روايات

أنا متجوز ومخلف اتنين

وصلت قدام مستشفى الأمراض النفسية اللي محجوزة فيها، نزلت من العربية ورجلي تقيلة زي الرصاص. كنت محتاج أواجه الدكتور، محتاج أعرف مخرجي القانوني من الورطة دي إيه قبل ما أعلن إفلاسي أو أتسجــ,,ـــــن. دخلت الاستقبال، ريحة المعقمات الباردة وصوت البيبان الحديد اللي بتتقفل برهبتها فكروني بحجم المستنقع. سألت عن دكتور النبطشية اللي استلمها الفجر، قالولي إنه في مكتبه. خبطت ودخلت، رفع عينه من الورق وبصلي من فوق النظارة: “خير يا أستاذ؟ دبرت علاج المدام ولا جاي تمضي إقرار الحجز على نفقتك الخاصة؟”

قعدت على الكرسي قدامه، ورميت المفاتيح على المكتب بإيد مهدودة: “يا دكتور.. أنا اتنصب عليا، أنا معرفش البنت دي غير من شهرين، وأهلها غشوني ولبسوني وصولات أمانة، ومقدرش على مصاريف الحقن دي ولا مليم! قولي بصراحة.. قانوناً، إزاي أخرج نفسي من الحكاية دي قبل ما توديني في داهية؟” الدكتور قلع النظارة وحطها على المكتب بهدوء، بصلي بملامح باردة مفيهاش أي دهشة؛ واضح إنه شاف السينــ,,ـــــاريو ده مية مرة قبل كده في نفس الأوضة.

“بص يا أستاذ.. المشاعر والشكاوى دي مكانها برة، هنا إحنا بنتعامل بورق وقانون.” شاور بصباعه على الملف اللي قدامه وكمل: “أولاً: المريضة حالياً تحت تأثير مهدئات قوية بتكفيها ٢٤ ساعة بس، بعد كدة يا توفر علاجها الخاص، يا تترحل لمصحة حكومية بقرار من النيابة العامة.. ومفيش مصحة حكومية هتقبلها إلا بتقرير طبي شرعي ومسؤولية قانونية من ولي أمرها أو جوزها.” بلعت ريقي وسألته بلهفة: “طب وأهلها؟ هما اللي سابوها وهربوا، أرميها عليهم!”

“قانوناً، إنت جوزها والمسؤول الأول عنها قدام المستشفى من ساعة ما مضيت على إقرار الدخول الصبح.. لو عايز تخرج من المسؤولية الجنائية دي، قدامك سكة واحدة ملهاش تاني: تطلع فوراً على قسم الشرطة، تفتح محضر إثبات حالة بغش وتدليس في عقد الزواج، وتقدم تقارير حجزها القديمة اللي هنا، وتثبت إنها كانت بتتعالج قبل ما تتجوزك وإن أهلها خفوا عنك مرضها العقلي.” سكت الدكتور لثانية وبصلي بنظرة ذات مغزى:

“لكن خليك واعي.. الخطوة دي معناها إنك هتعلن الحرب رسمي على أهلها، والمحضر ده هيخلي النيابة تتدخل، ووقتها لو هما معاهم عليك وصولات أمانة زي ما بتقول، هيحركوها في نفس اللحظة وهتبقى ق.ضية قدام ق.ضية.. يعني سباق مين يكسر التاني الأول في المحاكم.”

قمت من على الكرسي وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر من الحسبة.. سكة النيابة والمحاضر هتدخلني في نفق مظلــ,,ـــــم ومصاريف محامين وتهديد بالحبس بسبب الوصلات، وسكة السكوت معناها إني هفضل أنزف فلوس في علاج مش هقدر عليه لبنت ممكن ت.ني في أي لحظة، وفوق ده كله، بيتي الأصلي وأم ولادي على بعد ساعات من إنها ترفع عليا قضايا نفقة وتبهدلني! خرجت من المستشفى ووقفت في الشارع تحت الشمس الحارقة، بصيت في تليفوني.. لقيت رسايل من البنك بتفكرني بالقسط اللي عليا، ورسالة تانية من محامي مراتي محدد ميعاد لجلسة ودية بكرة الصبح كفرصة أخيرة قبل ما ينزل المحاضر.

عرفت إن مفيش وقت للتردد، وإن اللف والدوران هو اللي وصلني لهنا. مسكت التليفون ورنيت على محامي مراتي.. صوتي كان ناشف ومفيش فيه ذرة من الضعف اللي كان فيا الصبح: “ألو.. أستاذ حازم؟ أنا موافق على كل طلبات أم العيال.. بس محتاجك تقابلني الليلة دي بالذات، مش عشان نتفاوض في حقوقها، عشان أنا هسلمك ملف الكارثة كله، وإنت اللي هترفعلي ق.ضية الغش والتدليس ضد النصابين دول.. ماليش ضهر قانوني يقف قدام وصولات الأمانة غيرك، ولو أنا اتسجــ,,ـــــنت، مفيش مليم هيوصل لولادي.”

الخط سكت من الناحية التانية لثواني، حسيت فيها بنبضات قلبي بتدق في وداني.. وبعدين صوت المحامي طلع، هادي ومحسوب بالمللي: “هستناك في مكتبي الساعة تمانية بالدقيقة، ومعاك كل ورقة تثبت كلامك؛ الروشتة، أرقام تليفوناتهم، وتاريخ دخولها المستشفى القديم. بس خليك عارف.. أنا وكيل أم ولادك الأول، وكل كلمة هتقولها عندي هتبقى بعلمها وتحت نظرها.” “موافق.. على كل اللي تقوله موافق.” قفلت الخط وأنا بتنفس بصعوبة، كأني رميت نفسي من فوق جبل وبستنى أشوف هقع على إيه.

الساعات اللي فضلت لحد ميعاد المكتب كانت أطول ساعات عدت عليا في حياتي؛ قاعد في العربية راكن على جنب في شارع هادي، بشرب سجاير ورا بعض، وبسترجع كل ثانية: اليوم اللي صاحبي قعد فيه ينفخ في وداني ويقولي “الراجل ميعيبوش غير جيبه، عيشلك يومين بدل الروتين اللي إنت فيه”.. ويوم ما دخلت بيتهم وشوفتها قاعدة بتبتسم في خجل مصطنع، وعينيها اللي افتكرتها براءة وطلعت غياب كامل عن الوعي بفضل المهدئات اللي كانوا داحشينها في بطنها عشان تعدي الليلة وتتلزق في رقبتي.

الساعة بقت تمانية إلا خمسة، طلعت عمارة المحامي في الدقي. رجلية كانت متبنجة وأنا طالع على السلم، دخلت المكتب والسكرتيرة دخلتني فوراً. كان قاعد وراه مكتب خشب كبير، راجل في الخمسينات وشه صارم، ونظارته مدلدلة على طرف مناخيره. شاورلي على الكرسي من غير حتى ما يمد إيده يسلم، وقبل ما أنطق بحرف، الباب الجانبي للمكتب اتفتح.. ودخلت هي! مراتي.. أم ولادي.

انت في الصفحة 5 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى