روايات

بعد الخلفه

جوزي بص لأبوه، وبص لسماح اللي كانت ماسكة في دراعه وبتوشوشه بفرك وإلحاح، وظهرت على وش خيبة أمل وبداية تردد.. بس الشيطان كان خلاص تمكن منه… سحب إيده بالراحة من مسكة سماح، وبص لأبوه بعيون مليانة حقد وقسوة وقال بصوت طالع بالعافية: “تمام يا بابا.. طالما وصلت للض.رب والإهانة عشان خاطر دي، يبقى القعدة دي مالهاش لازمة.. أنا مش هطلق مراتي، والدهب والشقة بقوا بتوعها خلاص، واللقمة اللي هتاكلها معايا شرف ليها!”

سماح أول ما سمعت كلماته، عينيا لمعت بالنصر، وابتسمت ابتسامة خبيثة وهي بتشد ابنها لجنبها وبتتعدل في قعدتها كأنها ملكت الدنيا. بس أبوه ما استناش، صوته خرج كأنه رعد هز الصالة: “خرجتك من ذمتي ومن حياتي يا عزت! ملعون في كل خطوة تخطيها، ولا أنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين!” أخوه الكبير قرب منه وبص له بقرف، وشاور له على الباب وقال: “خد الزبالة اللي معاك واطلع بره.. بره بيتنا يا عزت قبل ما أخلي البوليس ييجي يشيلكم من هنا بتهمة السرقة والنصب!”

عزت شد سماح من إيدها بغل، ومشي ناحية الباب، وقبل ما يخرج بصلنا بابتسامة مستفزة وقال: “أعلى ما في خيلكم اركبوه.. الشقة مكتوبة بعقد رسمي، والدهب معاها، وورقة طلاقك يا كحيانة هتوصلك لحد عندك!” خرجوا وهبدوا الباب وراهم، وسابوا الصالة في حالة غليان. أمي قعدت على أقرب كرسي وهي بتلتقط أنفاسها وتدعي عليهم بحرقة قلب، وأنا واقفة في نص الصالة، جبل الثلج اللي كان على صدري ساح، وحل محله بركان.

قربت من الحاج عبد العظيم، وبصيت له بكل ثبات وقلت بصوت ما فيهوش نقطة ضعف واحدة: “يا حاج.. ابنك اختار طريق، وأنا خلاص طويت صفحتكم أنت وهو.. بس الشقة دي شقايا، والدهب ده عرق عمري، وابني مش هيروح حقه.. من بكرة الصبح أنا هرفع قضايا تمكين وسرقة وطاعة وتزوير، ومش هسيب شبر واحد لحد ما آخده من عينيهم.” أبوه بصلي بكسرة ونزل رأسه في الأرض وقال: “لكِ عليّ يا بنتي أقوف معاكي قدام المحاكم بنفسي، وأشهد بالحق لو طلبوني.. حقك وحق ابنك في رقبتي ليوم الدين.”

خرجت من البيت ده وأنا مش نفس الست المكسورة اللي دخلته من ساعتين.. كانت بداية نهاية الخوف، وبداية حرب مش هتنتهي غير لما كل واحد يرجع لمكانه الطبيعي. تاني يوم الصبح، كانت شمس جديدة بتطلع، بس السماء جوايا كانت لسه مفيهاش نقطة نور واحدة.. بس الفرق إن الخوف اتكسر، والكسرة اتحولت لقسوة وثبات عمرهم ما كانوا في طبعي. نزلت من بيت أمي بدري، وأنا ماسكة شنطة أوراقي والموبايل اللي عليه كل البلاوي. اتجهت للمحامي، راجل كبير وشاطر في قضايا الأسرة والتزوير.. دخلت عليه وقعدت قصاده، وحطيت الموبايل والأوراق على المكتب وقلت له بكلمات حادة زي السيف:

