
تاني يوم الصبح، نزلت الشارع وأنا حاسس إن كل الناس بتبصلي بنظرات مريبة. المنطقة عندنا صغيرة، والأخبار فيها بتطير زي الڼار في القش. اكتشفت إن طليقتي الحالية وعيلتها ما اكتفوش باللي أخدوه مني تحت الټه.ديد والابت.زاز؛ دول بدأوا ينشروا في المنطقة إني دخلت بيتهم واستقويت عليهم وحاولت أعتدي عليها، وإنهم ستروا عليا ورمولي ورقتي عشان مش عايزين فضايح!
الناس اللي كانت بتسلم عليا وبتحترمني، بقت تتفاداني في الشارع. صحابي اللي كنت بقعد معاهم على القهوة، بقوا ينسحبوا واحد ورا التاني لما أقرب منهم. حسيت بقمة القهر والوحدة.. بقيت ماش في الشارع زي المجذوب، مش عارف أدافع عن نفسي إزاي ولا أقول إيه، لأني لو حكيت الحقيقة محدش هيصدقني، ولو سكت التهمة ثابتة عليا. في وسط القرف دا كله، جالي اتصال من رقم غريب. فتحت الخط بصوت مبحوح ألو؟
جالي صوت راجل كبير، هادي بس حاسم أنت الأستاذ؟ قلتله أيوه أنا.. مين معايا؟ قاللي أنا والد اسم خطيبتك الأولى.. عايز أقابلك. قدامك ساعة وتجيلي المكان اللي هبعتهولك في رسالة. قلبي اتخلع من مكانه. والدها؟ الراجل الطيب المحترم اللي كان بيعاملني زي ابنه، الراجل اللي لما فسخت الخطوبة مع بنته اتعامل معايا بكل أدب ورجولة وما طلبش مني غير إننا نخرج بالمعروف! إيه اللي خلاه يطلب يقابلني دلوقتي؟ وهل الرسالة اللي بنته بعتتهالي ليها علاقة بالدعوة دي؟
وصلت الكافيه اللي حدده. كان قاعد في زاوية بعيدة، حاطط إيده على عصايته وبيبص بره الشباك. قربت منه بخطوات مرتعشة، حسيت إني صغرت أوي قدامه. السلام عليكم يا عمي.. رفع عينه وبصلي. ما شفتش في عينه ڠضب ولا اڼتقام، شفت فيهم نظرة أسف وحزن عميق، نظرة وجعتني أكتر من لو كان ضړبني. اقعد يا ابني. قالها بصوت واطي. قعدت وأنا باصص للأرض، مش قادر أحط عيني في عينه. قاللي بتنهيدة طويلة أنا عرفت كل اللي حصل معاك الفترة اللي فاتت.. وعرفت اللي عملته طليقتك وأهلها فيك، وعرفت إنك بعت عربيتك وخسړت تحويشة عمرك وقاعد في بيتك مكسور.
بلعت ريقي بصعوبة وقلتله أنا أستاهل يا عمي.. أنا ربنا بيخلص مني ذنب بنتك. أنا جيت عليها وظلمتها، وربنا ردها لي في أشد حاجة بمتلكها. الراجل سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه مظروف بني حطه على الترابيزة ودزّه ناحيتي. بصيت للمظروف باستغراب إيه دا يا عمي؟ قاللي دا حقك.. دي بقية فلوسك وقيمتك اللي طليقتك التانية نصبوا عليك فيها وأخدوها منك بالټه.ديد. فتحت المظروف وأنا مذهول، لقيت فيه أوراق القايمة الأصلية، وإيصالات استلام الشبكة، ومبلغ مالي كبير كاش! إيديا اتجمدت مكانها، وبصيت للراجل وأنا مش فاهم أي حاجة أنا مش فاهم.. الحاجات دي وصلت لحضرتك إزاي؟! وطليقتي وعيلتها أداهالك إزاي؟!
ابتسم الراجل ابتسامة خفيفة مليانة حكم المرارة وقاللي أنا أختي تبقى متجوزة عم طليقتك الجديدة.. ولما بنتي حكتلي زمان عن اللي عملته فيها، وأنك سيبتها بعد ما وجعت ضميرها وكسرت نفسها، أنا ما دعتش عليك.. أنا بس رفعت إيدي للسما وقلت يا رب، لو بنتي مظلومة، أريه عدلك في الدنيا قبل الآخرة. كمل كلامه وهو بيطبطب على الترابيزة ولما سمعت عن اللي حصل معاك من قريبنا عم البنت، وأنهم عملوا عليك تمثيلية وابت.زوك عشان ياخدوا منك القايمة والشبكة وفلوسك، أنا ما فرحتش فيك.. بس بنتي هي اللي اتحركت.
أتسمرت مكان في الكرسي بنتك؟! قاللي أيوه.. بنتي اللي أنت فكرت إنها ضعفَت واستسلمت. بنتي عرفت تفاصيل اللعبة كلها من قرايبنا، وقدرت توصل لتسجيلات ومحادثات قة بين طليقتك والشاب اللي كانت على علاقة بيه زمان، محادثات فيها اعتراف صريح بإنها بتتفق مع أهلها يعملوا كدة مع أي حد يتقدم لها عشان يبت.زوه وياخدوا منه مؤجل وقايمة! بنتي راحت لعم البنت ولأبوها، وواجهتهم بالدلايل دي كلها، وقالتلهم يا إما بتردوا للراجل دا حقه وفلوسه بالكامل وتقفلوا بوقكم وتطلعوا تبرأوه قدام الناس، يا إما الفضايح دي والتسجيلات دي هتكون في القسم والنيابة وساعتها بنتكوا وأخوها هيدخلوا السچن پتهمة ابت.زاز وتزوير.
أنا كنت أسمع الكلام دا ودموعي نازلة من غير ما أحس.. الفك بتاعي كان بيرعش. البنت اللي أنا استضعفتها.. البنت اللي أنا استغليت جهلها وقلة خبرتها واقټحمت حياتها وعلمتها الغلط ودست على ضميرها، هي نفسها اللي راحت وجابتلي حقي! هي نفسها اللي وقفت قدام عيلة كاملة بتستغل الناس، وجابتلي كرامتي وفلوس أخدوها مني بالقوة والټه.ديد! سألته بصوت مخڼوق هي.. هي عملت كدة ليه؟ بعد كل اللي أنا عملته فيها؟
والدها قام وقف، مسك عصايته وبصلي أخر نظرة وقاللي عملت كدة عشان هي تربية راجل.. وعشان لما بعتتلها تقولها أنا أخدت نصيبي وزيادة وبتمنى توقفي دعا، هي بعتتلك تقولك القصة لسه ما خلصتش عشان كانت عايزة تقولك إن عدل ربنا مش بس إنه ينتقم منك.. عدل ربنا إنه يخليك تشوف إن البنت اللي أنت رميتها ونعتها بالنكدية وشفتها مفيش منها فايدة، هي الوحيدة اللي صانتك وردتلك حقك لما أقرب الناس ليك نهبوك ورموك في الشارع.
الراجل ساب المظروف ومشي.. سابني قاعد في الكافيه لوحدي، قدامي فلوسي وكرامتي اللي اتقصت، بس روحي من جوه كانت بټمو.ت. طلعت يجري بره الكافيه، ركبت تاكسي ورحت لبيتها. طلعت السلم بسرعة چنونية، وقفت قدام باب شقتهم وخبطت. فتحتلي أمها، بصتلي بهدوء وقالتلي ادخل يا ابني. دخلت الصالة.. لقيتها واقفة هناك. كانت لابسة إسدالها الصلاة، وشها هادي، صافي، فيه نور عجيب ما شفتوش قبل كدة. ما كانش فيه في عينها أي كره، ولا اڼتقام، ولا حتى تشفي.
قربت منها وأنا مبحوح، نزل على ركبي قدامها في الصالة وأنا بعيط زي الطفل سامحيني.. والله العظيم أنا آسف.. أنا أوسخ بني آدم على وش الأرض. أنا عرفت قيمتك، عرفت إنك أطهر وأنضف حاجة دخلت حياتي وأنا بإيدي دمرتها. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا.. مستعد أعيش خدام تحت رجليكي، بس سامحيني وارجعيلي. بصتلي وهي واقفة، مكانها ثابت ما اتهزتش. بصتلي بنظرة كلها رحقة شفقة، وقالتلي بصوت هادي جداً، صوت زي النسمة بس قطع كل أمل جوايا
أنا سامحتك من زمان يا اسمك.. سامحتك لوجه الله عشان أعرف أعيش وأكمل حياتي من غير ما أكون شايلة كره في قلبي. بس الرجوع؟ دا المستحيل بعينه. رفعت وشي ليها وأنا بترجاها ليه؟ طالما سامحتيني وجبتيلي حقي.. ليه رافضة نبتدى من جديد؟ قالتلي وهي بتبتعد خطوة لورا أنا جبتلك حقك عشان ربنا أمرنا بالعدل، وعشان ما أقبلش إن حد يظلمك حتى لو كان خصمي.. أنا جبتلك حقك عشان أثبت لنفسي وليك إن ربنا ما بيبسيبش مظلوم، وعشان أقفل صفحتك من حياتي وأنا ضامنة إني ما ظالمتكش ولا شمت فيك.
كملت وهي بتحط إيدها على قلبها لكن المشاعر اللي ماټت بسبب القسۏة والضغط وتأنيب الضمير.. ما بتمو.تش وترجع تاني. أنا دلوقتي واحدة تانية خالص غير البنت الساذجة اللي كانت بتصدق كل كلمة بتجاملها بيها. أنا عرفت ربنا، وعرفت قيمة نفسي.. وأنت، بقيت بالنسبة لي مجرد درس قاسې اتعلمت منه، والدرس خلاص انتصى. وقفت على رجلي وأنا حاسس إن الدنيا كلها فضيت حواليا. الفلوس في إيدي ملهاش أي قيمة، الحق اللي رجعلي ملوش أي طعم.. لأن الحاجة الوحيدة اللي كانت ممكن تنقذ روحي وتباركلي في حياتي، راحت مني وللأبد.. بإيدي أنا.
سيبت البيت ونزلت.. مشيت في الشارع وأنا شايل حقيبتي وفلوسي، بس قلبي كان فاضي تماماً. عرفت إن أصعب عقاپ ممكن يتدوقه إنسان مش إنه يخسر فلوسه أو يتض.رب أو يتهان.. أصعب عقاپ إن ربنا يخليك تشوف النعمة اللي كانت في إيدك، وتعرف قدرها وحقيقتها، في نفس اللحظة اللي تتأكد فيها إنك مستحيل تطولها تاني. الشارع كان فاضي والهدوء قاټل. الفلوس والمستندات في إيدي وزنها أتقل من الجبال، ومشيت مسافة طويلة مش عارف
أنا رايح فين ولا أقدامي واخداني لفيين. كل خطوة كنت بمسح دموعي وأفتكر نظرتها الأخيره.. نظرة الست القوية اللي سامحت بس قفلت الباب للأبد. وصلت البيت، ودخلت. أمي وأختي كانوا قاعدين قلقانين، أول ما شافوا المظروف والورق في إيدي، أختي قامت شهقت إيه دا؟! الحاجات دي جيبتها إزاي؟! حطيت المظروف على الترابيزة وقعدت على أقرب كرسي. حكيتلهم كل حاجة.. حكيتلهم إزاي البنت اللي أنا رميتها وظلمتها، هي اللي جابتلي حقي وحمتني من السچن والفضايح، وإزاي ردتلي كرامتي قدام العيلة والمنطقة، وفي الآخر رفضت ترجعلي وقالتلي إن الدرس انتهى.




