روايات

بعد نص ساعة من إقلاع الطيارة

التفتُّ إلى طارق أثناء سيرنا في صالة الوصول، وقلتُ بصوت متقطع طارق.. لو إنت مكنتش بتبعث الرسائل، يبقى مين اللي كان يوجهني بالحرف؟ مين اللي عارف بروتوكول 404؟ ومين اللي قدر يخترق شبكة الاتصالات على ارتفاع 30 ألف قدم؟! توقف طارق ونظر إليّ بملامح يملؤها القلق الحقيقي، وقال ليلى.. النظام اللي أرسل لك الرسائل استخدم سيرفر مشفر ومُعقد جدًا، تتبعناه مبدئيًا ولقينا مصدره مش جهاز فردي.. ده نظام مراقبة ذكي متصل بكاميرات الطائرة وحساباتك الشخصية من أسابيع! الشخص ده مش بس كان بيحميكي من سامح.. ده كان بيحرك سامح وشريف ضدك عشان يوصلك للنقطة دي بالذات!

اتسعت حدقتا عينيّ. أدركت في تلك اللحظة أن سامح وعصابته لم يكونوا سوى بياذق في لعبة أكبر بكثير، تم التضحية بهم ليتم التمهيد للمرحلة الثانية القادمة نحو بيتي! أنهيتُ إجراءات الشهادة السريعة في مكتب النيابة بالمطار، ورفضتُ دعوة طارق لمرافقتي بحراسة أمنية، لأنني أردتُ مواجهة هذا الظل المجهول بنفسي حاسمةً كل شكوكي. بعد ساعة، وصلتُ إلى بنايتي السكنية. كانت العمارة هادئة بشكل مريب، والإضاءة في المدخل ترمش باهتزاز. صعدتُ المصعد، وقلبي يدق بقوة تدوي في أذني.

وقفتُ أمام باب شقتي. أخرجتُ المفاتيح بيد ترتجف. وضعتُ المفتاح في القفل.. ودرتُ به دورة واحدة.. ثم الثانية. فتحتُ الباب ببطء. كانت الشقة مظلمة بالكامل، ونسيم هادئ يحمل رائحة عطر خشب الصندل العتيق يسري في المكان.. وهو نفس العطر الذي كان يفضله والدي المتوفى منذ سنوات! فجأة، أضاءت شاشة الكمبيوتر الخاص بي في منتصف الصالة المظلمة تلقائيًا! ظهرت على الشاشة الكبيرة صورة لي وأنا داخل الطائرة قبل ساعات، وبجوارها بث مباشر من داخل شقتي في هذه اللحظة بالذات، يُظهرني وأنا أقف عند الباب!

اهتز هاتفي في يدي ب رسالة جديدة ادخلي وافلي الباب يا ليلى.. متخافيش. أنا مش عدوك.. أنا الشخص اللي أدار حياتك وحماكي من اليوم اللي اتولدتي فيه. انظري للخلف.. في الزاوية المظلمة من الصالة. بلعتُ ريقي بصعوبة، ودرتُ بجسدي ببطء شديد نحو الزاوية المظلمة بجوار المكتبة هناك، وسط الظلام، تحرك ظل طويل بخطوات متزنة، حتى برز تحت ضوء شاشة الكمبيوتر خافتًا. ظهر رجل يرتدي معطفًا رماديًا، يحمل في يده ملفًا أسود قديمًا، وتلاميحه كانت تدعو للذهول

كان يحمل نفس ملامح وجهي، ونفس العيون! ابتسم الرجل بنبرة صوت دافئة ولكنها تحمل غموضًا يقطع الأنفاس، وقال أهلاً بكِ في بيتك يا ليلى أخيرًا كبرتِ وبقيتِ قادرة تفهمي اللعبة. أنا والدك اللي أوهموكِ إنه ما.ت من عشرين سنة! تجمّعت الدموع في عيني وصحتُ بذهول وصدمة بابا؟! مش ممكن.. إنت مي.ت! أنا دفنتك بإيدي! خطا خطوة أخرى نحوي، وفتح الملف الأسود ورفعه في وجهي، ليظهر من خلاله ختم سري للغاية

اللي دفنتيه كان مجرد جثة بديلة يا ليلى.. عشان أحميكي وأحمي نفسي من المنظمة اللي أنا وإنتِ طلعنا جزء منها.. وسامح والطيارة كانوا مجرد اختبار أخير عشان أتأكد إنك جاهزة للمعركة الحقيقية اللي تبدأ بكرة! وقف الزمان بالنسبة لي، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أنظر إلى ذلك الوجه الذي طالما طاردني في أحلامي. ملامح والدي، نفس العينين ونفس انحناءة الجبين، ولكن بنظرة أكثر قسوة وغموضًا مما كنت أذكره في طفولتي.

قلت بصوت يرتجف من الصدمة والغضب اختبار؟! أنت تتكلم عن حياتي وشرفي وسمعتي بصفتها مجرد اختبار؟! أنت سيبتني عشرين سنة أعتقد إنك ميت، والنهاردة جاي تقولي كل الفوضى اللي حصلت في الطيارة دي كانت من ترتيبك؟! ابتسم والدي ابتسامة هادئة، وحرك الملف الأسود بين يديه قائلاً بصوت واثق سامح وشريف ودينا كانوا مجرد أدوات رخيصة استخدمتها المنظمة عشان

يمسكوا عليكِ نقطة ضعف ويجبروكِ تشتغلي لحسابهم، تمامًا زي ما حاولوا يعملوا معايا من عشرين سنة. لما عرفت الخطة، دخلت على السيرفرات، وجلبتك لبر الأمان بالرسائل، وخلّيتك تكسريهم بنفسك. أنتِ بنتي يا ليلى ذكائك وثباتك النهارده أثبتوا لي إنك الوحيدة اللي تقدر تكمل معايا الحرب دي. تراجعتُ خطوة للخلف، وأمسكت بمقبض الباب المغلق خلفي. لم أعد أعرف من القاتل ومن المنقذ، مَن العدو ومَن الصديق. رفعت رأسي ونظرت في عينيه بثبات استجمعتُه من أعمق نقطة في روحي وقلت

لو فاكر إن بعد كل اللي مريت بيه النهارده، هكون مجرد حجر شطرنج في حربك الخاصة تبقى غلطان يا بابا. أنا دكتورة ليلى، مش امتداد لأسرارك ولا لعبة في إيد المنظمة ولا في إيدك! في تلك اللحظة، تعالت أصوات خطوات سريعة ومتقاربة خارج الشقة، وفجأة انكسر قفل الباب بقوة ودخل دكتور طارق وبرفقته قوة أمنية مكثفة من النيابة العسكرية! صدم طارق لما رأى الرجل الواقف في الصالة، لكنه رفع سلاحه بثبات

وقوة قائلاً دكتور عبد الرحمن سلم نفسك! المراقبة الإلكترونية اللي استخدمتها لتتبع الطائرة كشفت موقعك الأخير هنا. نظر والدي إلى طارق، ثم نظر إليّ بابتسامة غامضة، ولم يبدِ أي مقاومة. وضع الملف الأسود ببطء على الطاولة أمامي، وقال بنبرة هادئة وهو يرفع يديه للاستسلام الملف ده فيه كل الأسماء، كل التحويلات، وكل المؤامرات الطبية اللي بتحصل في الخفاء يا ليلى القرار دلوقتي بين إيديكِ أنتِ. اقتادت القوة الأمنية عبد الرحمن إلى الخارج. وقبل أن يختفي خلف الباب، التفت إليّ وقال جملته الأخيرة

اللعبة ما انتهتش اللعبة يادوب بدأت بإيدك أنتِ. عمّ الصمت الشقة المظلمة، ولم يتبقَ فيها سوى صوت أنفاسي المتسارعة، والدكتور طارق الواقف بجواري وهو ينظر إليّ بقلق. نظرتُ إلى الطاولة، حيث يربض ذلك الملف الأسود تحت ضوء شاشة الكمبيوتر الخافت. مددتُ يدي ببطء، وأمسكت به، وأنا أعلم تمامًا أن حياتي قبل هذه الليلة لن تكون أبدا كما بعدها. فتحتُ الصفحة الأولى من الملف وبدأت الفصل الجديد من قصتي.

انت في الصفحة 6 من 6 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى