روايات

الشهر التاسع حكايات روماني مكرم

  محمود، بذكائه وبحثه المستميت عن سر حسام، كان قد فتش في أوراق حسام القديمة في الشقة بمساعدة بواب العمارة الذي كان يحتفظ بنسخة من مفاتيح المكتب، ووجد إيصال تحويل مالي قديم باسم ذلك الطبيب. تواصل محمود معه، وهدده بالإبلاغ عن التستر على جراحات غير مسجلة إذا لم يأتِ لشهادة الحق أمام النيابة والطب الشرعي.   عندما رأى حسام الدكتور فاروق يدخل الممر، ارتبك للمرة الأولى. تغير لون وجهه، وتساقطت قطرات العرق على جبهته:

  * “دكتور فاروق؟! أنت بتعمل إيه هنا؟”   تقدم الدكتور فاروق ونظر إلى حسام بأسف شديد وقال:   * “أنا جاي أصلح غلطة سكت عليها يا حسام.. أنت جيتلي من سنتين وعملتلك العملية والحمد لله نجحت، وأنا بنفسي سلمتك التقرير اللي بياكد إنك بقيت قادر على الإنجاب بنسبة طبيعية! استغلالك للتقرير القديم بتاع العقم اللي كان قبل العملية جريمة تودي السجن، وأنا مش هضيع تاريخي الطبي عشان أطمعك وجشعك!”

  ساد الصمت في الممر كأن على رؤوسهم الطير. انهارت ثقة حسام الفولاذية في لحظة واحدة. تحولت نظرات التحدي في عينيه إلى رعب قاتل. المحامي الذي كان يرافقه تراجع خطوتين للوراء، مدركاً أن القض.ية لم تعد مجرد نزاع أحوال شخصية، بل تحولت إلى جريمة بلاغ كاذب وتزوير وشروع في التشهير.   نظر الطبيب الشرعي إلى الأوراق الجديدة التي قدمها الدكتور فاروق، ثم نظر إلى حسام وقال بنبرة صارمة:  

* “التقرير ده هيترفق فوراً في ملف النيابة مع عينات الـ DNA.. والنتيجة المبدئية للبصمة الوراثية هتبان خلال ساعات مع العينات العاجلة. بس التقرير ده وحده كفيل يقدمك للمحاكمة بتهمة بلاغ كاذب والتزوير في أوراق رسمية!”   استدارت مريم نحو حسام، وكانت تمسك بطرف دثار طفلها ياسين. لم تعد تنظر إليه بخوف أو بحزن، بل بنظرة احتقار لم يرَ لها مثيلاً من قبل. وقفت باعتدال وقالت له بصوت هز أرجاء الممر:

  * “كنت فاكر إنك راجل البيت وشجاع لما قلت لي كلمتك هي اللي تمشي؟ أنت طلعت أصغر بكتير من إنك تكون راجل أو تكون أب.. ابنك ده هيتربى في عز عيلتي، وهيسمع عنك إنك مجرد كابوس مر في حياة أمه وهي مسحته برجلها!”   حاول حسام التحدث، محاولاً التلعثم بكلمات دفاعية، لكن محمود تقدم خطوة واحدة ووضع يده على صدر حسام ودفعه للخلف بقوة:   * “ولا كلمة يا خاين! الكلام الجاي بيننا هيكون في النيابة وقاعة المحكمة.. وأقسم بالله هخليك تلف حوالين نفسك عشان تشم ريحة ابنك مش تشوفه!”

  خرجت مريم من مبنى الطب الشرعي مرفوعة الرأس، تمشي بخطوات ثابتة رغم ألم الجراحة، والشمس تشرق على وجهها وعلى وجه طفلها الصغير ياسين. كانت تعلم أن هناك جولات قادمة في المحاكم، وأن المعركة القانونية لاسترداد حقوقها وتلقين حسام الدرس الذي يستحقه قد بدأت للتو، لكنها لم تعد خائفة. لقد كشفت المؤامرة، وأنقذت جسدها، وحمت شرف ابنه، وأثبتت لجميع أن قوة الأمومة والكرامة أعتى من كل حيل الجشع والغدر.  

خرجت مريم من بوابة الطب الشرعي والهواء النقي يلفح وجهها، يشوبُه شعور بالانتصار المبدئي، لكنه كان انتصاراً مغلفاً بمرارة المعركة. كان ياسين نائماً بين يديها في طمأنينة ملائكية، لا يدري أن اسمه ودمه كانا على محك الشبهات قبل ساعات قليلة. اتجهت مع محمود إلى السيارة، وحين استقرت في المقعد الخلفي، انهارت القوة الصورية التي تجملت بها أمام حسام، وسالت دموعها حارة على وجنتي طفلها.   كان محمود يراقبها من مرآة السيارة الأمامية، ونبرة الغضب في صوته تحولت إلى حنان أخوي صادق:

  * “بتعيطي ليه يا مريم؟ ده النهاردة يوم عزك.. الحقيقة ظهرت، والدكتور فاروق قفل في وشه كل أبواب المكر، والنيابة هتقلِب السحر على الساحر.”   ردت مريم وهي تمسح دموعها بطرف شالها:   * “مش بعيط ضعف يا محمود.. أنا بعيط على السلسلة اللي كنت فاكراها أمان وبقت قيد. بعيط على سنة من عمري عيشتها مع بني آدم مريض بالجشع، مستعد ينهي أنوثتي، ويرمي شرفي، ويرفض ابنه، عشان شويه عقارات وفلوس وصية! أنا خايفة من اللي جاي.. خايفة من شره، اللي يعمل كده مش هيسكت يا محمود.”

  شدد محمود قبضته على عجلة القيادة، وقال بنبرة جازمة:   * “اللي جاي ده بتاعي أنا والمحامين.. أنتِ مهمتك الوحيدة دلوقتي تقومي بالسلامة وتربي ياسين. حسام دخل جحر النمل ورجله اتزنقت، واللي يفتكر إن القانون والعائلات لعبة، هيدفع التمن غالي.”  

في هذه الأثناء، كان حسام يقف أمام المبنى كالتمثال المسخ، وحيداً بعد أن انسحب محاميه الخاص معلناً تنحيه عن القض.ية تجنباً للورط في تهمة التزوير والبلاغ الكاذب. كان حسام يشعر بالرعب يسري في أوصاله؛ فالتقرير الذي قدمه الدكتور فاروق للطب الشرعي لم يكن مجرد ورقة، بل كان قنبلة موقوتة ستحوله من “مجني عليه يدعي الخيانة” إلى “متهم بجريمة بلاغ كاذب وتشهير وتزوير”.   دخل حسام سيارته بغضب عارم، وضغط على عجلة القيادة بكفيه حتى ابيضت مفصله. اتصل فوراً بشقيقته “نجوى”، الوحيدة التي كانت تعلم ببعض تفاصيل مخططاته.

انت في الصفحة 6 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى