
– «ده المطلوب بالظبط.. حركة الفجر هي الحركة الوحيدة اللي مش هيتوقعوها.. هما مراقبين البيت هنا في المعادي وفاكرين الأوراق جواه، ومش حاطين في حساباتهم إنك معاكي المفتاح أو إنك عارفة مكان البلاطة الصح.. يلا يا ندى.. البسي هدومك، وانزلي من الباب الخلفي للبيت اللي بيطلع على الممر الجانبي.. عم سيد البواب مستنيكي هناك وعارف هيعمل إيه.» قفلت مع اللواء حمزة، وحسيت بنار بتسري في جسمي.. الخوف المريض اتلاشى تماماً وحل محله رغبة قاطعة في إنهاء المهزلة دي وإرجاع حق فاطمة وعبد الحميد.
ارتديت عباية سوداء خفيفة، وربطت شعري، وحطيت المفتاح الفضي جوه إيدي، ومعاه تليفوني.. وطلعت من الباب الخلفي للجنينة في الظلام.. لقيت عم سيد البواب واقف مستنيني ومجهز تاكسي قديم تبع واحد صاحبه. ركبت التاكسي.. وفي الطريق لوسط البلد، كانت شوارع القاهرة فاضية وهادية.. بس جوايا كانت حرب شتعلة! وصلنا الشارع القديم.. شارع “المبيضة” في وسط البلد.. الدكاكين كلها مقفولة، والأنوار خافته، والمطعم بتاع أمي واقف كأنه شواهد شاهدة على السنين.. محفور على لافتته الخشبية القديمة: «مطعم الأمانة – فاطمة وعبد الحميد».
نزلت من التاكسي بحذر.. مسكت المفتاح الكبيرة وبدأت أفتح القفل المصدي للشراعة الحديدية للمحل.. صوت صرير الحديد كان بيتردد في الشارع الفاضي زي نداء البعث.. فتحت الباب ودخلت، وريحة الفول المحمص والبهارات القديمة والمكان المكتوم ضربت في مناخيري.. ريحة أمي! القائمة romany بحث عن اكتشفت حكايات رومانى مكرم 2 الرئيسية/روايات وقصص روايات وقصص حكايات نرمين عادل 2 منذ 20 ساعة 14 دقائق شغلت كشاف التليفون.. واتجهت فوراً للمطبخ الداخلي.. الفرن البلدي القديم المبني من الطوب الأحمر كان واقف في الزاوية.. نزلت على ركبي، وبدأت أزيح التراب والصاج القديم اللي مغطي البلاطة اللي جنب القاع.
ولقيت البلاطة! بلاطة رخام سوداء، متفاوتة عن باقي بلاط الأرضية.. وفوقيها خرم صغير جداً بحجم المفتاح الفضي اللي في رقبتي! مسكت المفتاح، إيدي كانت بتهتز بسيط، وحطيته في الفتحة.. ولفيته! «تِك».. صوت ميكانيكي واطي صدر من تحت الرخامة، والبلاطة اترقعت لفوق سنتيمترات! رفعت البلاطة بإيدي.. وتحتيها لقيت التجويف! صندوق حديدي أسود صغير، متغطي بقماش خيش قديم لحمايته من الرطوبة.. مسكت الصندوق ورفعته.. كان ثقيل، بس قبل ما ألحق أفتحه أو أطلع بيه.. سمعت صوت خطوات رجالة بتدخل المحل بسرعة!
صوت تصفيق بطيء وبارد قطّع هدوء المكان: – «برافو يا ندى.. والله وبقيتي شاطرة بتسمعي الكلام وتنفذي في الوقت المناسب!» تجمّدت في مكاني.. لفيت كشاف التليفون ناحية الصوت.. كان واقف عند باب المطعم طارق جوزي.. وجنبه الحاجة صفية لافة شال أسود على رأسها وعينيها بتلمع بشر.. وجنبهم المعلم توفيق الجبلي بكرشه الضخم وعصايته الأبنوس، ووراه تلات رجالة مدججين بالسلاح! ابتسم طارق ابتسامة نذالة وقرب خطوات: – «فاكرة إنك أذكى منا يا ندى؟ فاكرة إننا سيبناكي تمشي من المعادي من غير ما نكون حاطين جهازم تتبع في عربية التاكسي بتاعة عم سيد البواب الخاين؟»
الحاجة صفية زغردت بصوت خافت ومستفز: – «الله أكبر! الحمد لله اللي أظهر الحق! هاتي الصندوق يا حلوة بجدعنة كده، عشان ما تروحيش لأمك فاطمة وأبوكِ في نفس التربة الليلادي!» توفيق الجبلي قدم خطوة، ورفع عصايته وشاور بيها عليا: – «سلمي الصندوق يا بنت عبد الحميد.. العقد ده حقي وحق نسلي.. وأنتِ مالكيش فيه غير رصاصة تسكتك للأبد لو عصلجتي!» بقيت محاصرة جوه المطبخ الضيق.. الصندوق الحديدي في إيدي، والقتلة قدامي.. وطارق واقف يضحك بشماتة وكأنه بيشوف مسرحية!
بس في اللحظة دي بالظبط.. وقبل ما أي حد منهم يخطو خطوة ثانية للمطبخ.. اتفتحت الشبابيك الخشبية العليا للمطعم بعنف! وأنوار كشافات هائلة وعالية جداً ضربت في وشوشهم وعمت عينيهم تماماً! وصوت ميكروفون قوي هز المنطقة كلها وصداه رج أركان الشارع: – «اثبت مكانك أنت وهو! المكان كله محاصر! المباحث العامة والعمليات الخاصة.. أي حركة هتتصفوا في مكانكم!» توفيق الجبلي اترمى لورا من الصدمة.. وطارق وشه بياض كأنه ميت، ورجليه لم تعد تشيله وقعد على الأرض.. والحاجة صفية بدأت تصوت وتدعي وتلطم على وشها!
دخل اللواء حمزة العطار من الباب وهو ماسك طبنجته، ووراه عشرات من رجال الشرطة والعمليات الخاصة اللي انتشروا في المحل وسيطروا على الرجالة المسلحين في ثواني! قرب اللواء حمزة مني، ومد إيده وساعدني أقوم من على الأرض، وبصلي بابتسامة فخر: – «عفارم عليكي يا ندى.. وقفتي ثابتة زي أمك فاطمة بالظبط!» بصيت لطارق وهو بيتربط بالكلبشات مع أمه وتوفيق الجبلي.. كان باصص لي بعيون مليانة توسل ورعب، وبيحاول يتكلم: – «ندى! ندى سامحيني! أنا اتخدعت.. أمي وتوفيق هما اللي أجروني وغصبوا عليا! ندى اعفي عني!»
بصيت له بكل قرف وازدرء، وقُلت له بثبات يسحق كبرياءه: – «أنت مش اتخدعت يا طارق.. أنت بعت ندوك وعشت خاين وشغّال عند اللي يسوى والمال.. والحساب النهاردة مش حساسي أنا.. الحساب ده حق دم أبويا وسنين قهر أمي فاطمة!» اقتادوهم كلهم بره المحل وسط ذهول أهل المنطقة اللي بدأوا يتجمعوا على الصوت.. مسكت الصندوق الحديدي، وفتحته بالمفتاح الفضي قدام اللواء حمزة.. وجوه الصندوق، لقيت العقد الأصلي لأرض السوق والمحلات.. ومعه شريط تسجيل قديم (كاسيت) مكتوب عليه بخط أمي: “اعترافات وتدابير توفيق الجبلي وسطوته”.
بس وأنا بطلع الشريط.. لقيت ورقة مطوية ثالثة وأخيرة تحت العقد.. ورقة مكتوبة بدموع ورعشة إيد أمي قبل ما تمو.ت بأيام.. فتحت الورقة وقرأت المكتوب فيها، وفي اللحظة دي.. العقد والشريط وقعوا من إيدي على الأرض من هول الصدمة! الورقة ما كانتش عن توفيق الجبلي.. ولا عن أرض السوق.. الورقة كانت بتكشف السر الأكبر والأخطر اللي أمي خبته عن العالم كله.. سر يخص ندى نفسها وحقيقة نسبها للبيت ولعائلة عبد الحميد وفاطمة!




