيبتنا على ملا وشنا من القاهرة عشان نفض فضيحة إنت اللي تسببت فيها بسبب سلبيتك! الست شايلة بيتك وعيالك وصارفة على مصيفك، وأمك جاية تخدمها وترهن إجازتها، وإنت واقف زي الأبلة تقول تجاهلي؟! حماتي اتصدمت إن أخو جوزها اللي استنجدت بيه عشان يكسرني، بقا بيأنبها وبيأنب ابنها قدام الناس.
حاج توفيق التفت ليا وقال بنبرة فيها احترام ومحاولة لإصلاح الموقف: — حقك عليا يا منار.. أنا بعتذر لك عن اللي حصل، والورقة دي قلة قيمة محدش يقبلها. بس عشان خاطري أنا وعشان منظر العيلة، لمي الموضوع ورجعي الحجز زي ما كان، وأنا أوعدك إن محدش هيضايقك ولا يتدخل في كلمة طول الإجازة. بصيت لحاج توفيق وقولت له بثبات: — احترامك على راسي يا حاج، وأنا بقدر جيتك من القاهرة. بس أنا ليا شرط واحد مش هتنازل عنه، عشان المراكب تمشي صح مش بس في المصيف.. لكن في حياتنا كلها اللي جاية.
إيهاب بصلي بلهفة وقال: — شرط إيه يا منار؟ اتكلمي! بصيت لحماتي في عينها مباشرة وقولت بكل حسم: — الشرط الأول: الاعتذار الرسمي قدام عمك وأخوك هنا حالاً عن الورقة دي وعن كل كلمة إهانة اتقالت لي. والشرط الثاني: خط أحمر بيني وبين طنط.. تدخل في حياتي أو أكلي أو تربية عيالي مش هيحصل تاني أبداً. ولو ده ما اتقبلش من دلوقتي.. أنا هاخد عيالي وهنسحب من المصيف فوراً وهسيبكم كلكم هنا، وهنرجع القاهرة على بيت أهلي ونسيب المحاكم هي اللي تحكم بيننا.
الهدوء ساد المكان، والكل بقى مستني رد فعل حماتي اللي كانت واقفة بين نار كبريائها ونار الفضيحة قدام عيلتها. ساد الصمت في اللوبي لثوانٍ مرت كأنها دهور. كانت حماتي تتبادل النظر بيني وبين توفيق شقيق زوجها الراحل، الذي كان يحمل وجهًا صارمًا لا يحتمل المهادنة، وبين ابنها إيهاب الذي بدا متلاشيًا ومحرجًا لأقصى درجة. صرخت حماتي بصوت مبحوح وهي تسحب يدها: — أعتذر؟! أنا أعتذر للبت دي قدامكم كلكم؟! على ج/ثتي! أنت تطلب مني أهين نفسي يا توفيق عشان خاطرك أنت وهي؟!
رد الحاج توفيق بنبرة حادة وواضحة أذهلت الجميع: — اللي يكتب ورقة بالمنظر ده ويمتهن كرامة ست شايلة بيت ابنك وصارفة على مصيفه هو اللي أهان نفسه بنفسه يا أم إيهاب! لو مش عايزة تعتذري وتصفي النفوس، يبا تتفضلي لمي شنطتك وأنا ومحمود هنرجعك القاهرة حالاً، وتسيبيهم في حالهم يكملوا إجازتهم! سقطت الكلمات على رأسها كالصاعقة. لم تكن تتوقع أن الاستغاثة بكبير العائلة ستنقلب عليها بهذا الشكل. كانت تظن أن الجلسة العرفية ستنتهي بتأديبي وإجباري على الانصياع، لكن الخيوط انفرطت من يدها بالكامل.
التفتت لإيهاب بقلة حيلة ونادت عليه: — إيهاب! أنت ساكت ليه؟ شايف عمك وأخوك بيعملوا إيه في أمك؟ هتهون عليك تسيبهم يرجعوني مطلعة من المصيف ومكسورة الخاطر؟ لكن إيهاب، ولأول مرة في حياته، كان يرى الصورة كاملة. صمته وسلبيته طوال السنوات الماضية قاداه إلى هذه اللحظة التي أهين فيها أمام أسرته وظهر بمظهر العاجز الذي تعوله زوجته. نظر إيهاب لأمه بصوت منخفض ومحشرج:
— يا أمي.. أنتِ اللي غلطتي من الأول. الورقة دي مكنش ينفع تكتبيها ولا ينفع تقدميها لمنار. أنتِ ضغطتي عليا وعلى مراتي كتير، واللي حصل ده نتيجة اللي عملتيه.. لو سمحتي، اعتذري وخلي اليوم يمر ونخلص من المهزلة دي. كانت هذه القشة التي قصمت ظهر كبريائها. ابتعدت خطوتين للورا وهي تنظر لإيهاب بذهول وشعور بالخيوانة، ثم التفتت إليّ وعيناها تلمعان بدموع الغيظ والحرقة. قالت بصوت خافت ومشحون بالغل: — حقك عليا يا منار.. أنا آسفة. مبسوطة كده؟ مرتاحة وأنتِ كسرتي كلمتي وقدام الكل؟
رددت عليها بثبات التقطته من سنوات الصبر والتهميش: — أنا مش دوري أكسر كلمة حد يا طنط.. أنا دوري أحمي نفسي وعيالي وأحفظ كرامتي. والاعتذار مقبول، بشرط إن الخط الأحمر اللي اتفقنا عليه يفضل ممتد من هنا لحد ما نرجع القصر، وفي حياتنا كلها. الحاج توفيق تنفس بسبيل من الراحة وقال: — تمام كده.. الموضوع انتهى. محمود، خد شنطة أمك ورجعها السويت بتاع إيهاب، ومنار تاخد عيالها وتكمل إجازتها براحتها. وأنت يا إيهاب.. تعال معايا بره الفندق، عايزك في كلمتين راجل لراجل.
أخذ الحاج توفيق إيهاب من ذراعه وخرج به إلى ساحة الفندق الخارجية، بينما انسحبت حماتي بخطوات ثقيلة ومكسورة برفقة محمود وهي تتحسبن بصوت خافت. رجعت إلى أطفالي في منطقة الألعاب، جلست على الكرسي وأنا أشعر بحجم الثقل الذي أزيح عن صدري. لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني أملك زمام أمري، وأن استقلالي المادي وصبري لم يذهبا سدى. بعد حوالي ساعة، عاد إيهاب إلى السويت. كان وجهه شاحبًا وعيناه حمراوين، يبدو أن حديثه مع عمه كان قاسيًا ويلامس النخوة والرجولة التي فرط فيها طوال الفترة الماضية.
دخل الأوضة ووجدني أعد حقائب الأطفال لننزلو إلى الشاطئ مرة أخرى. وقف عند الباب وقال بنبرة هادئة ومختلفة تمامًا عن كل المرات السابقة: — منار.. عمي توفيق فتح عيني على حاجات كتير أنا مكنتش شايفها، أو مكنتش عايز أشوفها عشان أشتري دماغي. التفتت إليه دون أن أتكلم، فواصل كلامه: — أنا آسف.. آسف إني سبت أمي تتدخل بيننا لحد ما وصلنا لمرحلة إنها تكتب لك ورقة أوامر. وآسف إني حسستك إنك مالكيش قيمة لمجرد إنك قاعدة في البيت بتربي عيالنا. عمي فهماني إن شغلك أونلاين وتعبك مع العيال هو اللي شايل البيت فعليًا، وإن الاستقلالية دي حقك.




