روايات

أنا متجوز ومخلف اتنين

لابسة طرحتها السودا، وشها مهدود وحوالين عينيها هالات سودا باين منها قهر الليل كله، بس واقفتها كانت مصلوبة، مفيهاش ذرة انكسار قدامي. قعدت على الكرسي اللي على يميني، بعيد عني كأني مش موجود في الأوضة أصلاً، عينيها مثبتة على المحامي. “أستاذة منى فضلت تحضر بنفسها عشان الكلام يبقى على بياض قدام الكل،” المحامي هو اللي اتكلم وهو بيفتح دوسيه فاضي، “هات اللي عندك يا أستاذ.. من طقطق لسلامو عليكم.”

طلعت من جيبي التقرير الطبي، وروشتة الحقن، وورقة صغيرة كنت كاتب فيها كل مليم دفعته من يوم ما شوفت البنت لحد اللحظة دي، وحطيتهم على المكتب بإيد بتترعش. حكيت كل حاجة بالتفصيل.. من أول زن صاحبي، لكتب الكتاب، للوصولات اللي مضيتها على بياض “عشان أطمن قلب أبوها”، لليلة الرعب والس.كينة، ومواجهة الفجر مع أهلها وتهديدهم ليا في وسط بلدهم. طول ما أنا بتكلم، منى مكنتش بتبصلي، بس كنت سامع صوت صوابعها وهي بتفرك في شنطتها بعصبية مكتومة، وكل ما أذكر تفصيلة فيها هوان وابتزاز، وشها كان بيتشد أكتر.

المحامي سند ضهره لورا بعد ما قلب في الورق، ونفخ بنفاذ صبر: “وصولات أمانة على بياض؟! إنت سلمت رقبتك لعصابة رسمي يا أستاذ! دي لعبة بيعملوها ناصبي الأرياف لما تكون عندهم بلوة وعايزين يلبسوها لمغفل.. يكتبوه على بياض عشان لو فكر يشتكي أو يطلق، يلووا دراعه بحبس أمانة ويخلوه يصرف عليها وهو مدلدل ودانه!” حطيت راسي بين كفوفي وعيني دمعت من غير ما أحس: “أنا عارف إني غلطت.. وراضي بأي عقاب من أم ولادي، بس ينقذوني من الحبس عشان أعرف أشتغل وأصرف على عيالي.. هما هينزلوا الوصلات دي النيابة، وأنا مش حمل سجــ,,ـــــن!”

الصمت خيم على الأوضة، صمت تقيل يخنق. فجأة، سمعت صوت كرسي منى بيتحرك. رفعت راسي لقيتها بتبصلي لأول مرة من ساعة ما دخلت، نظرة حارقة مليانة وجع وقرف، بس كان فيها حزم غريب. بصت للمحامي وقالت بصوت قاطع زي السيف: “أنا مش عايزاه يدخل السجــ,,ـــــن يا أستاذ حازم.. مش عشانه، عشان ولادي ميعيشوش معيرين بإن أبوهم رد سجون ونصابين حطوا عليه.. إحنا هنكسر عين النصابين دول، وهنخليهم يقطعوا الوصلات دي بإيديهم!”

كلمتها شقت الصمت زي الرصاصة، بصتلها بذهول وأنا مش مصدق إن الست اللي كسرت قلبها الصبح هي اللي واقفة بتفكر تنقذ رقبتي من حبل المشنقة بالليل، مش حب فيا.. لكن حــ,,ـــــرقة على كرامة عيالها واسمهم. المحامي عدل نظارته، وبصلها باهتمام وابتسامة مكر بدأت تترسم على وشه: “ودماغك فيها إيه يا مدام منى؟” حطت شنطتها على طرف المكتب، وقربت خطوة لقدام، صوتها كان هادي بس مليان غل وذكاء ست مصرية مفروسة:

“العصابة دي دخلت البيت من باب الطمع، وميتكسروش غير بالفضيحة والقرش. هما مفكرين إنهم ماسكــ,,ـــــين دراعه بالوصلات، ومش عاملين حساب إن عندهم بنت مجنونة في مستشفى حكومي متسجلة باسمهم قبل ما تتسجل باسمه، ومعاهم شريك واطي اللي هو صاحبه.. والصاحب ده هو أول خيط هيتكر منه التوب كله.” لفت وشها ليا وبصتلي بقرف، كأنها بتديني أوامر عسكرية: “إنت هتقفل بؤك ده خالص من هنا ورايح، تليفونك ميردش على حد منهم.. أستاذ حازم هيتحرك في سكتين في نفس الدقيقة.”

المحامي هز راسه مكمل كلامها وهو بيخبط بقلمه على الملف: “بالظبط.. السكة الأولى: بلاغ رسمي للنائب العام بتهمة التدليس والنصب وتكوين تشكيل عصابي لابتزاز المواطنين، ونطلب ضم ملف البنت الطبي من المستشفى القديمة اللي كانت محجوزة فيها، وده هيثبت سوء النية وإخفاء عيب جوهري يفسخ عقد الجواز باطلاً من أوله.. والسكة التانية، والأهم: تحريات المباحث حول واقعة تسليم إيصالات الأمانة.” بصيت للمحامي وسألته برعب: “بس الوصلات على بياض ومعاهم يا متر! لو ملوا الأرقام ونزلوها النيابة هتسجــ,,ـــــن على طول!”

رد المحامي ببرود وثقة: “الطعن بالتزوير والصلب كفيل يوقف أي حكم لحد ما الطب الشرعي يثبت إن التوقيع كان على بياض في تاريخ مختلف عن كتابة صلب الإيصال.. ده غير إننا هنستدعي ‘صاحبك’ كشاهد في واقعة النصب، ونحشره في البلاغ كمتواطئ ومحرض ومستفيد، وساعتها لما يلاقي رجليه هتدخل السجــ,,ـــــن مع حماه، هو أول واحد هيبصق في وشهم ويضغط عليهم يسلموا الورق عشان ينجد رقبته!” سكت المحامي لحظة، وبص في ساعته، وبعدين بص لمنى:

“والبنت اللي في المستشفى يا مدام؟ الدكتور مش هيسيبها أكتر من الليلة دي.” منى رجعت شعرها لورا بنَفَس طويل، وقالت وهي بتبص في الفراغ: “تتحول للطب الشرعي بمعرفة النيابة.. يتعملها إيداع رسمي في مصحة الأمراض النفسية على نفقة الدولة أو أهلها بقرار قضائي، وتتسحب ولايته عنها تماماً بحكم فسخ الجواز.. تترمي مطرح ما كانت، عشان هو ملوش يد يشيل شيلة غيره، ولا هسمح لقرش من شقى عيالي يروح على مهدئات لواحدة أهلها تاجروا بيها.”

قامت وقفت، ولمت شنطتها واستعدت تمشي. وقفت مكاني مش عارف أقول إيه، لساني كان عاجز عن أي كلمة شكر؛ الشكر هنا كان هيبقى وقاحة وإهانة فوق الإهانة. قبل ما تخرج من باب المكتب، وقفت وضهرها ليا، وقالت من غير ما تبص وراها بنبرة خلت جسمي كله يقشعر: “أنا بعمل ده عشان عيالي ميعيرهمش حد إن أبوهم كان مسجون ولا عبيط اتنصب عليه.. لكن أول ما الوصلات دي تتقطع وتخرج من المصيدة دي، ورقة طلاقي هتوصلني تالت ومتلت.. سامع يا أبو العيال؟”

انت في الصفحة 6 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى