روايات

بعد نص ساعة من إقلاع الطيارة

ثم أشار بعينيه نحو الحقيبة الجلدية السوداء الموضوعة تحت قدميه وأكمل بثقة مرعبة شايف الشنطة دي؟ فيها عقد بيع وهمي، وإيصالات باسمك، واستلام أمانة للمواد المخدرة اللي ملغومة في شنطتك السفلية. أول ما الباب يفتح، الأوراق دي هتكون في إيد الضباط. إنتِ محاصرة يا ليلى. في هذه اللحظة، اهتز هاتفي مجددًا. ألقيتُ نظرة سريعة على الشاشة يا ليلى، سامح بيحاول يستدرجك عشان تفتحي شنطته أو تحاولي تاخديها بالقوة! لو لمستي شنطته أو أخدتيها بدون حيازة قانونية، محاميه اللي تحت هيعتبر ده تعدي وسرقة وبطلان للأدلة! خليه هو اللي يفتح الشنطة بإيده قدام الكاميرا!

أغلقتُ الهاتف وأخذت أنفاسًا عميقة. سامح كان يمارس لعبة شطرنج ذكية، ويريدني أن أرتكب خطأ قانونيًا أخيرًا يُفسد كل جهود طارق والصور التي سجلها صلاح. نظرتُ إلى سامح وقلتُ بنبرة ساخرة تفتكر إنك الوحيد اللي بتفكر في الأوراق يا سامح؟ إنت نسيت حاجة مهمة جدًا. توقفت ابتسامة سامح قليلاً وسأل بشك نسيت إيه؟ ابتسمتُ وقلت بثبات

نسيت إن المضيفة دينا لما المفتشين غيروها قبل الإقلاع بساعة، دخلت سجلات الشركة ببصمة إلكترونية. وطارقصديقي اللي متواصل مع السلطات حاليًاقدر يثبت إن الحساب المصرفي اللي حول ل دينا المبلع المالي عشان تبدل البادج وتدخل الشنطة المفبركة، هو حساب تابع لشركة أوفشور مسجلة باسمك إنت شخصيًا في الخارج! تغيرت ملامح سامح فورًا. ارتخى فكه، وشحبت بشرته لأول مرة منذ بداية الرحلة. أكملتُ وأنا أشير نحو صلاح الذي كان يصور كل كلمة بالهاتف

التحويل المالي اتسجل، وبصمة دينا على الشنطة السفلية اتسجلت، والتسجيلات الصوتية لشريف وهو بيبكي وبيبتزني اتسجلت. الأوراق اللي في شنطتك دي مش هتحميك دي هتبقى الدليل الدامغ على إنك الشريك والمحرض الرئيسي في جناية تزوير وتأجير عصابة ومحاولة تلفيق قضية جنائية! قفز سامح من مقعده بغضب عارم، وامتدت يده نحو الحقيبة الجلدية ليمسك بها ويحاول فتحها أو إخفاء شيء منها إنتِ بتكذبي! مفيش تحويلات! وفي لحظة غضبه وارتباكه، قام بنفسه بفتح سحاب الحقيبة بغشومية ليتحقق من المستندات، فسقطت عدة أوراق على أرضية الممر أمام أعين صلاح والكاميرا والركاب!

الشرطي السابق المترجل في الممر بين الركاب تقدم بسرعة، ووضع قدمه فوق الأوراق الساقطة على الأرض لمنع سامح من سحبها، وقال بصوت جهوري أحرزنا الأدلة! الأوراق دي أصبحت حرزًا رسميًا تحت تسجيل الفيديو! انطلق صوت كابتن الطائرة عبر المكبرات ليقطع التوتر أعزائي الركاب، نرجو ربط الأحزمة فورًا، الطائرة تبدأ الآن عملية الهبوط النهائي في مطار العاصمة. سيُطلب من الجميع البقاء في مقاعدهم حتى دخول السلطات الأمنية. اهتزت الطائرة اهتزازًا خفيفًا مع ملامسة العجلات للمدرج. نظر سامح إليّ بعينين تتطاير منهما الشرارة، وكان يحاول التفكير في أي منفذ آخر، بينما جلستُ أنا في مقعدي وربطتُ الحزام، وأنا أستشعر قرب النهاية.

لكن الموبايل اهتز في يدي مجددًا فتحتُ الرسالة، وكانت المفاجأة الأخيرة التي لم تخطر على بال أحد المعركة على وشك الانتهاء يا ليلى بس احذري أول ما الباب يفتح والضباط يدخلوا، فيه شخص خامس مش متوقع هيحاول يهرب سامح أو ينهي حياته قبل ما يتكلم في التحقيقات! الشخص ده واقف جنب باب الطيارة دلوقتي! تسمرتُ في مقعدي بينما كانت الطائرة تبطئ سرعتها على مدرج مطار العاصمة. أنوار المدرج الزرقاء والبيضاء كانت تنعكس على النوافذ، وفي الخارج كانت سيارات الشرطة والإسعاف بأضوائها الحمراء والزرقاء الدوارة تسابق الطائرة حتى نقطة التوقف.

أعدتُ قراءة الرسالة الأخيرة على شاشة هاتفي عدة مرات الشخص الخامس واقف جنب باب الطيارة دلوقتي هيحاول يهرب سامح أو ينهي حياته قبل ما يتكلم في التحقيقات! درتُ بحدقتيّ ببطء نحو الباب الرئيسي للطائرة. هناك، عند مدخل المقصورة، كان يقف فرد من طاقم الضيافة المساعدشاب يدعى مروانكان طوال الرحلة هادئًا وشبه خفي، لم ينبس ببنت شفة أثناء الدراما التي افتعلها شريف وندى. لكنه الآن كان يقف بزاوية مريبة، إحدى يديه داخل جيب بنطاله الأيمن، وعيناه لا تثبتان على شيء، تتنقلان باضطراب بين سامح المقيد بنظراته، وبين الباب الخارجي الذي يوشك على الفتح.

اهتز الهاتف مجددًا مروان مش مضيف جوي حقيقي يا ليلى.. مروان مأجور زرعه سامح كخطة طوارئ أخيرة، بس مروان ميعرفش إن سامح كان يخطط يتخلص منه هو كمان. معاه سرنجة فيها مادة سامة سريعة التجلط في جيبه، ومهمته يقضي على سامح لو الأمور اتكشفت عشان المخطط الرئيسي والممولين الكبار في الخارج ما ينكشفوش! حبستُ أنفاسي. الخيوط كانت تتشابك بسرعة مرعبة. سامح لم يكن سوى واجهة لشبكة أكبر بكثير، ومروان هو القاتل المأجور المنفذ الذي سيمحو أي أثر يقود إلى رؤوس الأفعى الكبار!

التفتُّ فورًا إلى صلاح، رئيس الطاقم، ومسكتُ بيده بقوة مستغلة صوت توقف المحركات الداخلي، وهمستُ في أذنه صلاح! مروان اللي واقف عند الباب في جيبه سرنجة سامة. سامح مش هيلحق يتكلم في التحقيقات لو مروان قرب منه. مروان جاي ينفذ تصفية! صلاح شحب وجهه، ونظر نحو مروان بشك قاطع. لكن صلاح كقائد متمرس لم يندفع، بل أومأ برأسه بثبات وقال بصوت خافض خليكي في مكانك يا دكتورة الشرطي المتقاعد اللي في الصف التالت جاهز، وأنا هديله إشارة.

توقفت الطائرة تمامًا. تعالت أصوات سحب المزالج الخارجية، وانطلقت صفارات التنبيه التي تعلن فتح الباب الرئيسي. في تلك اللحظة الحرجة، وقبل أن يتحرك صمام الباب بأجزاء من الثانية، انطلق مروان كالسهم من عند الباب متوجهًا نحو المقعد 1A حيث يجلس سامح المحاصر! أخرج من جيبه سرنجة صغيرة ذات سن معدني حاد، وعيناه مليئتان بالشر والاندفاع! صرختُ بأعلى صوتي احذر يا سامح! السرنجة! التفت سامح بفزع، وفي نفس اللحظة قفز الشرطي المتقاعد من مقعده واعترض طريق مروان بكل قوته، ليصطدم به ويسقطه على أرضية

الممر. طارت السرنجة من يد مروان واستقرت على بعد سنتيمترات من قدمي، بينما اندفع صلاح ومضيف آخر لتكبيل يديه وسحبه بعيدًا عن سامح! انفجر سامح في نوبة رعب حقيقية. كان يلهث بشدة وهو ينظر إلى السرنجة الملقاة على الأرض، وأدرك في تلك اللحظة بالذات أنه لم يكن سوى بيذق قابل للتضحية به من قبل الرؤوس الكبار في الشبكة. قال سامح بصوت مرتفع ويرتجف من الصدمة كانوا عايزين يق.تلوني؟! أنا اللي نظمت كل حاجة.. وهم عايزين يصفوني؟!

فتح باب الطائرة، وانهمرت قوة أمنية مكثفة من رجال النيابة العسكرية والشرطة الخاصة، يتقدمهم ضابط برتبة عميد، وبجوارهم دخل رجل بطول فارع يرتدي معطفًا أسود كان هو دكتور طارق! تنقستُ الصعداء حين رأيت طارق يدخل المقصورة. استدارت العيون كلها نحو القوة الأمنية وهي تبدأ بتكبيل شريف، ندى، دينا، مروان، وسامح الذي كان يصرخ بصوت هيستيري أنا هعترف بكل حاجة! الأوراق، والتحويلات، والأسماء الكبيرة اللي ورا العملية دي! بس أمنوني! تقدم طارق نحوي بخطوات واثقة، وابتسامة ارتياح على وجهه

حمد لله على السلامة يا ليلى ثباتك الانفعالي كان السبب الوحيد إننا نوقع بشبكة كاملة كانت بترعب قطاعات طبية ومالية بقالها سنين. ابتسمتُ بوهن وأنا أستند إلى المقعد شكراً يا طارق لولا رسائلك في الوقت المناسب، كنت دلوقتي متهمة في قضية تهريب أو إهمال طبي. لكن طريقة نظر طارق إليّ اتغيرت فجأة. انطفأت الابتسامة من على وجهه، وحلت محلها علامة تعجب وحيرة شديدة! سألني طارق بصوت منخفض ومستغرب رسائلي؟ ليلى أنا مبعتلكيش ولا رسالة واحدة طوال الرحلة! أنا كنت محظور من استخدام أي وسيلة تواصل عشان التسريبات الأمنية! أنا كنت بتابع تتبع الرحلة من غرفة عمليات المطار بس!

تجمدت الدموع في عيني. شعرت ببرودة أشد من كل ما مررت به خلال الرحلة. أخرجتُ هاتفي بسرعة، وفتحتُ شاشة الرسائل المعنونة ب رقم مجهول وفي تلك اللحظة بالذات، ورجال الشرطة يقتادون المتهمين خارج الطائرة، اهتز الهاتف في يدي للمرة الأخيرة ب رسالة جديدة طارق بيتكلم صح يا ليلى.. هو مبعتكِش حاجة. أنا اللي كنت ببعتلك كل كلمة.. وأنا اللي عارف كل تفصيلة في حياتك. الشبكة دي كانت مجرد تسخين اللعبة الحقيقية تبدأ أول ما تخرجي من المطار وتفتحي باب شقتك!

خرجتُ من الطائرة بخطوات ثقيلة، يحيط بي طارق ورجال الأمن، بينما كانت كاميرات الصحافة وأجهزة الإعلام تصوّر لحظة سحب سامح وعصابته في أصفادهم. كان المطار يضج بالحركة والهمهمات، لكن عقلي كان غائبًا تمامًا عن كل هذا الصخب. الرسالة الأخيرة كانت تتردد في ذهني كصدى مرعب أنا اللي كنت ببعتلك كل كلمة.. وأنا اللي عارف كل تفصيلة في حياتك. اللعبة الحقيقية تبدأ أول ما تخرجي من المطار وتفتحي باب شقتك!

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى