
طارق كمل بثقة: – «اسمعيني كويس يا ندى.. البلاطة دي هتتفتح بكرة العصر، والمستندات والعقد الأصلي بتاع أراضي السوق هيرجعوا للمعلم توفيق، وهتتنازلي عن البيت ده بالرضا.. مقابل إنك تاخدي مليون جنيه وتبدأي حياتك بعيد عننا وتطلعي باللي باقي من كرامتك.. لو رفضتي؟ البلاطة هتتفتح برضه، بس ساعتها مش هتكوني موجودة عشان تصرفي المليون جنيه.. ولا حتى عشان تشوفي بكرة!» سكتت لحظة.. مسحت دموعي بإيدي بصلابة.. وقفت على رجليا وحسيت بنبض جديد بيسري في جسمي.. نبض بنت فاطمة وبنت الراجل اللي اتقتل وغدروا بيه!
قُلت له بنبرة صوت ما فيهاش نقطة انكسار واحدة، وبكل برود أذهله هو شخصياً: – «طارق.. أنت فاكر إنك راجل وأذكياء؟ أنت وأمك والمعلم توفيق مجرد حشرات بتتغذى على أوجاع الناس.. وأنا مش ندى البصامة بتاعت زمان.. بكرة العصر؟ بكرة العصر مش هيكون وقت فتح البلاطة ليكم.. بكرة العصر هيكون جنازتك أنت وشركائك في السوق وفي الشرطة وفي كل حتة خنتوا فيها ربنا!» قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة.. ومسكت السلسلة النحاس اللي في رقبتي.. خنقت المفتاح الفضي الصغير بين صوابعي..
المعركة ما بقتش على بيت أو شقة.. المعركة بقت على تار أبويا وحق أمي وحياتي أنا! نزلت تحت، وفتحت درج المكتب القديم.. طلعت أجندة أمي وفهرس الأسماء، وبدأت أدوّر على اسم واحد بس كانت أمي دايماً بتقولي عليه: “لو الدنيا اسودت في وشك يا ندى وما لقيتيش ظهر، كلمي الراجل ده.. ده اللي فاضل من ريحة الشرفاء”. لقيت الاسم مكتوب بالبند العريض: “اللواء المتقاعد / حمزة العطار – مباحث الأموال العامة والقتل العمد”. رفعت التليفون ودست على الأرقام وحطيت الجهاز على ودني وأنا ببتسم ابتسامة الانتقام…
تفتكروا اللواء حمزة العطار هيقف مع ندى؟ ولا طلع هو كمان طرف في لعبة أقدم وأكبر مما تتخيل؟ وإيه اللي حيحصل لما ندى تنزل بنفسها تفتح بلاطة الفرن قبل العصر؟ nextpage–> الجزء الرابع صوت رنات التليفون كان بينبض في ودني زي ساعة توقيت بتعد التنازلي لمعركة حياتي.. كل رنة كانت بتاخد معاها حتة من الخوف اللي سكن قلبي سنين، وبتبدله بصلابة جانيت من وسط الوجع. – «ألو.. مين معايا؟» صوت الراجل كان رخيم، فيه صرامة قاطعة تحسسك إنك بتكلم سد حجر مش مجرد بني أدم.. صوت اللواء حمزة العطار.
أخذت نفس عميق، وقُلت بنبرة ثابتة رغم المجهود: – «مساء الخير يا سيادة اللواء.. أنا ندى.. ندى بنت المرحوم عبد الحميد وبنت الحجة فاطمة بتاعة مطعم وسط البلد.» سكوت مفاجئ خيّم على الناحية التانية من الخط.. سكوت تقيل، وبعدها سمعت صوت نفس عميق وزفير هادي، قبل ما يترد عليا بصوت اتغيرت نبرته تماماً وبقت فيها دفء وأبوّة غير متوقعة:
– «ندى؟ بنت فاطمة؟ يا أهلاً يا بنتي.. البقاء لله في أمك.. أنا عرفت متأخر للأسف وكنت بره مصر.. أمك كانت ست بعشر رجال يا ندى، وشيلت السر وحمتك بعينيها طول العمر.. طمنيني عنك، فيه حاجة حصلت؟ عشان فاطمة الله يرحمها قالت لي يوم ما ندى تتصل بيك، اعرف إن الكلاب حاصروها!» الكلمة قطعت شكوكي تماماً.. الراجل ده مش مجرد اسم في أجندة، ده الشرف اللي أمي سابتهولي سند في الظلمة. قُلت له بكل تفاصيل الليلة: طرد طارق وأهله، تهديد توفيق الجبلي والرجالة بتوعه، مكالمة طارق الأخير وعرض المليون جنيه، والورقة المقطوعة، وسلسلة أمي والمفتاح الفضي اللي فتح سر
وعقد أرض السوق. القائمة romany بحث عن حكايات امانى السيد 2 الرئيسية/روايات وقصص روايات وقصص حكايات نرمين عادل 2 منذ 20 ساعة 14 دقائق سمعني اللواء حمزة بدون ما يقطعني بنقطة واحدة.. ولما خلصت، قال بصوت هادي يرعب من كتر ثقته:
– «سمعيني كويس يا ندى.. طارق وتوفيق الجبلي وأمه صفية، دول مش مجرد ناس طمعانين في بيت.. دول شبكة تزوير واستيلاء على أراضي الدولة والأوقاف في وسط البلد والمعادي من التسعينات.. أبوكِ عبد الحميد اكتشف إن العقود اللي توفيق الجبلي بيبني بيها أبراج هي عقود مزورة، وإن العقد الأصلي لأرض السوق كلها كان تحت إيده.. ولما رفض يبيعه أو يدخل معاهم في اللعبة، صفّوه.. وغطوا على الجريمة كأنها حادثة عربية عادية.» دقات قلبي زادت، واللواء كمل:
– «أمك فاطمة أذكيك من إنها تبلغ وقتها وهي لوحدها ومعاها طفلة صغيرة اللي هي أنتِ.. آثرت الخفاء واستحملت الفقر وشقا الفول والطعمية وخبّت العقد والأوراق في مكان ما يوصلوش له، وحاطت طارق في طريقك عشان تشوفي بنفسك حقيقته وتكشفيهم وهم فاكرين إنهم بيلعبوا بيكي!» – «طب والعمل يا سيادة اللواء؟» سألته بلهفة، «توفيق هدد إنه هيحرق البيت والمحل بكرة العصر لو ما سلمتلوش اللي تحت البلاطة!» رد اللواء حمزة بضحكة واثقة:
– «بكرة العصر؟ ممتاز.. هما فاكرين إنك خايفة وقاعدة في البيت بتدوري على مخرج.. وده السر اللي هنلعب بيه! أنتِ مش هتستني بكرة العصر يا ندى.. أنتِ هتنزلي المطعم القديم النهاردة بالليل.. الفجر بالظبط! تفتحي بلاطة الفرن بالمفتاح الفضي، وتطلعي الصندوق اللي تحتيها.. وأنا هكون مستنيكي هناك مع رجالتي!» – «المطعم؟» قُلت بدهشة، «المطعم مقفول من يوم وفاة أمي والمنطقة هناك بتنام من بعد نص الليل!»