“أنا مش جاية أتحسر يا متر.. أنا جاية آخد حقي وحق ابني، ومش عايزة أطلع من المعركة دي غير وهم مكسورين ومسحوبين للمحاكم.” المحامي فتح الموبايل، اتفرج على الصور والفيديوهات، وسمع الرسائل الصوتية وهو بيهز رأسه باستنكار وقرف، وبعدها بصلي وقال: “القضية دي مش قضية طلاق ونفقة عادية يا مدام.. دي فيها سرقة، ونصب، وتزوير، واستيلاء على حيازة.. الفيديوهات دي دليل قوي جداً، وكلامه عن طردك بالحيّة دي يثبت نية الغدر. غير إن أبوه وأخواته لما يشهدوا معاكي، موقفنا هيبقى زي الحديد.”

بدأنا التحرك فوراً؛ المحامي عمل محضر إثبات حالة بسرقة الدهب والمنقولات الزوجية، واستصدرنا قرار تمكين سريع للشقة باعتبارها شقة الزوجية وفيها طفل. في نفس الوقت، كان عزت وسماح عايشين في الشقة وكأن الدنيا دانت ليهم.. سماح كانت كل يوم تنزل صور وهي لابسة هدومي ومتصورة في بلكونة شقتي، كأنها بتستفزني وبتقولي ‘أنا هنا وأنتِ بره’. بس هي ما كانتش تعرف إن الاستفزاز ده كان بيديني أدلة جديدة بقدمها في المحكمة أول بأول.

عدى أسبوعين، وكانت الصدمة الأولى نازلة على دماغهم من السماء. في يوم الصبح، البوليس خبط على باب الشقة ومعه المحضر وقرار التمكين. سماح فتحت الباب وهي لابسة الروب بتاعي، وفاكرة إنها خلاص بقت ست البيت، لتتفاجأ بالظابط والرجالة واقفين وبيرموها بره الشقة فوراً لتنفيذ قرار التمكين! عزت خرج يزعق ويقول: “الشقة دي ملك مراتي وباسمهام مكتوبة بعقد رسمي!” رد عليه الضابط بصرامة وقساوة: “العقد ده مطعون فيه بالتزوير والإضرار بحق الزوجة والحاضنة، وأمامك المحكمة تفض النزاع.. دلوقتي تتفضل تطلع بره أنت وهي بالهدوم اللي عليكم بس، والشقة ترجع لصاحبتها!”

سماح بدأت تصرخ وتصوّت في الممر والعمائر المحيطة، وعزت وشه بقا أصفر زي الليمونة ومذهول من أثر ضر.بة القانون السريعة. وفي اللحظة دي بالذات، نزلت أنا وأمي من الأسانسير، وقفت قصادهم في الممر، وبصيت في عين سماح اللي كانت بتعيط من القهر والفضايح قدام الجيران، وقربت منها وقلت بصوت واطي وواثق: “افتكرتى لما كتبتيلي ‘تعالي نضفي الشقة واديكى لقمه ‘؟ الشقة رجعت لستها، والدهب هيرجع بالقانون، وأنتِ ورجلك اللي اتباهيتي بيه طلعتوا بره الشارع في ثواني.. واللعبة يلا لسه في أولها.”

عزت بقى واقف في الممر زي الأبلة، مش عارف يلم الفضيحة ولا يداري وشها من نظرات الجيران اللي مالين الشبابيك والسلالم وبيتهامسوا بقرف على اللي عملوه. سماح كانت بتصرخ بصوت حاد وهي بتلم بواقي حاجتها في شنطة بلاستيك: “أنت واقف تتفرج عليّ كده ليه يا عزت؟! مش قولتلي الشقة دي مكتوبة باسمي وما فيش مخلوق يقدر يخرجني منها؟! اتصرف يا راجل بدال ما إحنا مرميين في الشارع كده!” عزت قرب من الضابط بقلة حيلة وبينهد: “يا باشا الشقة دي بتاعتي وأنا كاتبها لها بعقد.. ينفع ترمينا في الشارع كده في ثانية؟”

رد عليه الضابط بنفاذ صبر وهو بيزقه بعيد عن الباب: “أنا هنا بتنفذ قرار نيابة بتمكين الزوجة والحاضنة، عندك اعتراض اطلع على النيابة أو أقم دعوى، لكن هنا الشقة بتتقفل وتسلم للست، اتفضلوا أنزلوا معايا من غير شوشرة بدال ما أخدكم على القسم بتهمة مقاومة سلطات.” سماح بصتلي بعيون مليانة غل وشماتتها كلها اتحولت لكسرة حقيقية، أخدت ابنها من إيده والشنطة في الإيد الثانية، ونزلت تجري على السلالم وهي بتتحسبن وتصوت. عزت مشي وراها وشه في الأرض، وكل خطوة كان بيمشيها كانت بتبعده عن البيت وعن الهيبة اللي كانت عنده.

غيرت كوالين الباب في ساعتها بمساعدة المحامي ورجال الشرطة، ودخلت شقتي.. أول ما دخلت، ريحة البيت والمكان كانت محملة بوجع كبير، بس لما بصيت لأمي لقيتها بتبتسم ابتسامة فخر وقالتلي: “أول خطوة في حقك يا بنتي.. واللي جاي هيخليهم يندموا على اليوم اللي اتولدوا فيه.” عدى كام يوم، وكان عزت فاكر إن المشكلة وقفت عند الشقة، بس المحامي كان شغال في الثقيل. اترُفعت عليه قضية تبديد منقولات زوجية بجميع محتويات الشقة والدهب المدون في القائمة، بالإضافة لقضية تزوير ونصب لإثبات بطلان عقد البيع اللي عمله لسماح بدون وجه حق لإضراره بحقوق الزوجة.

في يوم كان عندي جلسة في المحكمة، وكنت قاعدة مع المحامي مستنية دورنا. فجأة لقيت عزت داخل القاعة، بس ما كانش عزت بتاع زمان.. كان وشه بهتان، هدومه مش متوضبة، وما كانش معاه سماح ولا حد من أهله. أبوه وإخواته كانوا قاعدين في الصالة جنبنا، وأول ما عزت قرب يسلم على أبوه، الحاج عبد العظيم طنشه وبص الناحية الثانية وقاله بصوت جاف: “ابعد عني يا عزت.. مالكش أب هنا.”

عزت قرب مني بإيدين بترتعش، ونبرة صوته المرة دي كانت مكسورة كلياً، ما فيهاش أي بجاحة من بتاعة زمان: “علشان خاطر ابننا يا بنت الناس.. بلاش محاكم وقضايا، أنا اتضحك عليّ وأتعملي عمل.. سماح هي اللي جرجرتني للطرِيق ده وحسستني إنك مش مقدراني، وحياة ابننا تسحبي القضايا وأنا هطلقها بكرة وأرجعلك كل حاجة!”

بصيت في عينيه بثبات، وبنبرة أبرد من الثلج قلت له: “اللي يتضحك عليه في بيته وعرضه ودهب مراته ما يبقاش راجل يا عزت.. أنت ما اتضحكش عليك، أنت اخترت ورخصت، وسماح مش هي اللي رمتك بره حياتك.. أنت اللي رميت نفسك لما بعت اللي صانتك عشان واحدة دخلت بيتك شحاتة. والقانون هو اللي هيتكلم بينا، مش ابننا.” وقف عزت مصدوم من برودي، وشفت في عينيه لأول مرة خيبة الأمل والندم الحقيقي، لكن ندم بعد فوات الأوان. قبل ما ينطق بكلمة ثانية، القاضي نده على قضيتنا.

دخلنا القاعة، والمحامي بتاعي وقف واستعرض كل الأدلة: الفيديوهات، والرسائل، وشاهداً على العقد الباطل، وشهادة الحاج عبد العظيم اللي وقف بكل شجاعة وقال للقاضي: “يا سيادة القاضي، ابني ده ظلم مراته وشهادة الحق تقال، الشقة والدهب دول حقها وحق ابنها، وهو أضر بيها عشان يرضي واحدة غريبة.”

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى