
في تلك الأثناء، وفي شقة فاخرة في حي راقٍ، كان حسام يجلس خلف مكتبه الخشبي العتيق، يدخن سيجارته ببطء شديد، وعيناه متسمرتان على خزينة حديدية مفتوحة أمامه. كان يتصفح أوراقاً صفراء قديمة؛ إنها وصية والده المتوفى منذ ثلاثة أعوام.
لم يكن سر حسام مرضاً ولا امرأة أخرى.. بل كان الشَرط المظلم الذي وضعه والده في الوصية: “تؤول جميع العقارات والشركات وأسهم البنوك للابن حسام، بشرط أن ينجب ولداً ذكراً يحمل اسم العائلة قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره، وفي حال عدم إنجابه ذكراً أو عدم قدرته على الإنجاب، تتوزع نصف الثروة على الجمعيات الخيرية والنصف الآخر يذهب لأعمامه وأولادهم.”
كان حسام يدرك سرّه الخفي الذي خفاه عن الجميع حتى عن مريم: هو بالفعل كان يعلم قبل زواجه بضعف شديد في عيّناته يجعل نسبة الإنجاب شبه مستحيلة، وكان قد أجرى جراحة سرية في الخارج للتعافي، لكنها نجحت بنسبة ضئيلة جداً. عندما حملت مريم بالولد، استشاط حسام خوفاً وشكاً في البداية، ولكنه عندما تأكد طبياً أن المولود ابنه بالفعل وأن الجراحة القديمة أثمرت، أدرك أنه حقق شرط الوصية وضمِن الثروة التي تقدر بعشرات الملايين.
لكن لماذا أرد الربط؟ ولماذا اتهام النسب الآن؟ لأن حسام، بجشعه الشيطاني، اكتشف ثغرة قانونية جديدة! لو أثبت أن هذا الطفل هو ولده الوحيد، ثم أجرى لمريم عملية الربط، لضمن ألا تزاحمه أي ذرية أخرى مستقبلاً في تقسيم باقي ممتلكاته الشخصية، ولأصبح الطفل هو الوارث الوحيد له دون منازع! أما عندما أفشلت مريم خطة الربط وكشفت مؤامرته في المستشفى، أدرك أن كبرياءها وقوتها ستدفعهما للطلا.ق فوراً، وحينها ستطالبه بنفقة خيالية، مؤخر صداق، وشقة الزوجية، وستشاركه في إدارة ثروة الطفل بصفتها وصية عليه!
لذا، قرر حسام أن ينفذ “الخطة البديلة”: ضر.ب سمعة مريم، إقامة دعوى نفي نسب لتجريدها من أي حقوق مالية، واستخدام التقرير الطبي القديم (الذي استخرجه قبل جراحه الناجحة) للضغط عليها للتنازل عن كل شيء.. عن المؤخر، والشقة، والنفقة، وحتى الحضانه، مقابل أن يسحب البلاغ ولا يلوث سمعتها أمام المحاكم! كان يراهن على خجل مجتمعي وانهيار امرأة خائفة في نفاسها. مرت الـ 48 ساعة على مريم كأنها دهر من العذاب. كانت ترفض النوم، وتجلس في سريرها تحتضن طفلها الصغير الذي أطلقت عليه اسم “ياسين”. كان محمود قد أجرى اتصالاته بأكبر المحامين، واستدعى طبيباً استشارياً ليطلع على الحالة الشاملة.
في صباح اليوم الثالث، تم نقل مريم في سيارة إسعاف مجهزة إلى مصلحة الطب الشرعي بوسط القاهرة، برفقة محمود ورجال الشرطة. كانت مريم ترتدي عباءة سوداء، وجهها كالإصبع المكسور شحوباً، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق غريب.. بريق الأم التي تحارب من أجل بقاء طفلها وكرامتها. عند وصولهم إلى مبنى الطب الشرعي، كانت المفاجأة الصارخة بانتظارهم. كان حسام يقف عند مدخل المبنى، برفقة محاميه الشهير، يرتدي بدلة أنيقة، ويبدو عليه الهدوء والصلابة. عندما رأى مريم تتكئ على شقيقها وتحمل ياسين، تقدم بخطوات بطيئة، وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه.
وقف حسام أمام محمود ومريم، وقال بصوت منخفض ومسموم: * “منورة يا مريم.. مكنتش أتمنى أشوفك في المكان ده، بس أنتِ اللي اخترتِ الطريق الصعب. لو كنتِ سمعتِ الكلام في المستشفى الأولاني ووافقتِ على الربط وسترنا على بعض، مكنش زماننا وافقين قدام الطب الشرعي والناس بتتفرج علينا.” قفل محمود قبضته وكان على وشك أن يهوي بها على وجه حسام، لكن مريم وضعت يدها المرتجفة على ذراع أخيها لمنعه. نظرت مريم في عيني حسام مباشرة، وقالت بنبرة قطعت كل خطوط الراجعة:
* “أنت فاكر إنك بتهددني بالقرف ده يا حسام؟ أنت فاكر إني هخاف على سمعتي وأجي أترجاك تتنازل؟ أنا جاية هنا برجلي وأنا مرفوعة الرأس، عشان أنا عارفة شرفي كويس.. بس أنت اللي مش هتعرف تداري سواد قلبك لما النتيجة تطلع.” اقترب محامي حسام وقال بلؤم: * “يا مدام مريم، الأستاذ حسام راجل رحيم، وممكن نتنازل عن المحضر حالاً ونحل الموضوع ودي.. تنازلي عن مؤخرك وعن شقة الزوجية ونسقّط الحقوق، وهو يسحب القشية وتعيشي مع ابنك هادية بعيد عن المحاكم والفضايح.”
هنا وضحت اللعبة بالكامل لمريم ولمحمود! ضحكت مريم ضحكة أليمة، مليئة بالحسرة والاشمئزاز: * “آه.. قولوا كده بقى! اللعبة كلها عشان الفلوس والبيت؟ تبيع شرفك ورجولتك وتتهم مراتك في عرضها عشان شوية قرشين وشقة؟ يا خسارة الرجولة اللي كانت فيك!” تدخل الطبيب الشرعي ونادى على الأسماء. دخل الجميع إلى غرفة الفحص وسحب العينات. تم أخذ عينة دم ومسحة جينية من مريم، ومن الطفل الرضيع ياسين، ثم أُدخل حسام لسحب عينته هو الآخر.
كان حسام يبتسم بثقة شيطانية أثناء سحب العينة، لأنه كان يعتقد أن التقرير الطبي الذي قدمه عن عقمه السابق سيخلق إرباكاً قانونياً يستغرق أشهر، وربما سنوات في المحاكم، مما ينهك مريم ماليًا ونفسيًا ويجبرها على الاستسلام والقبول بالتسوية. لكن حسام لم يكن يعلم أن محمود لم يكن يجلس مكتوف الأيدين خلال الـ 48 ساعة الماضية! أثناء وجودهم داخل أروقة الطب الشرعي، دخل رجل مسن يحمل حقيبة جلدية سوداء.. كان هذا الرجل هو الدكتور “فاروق”، الاستشاري الكبير الذي أجرى لحسام جراحة العقم السرية قبل عامين في مستشفى خاص بالإسكندرية!




