روايات

وصلت البيت 1

المعلم توفيق الجبلي؟ الاسم وقع على ودني زي الصاعقة! افتكرت الاسم ده فوراً.. دا راجل من أكبر تجار العقارات والأراضي القديمة في وسط البلد، كان دايماً بيجي يقعد في المطعم بتاع أمي، وكان يحاول يشتري أصل عقد المحل والبيت بأرقام خيالية وأمي كانت بترفض وتطرده كل مرة وتقول له: “اللي بيعرق في شبر يا توفيق، ما بيبيعوش بمال القارون!”. بقيت واضحة دلوقتي.. طارق ما كانش بيتجوزني حب ولا عشرة! طارق وأمه كانوا عارفين إن فيه حاجة مستخبية هنا.. كانوا بيحاولوا يستولوا على البيت عشان ينقبوا ويفتشوا تحت الساتر العائلي، ولما طردتهم، المعلم توفيق قرر يلعب في المفتوح ويستخدم الكروت الثقيلة!

نزلت بسرعة من على السلم، رجليا كأنها شايلا جبال.. الشارع كان فاضي تقريباً وعم سيد البواب مش موجود، باين طارق طرده أو هدد بأي حاجة عشان يفضي الشارع! وقفت ورا الباب الحديد وبيني وبينهم سنتيمترات، وقُلت بثبات: – «المعلم توفيق ملوش عندي حاجة.. والأوراق وبلاطة الفرن دي ملكي أنا وبس.. لو راجل يقرب من الشارع ده، وقسم الشرطة أهو على بعد خطوات، وأقسم بالله لأقلبها قضية رأي عام، وأنتوا عارفين المستشفى اللي بشتغل فيها وشغلي مع الدكاترة والكبارات!»

الراجل اللي جرحه في خده قرب من الشباك الصغير بتاع الباب الحديد وغمز بعينه: – «تمام يا ست ندى.. الليلة دي إحنا هنمشي احتراماً للوصية.. بس افتكري كويس، البلاطة دي مش تحتيها ذهب ولا فلوس.. تحتيها اللي يودي رقاب كتير في حبل المشنقة.. أولهم طارق جوزك، وأولهم ناس في المنطقة أنتِ فاكراهم أهلك وسندك! معاكي لحد بكرة العصر.. يا تتصلي بالرقم ده، يا هتلاقي المحل والبيت قايدة فيهم النار!» رمى كارت صغير من فتحة الباب، ومشوا التلاتة واستقلوا عربية جيب سودة اختفت في ظلام المعادي.

نزلت على ركبي في الجنينة.. مسكت الكارت وبصيت له.. كان عليه رقم تليفون واسم: “توفيق الجبلي – للمقاولات والتجارة”. قلبي كان بيذق بعنف، حاسة إن في شبكة كبيرة ومظلمة كانت ملفوفة حوليا طوال الخمس سنين اللي فاتوا وأنا مغمية عيني.. طارق الجوز اللطيف اللي كان بيتمسكن، وأمه الحاجة صفية اللي كانت بتدعي التدين والطيبة، وتوفيق الجبلي الراجل الثري الجشع.. كلهم كانوا أطراف في لعبة واحدة، والضحية كانت أمي فاطمة.. وأنا! دخلت البيت وقفلت الباب بـ مية قفل.. ودخلت المطبخ سحبت أداة حادة، ورجعت على الأوضة فوق.. طلعت الورقة المقطوعة وقعدت اقرأ الجملة تاني وتاني:

«يا ندى يا بنتي.. البيت ده مش مجرد ورث.. البيت ده تحته سر دفنه أبوكِ قبل ما يمو.ت، وسر تاني خالص طارق وأمه بيمو.توا عشان يوصلوا له من قبل ما يتجوزك.. أوعديني لو حصل لي حاجة، ما تفتحيش الخزنة اللي تحت بلاطة الفرن في المطعم القديم إلا وأنتِ معاكي…» معايا إيه؟! النص التاني من الورقة مقطوع!

بدأت أفتش في كل حتة في الأوضة.. في المكتبة القديمة، في أدراج أمي، تحت الملايات، جوه علب الخياطة.. ساعة كامة وأنا بقلب الأوضة حتة حتة والعرَق نازل على وشي زي المطر.. ولما فقدت الأمل وقعدت على الأرض أعيا من التعب واليأس، عيني جت على حاجة صديدة قديمة محطوطة على تسريحة أمي.. برطمان زجاجي صغير، جوا منه “مصنع الفول” الصغير جداً المصنوع من النحاس، اللي كانت أمي تحط فيه الصدقات ودعوات الناس الطيبين.. مسكت البرطمان وكسرته على الأرض.. وبين القطع الزجاجية، لقيت الورقة الصغيرة المطوية المقطوعة!

جمعت الحتتين جنب بعض.. اكتمل النص! وقرأت الجملة المتبقية: nextpage–> «… إلا وأنتِ معاكي (المفتاح الفضي) اللي سايباهولك جوه السلسلة اللي في رقبتك.. المفتاح ده مش بيفتح الخزنة بس يا ندى.. المفتاح ده بيفتح باب حقيقة أبوج.. حقيقة إن أبوج ما ماتش في حادثة زي ما الكل فاهم.. أبوج اتقتل عشان العقد الأصلي بتاع أرض السوق كله!» أنفاسي اتجمدت! أبويا اتقتل؟ وأمي عاشت طول عمرها كتمة السر ده عشان تحميني؟ وفجأة.. تليفوني رن! بصيت على الشاشة.. كان رقم طارق!

ترددت ثانية، وبعدين فتحت الخط وحطيته على ودني من غير ما أتكلم. صوت طارق خرج من التليفون، بس ما كانش الصوت المنكسر ولا الغضبان بتاع شوية فاتوا.. كان صوت هادي، بارد، فيه حشرجة شريرة عمري ما سمعتها منه قبل كده: – «ندى.. أظن التلاتة بتوع المعلم توفيق زاروكِ ووصلولك الرسالة، صح؟» اتخنق صوتي من البكاء والصدمة: – «إنت.. إنت متفق معاهم يا طارق؟ إنت اللي تسلطهم عليا؟» ضحك طارق بصوت واطي ومستفز:

– «تسليط إيه يا عبيطة؟ المعلم توفيق ده نبقى إحنا شركاؤه! أمك فاطمة كانت فاكرة نفسها أذكى من السوق كله.. قفلت على الأوراق وسابتنا نلهث وراها سنوات.. أنا اتجوزتك بناءً على طلب أمي والمعلم توفيق يا ندى! خمس سنين صابر عليكي وعلى قرفك وعلى تمريضك وعلى وردياتك اللي بتخلص نص الليل، كل ده عشان حظة زي دي! عشان اليوم اللي أمك تمو.ت فيه وتستلمي الورث وتفتحي البلاطة!» الدموع نزلت من عيني سخنة زي النار، بس كانت دموع تطهير.. قسوة الحقيقة قطعت آخر خيط كان بيبقيني على الشخص ده.

انت في الصفحة 4 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى