منوعات

سلفتى

حماتي بصت لهبة بذهول، ودخلت المطبخ شافت المنظر بعينها، ورجعت وهي بتبص لها بقلة حيلة وقالت إيه ده يا هبة؟ هو الفرن مش كان محروق ومستنية إبراهيم جوزك يصلحه؟ بتعملي كده ليه يا بنتي؟ هو إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ ده أم يوسف دي كانت بتشيل اللقمة من بق عيالها وتطلعها لك، وكنت دايمًا أقول حسن مراته مفيش أطيب منها ومستحملاكي زي أختها!

هبة شافت إنها خلاص وقعت في بير ملوش قرار، والكل باصص لها نظرة احتقار مفيهاش أي تعاطف، حاولت تستعطف حمايا، جريت عليه ومسكت في جلبابه وبدأت تبكي بنواح يا عمي اسمعني، والله العظيم هما فاهمين غلط، أم يوسف غيرانة مني عشان حسن بيعاملني كويس وبيسأل عليا، وهي اللي كبرت الحكاية في دماغه عشان توقع بيني وبينكم، أنا يتيمة وماليش حد غيركم، هتعملوا فيا كده عشان صينية أكل؟

حمايا زق إيدها بهدوء بس بحزم يقطع الخلف، راجل قديم وبيفهم الأصول وميرضاش بالظلم أبدا، خبط بعكازه على الأرض وقال بصوت جهوري هز الحيطان اخرسي خالص! اليتم مش معناه تغلبي وتفتري وتاكلي في لحم الناس اللي آووكي في بيوتهم. أم يوسف دي ست بيت أصيلة، شالت ابني وشالتنا في مرضنا وعمرها ما طلعت منها العيبة في حق حد في البيت ده. أنا كنت ساكت ومستني لما أشوف آخرة الدلع والوصاية اللي عمالين تعملوها، وكنت حاسس إن في حية بتلدغ في الخفا بس قولت ولاد عم ومحبش أظلم.

لكن توصل بيكي الدناءة إنك تستغلي مرض أمها، ست كبيرة نايمة في المستشفى، وتعملي عليها نمرة عشان تخلي ابن عمك يطردها من بيتها؟ التفت حمايا لحسن جوزي، وبص له بغضب أب حقيقي وانت يا مغفل! فين عقلك؟ فين رجولتك اللي بتبان على مراتك وعيالك؟ تصدق كلام وتجري تبهدل شريكة عمرك اللي بقالك معاها عشرين سنة ومشوفتش منها إلا كل خير؟ عشان مين؟ عشان حتة برام رز وصينية بطاطس؟ لو كنت راجل حكيم كنت وزنت الأمور، وكنت شوفت مراتك اللي بتجري على أمها العيانة وجيت شيلت عنها، مش تيجي تهد بيتك بإيدك عشان تسمع كلام شيطان؟

حسن نكس راسه في الأرض، كان شكله يصعب على الكافر، مكنش قادر يرفع عينه في عين أبوه ولا في عيني. الدمعة كانت محبوسة في عينه والكسوف مالي كيانه.

حمايا كمل كلامه وبص لهبة وقال بصرامة مفيهاش رجعة اسمعي يا بت، لما إبراهيم جوزك يرجع من شغله، أنا اللي هقعد معاه راجل لراجل، وهعرفه كل اللي عملتيه بالظبط، وهو اللي هيتصرف معاكي. ومن اللحظة دي، رجلك دي متخطيهاش عتبة شقة أم يوسف أبدا، ولا ليكي دعوة بأكلها ولا شربها ولا بوتجازها. عندك شقتك ومطبخك وفرنك اللي مش عاجبك، تعيشي فيه في حالك، ولو سمعت صوتك طالع ولا لمحتك بتبصي لبيتها بنظرة مش تمام، قسما بالله لتكوني عند أهلك في بلدكم ومش هتدخلي البيت ده تاني حتى لو كان تمن ده إيه.

هبة وطت راسها ودخلت أوضتها ورزعت الباب وراها من كتر الخزي، وحماتي وسلفتي التانية نزلوا مع حمايا بعد ما بصوا لي وقالولي حقك علينا يا أم يوسف، انتي أصيلة وبنت أصول ومحدش يقدر يمسك بكلمة في البيت ده. فضلنا أنا وحسن ويوسف ابني واقفين في مدخل شقتنا. يوسف بص لأبوه بحزن وعتاب شاب حس إن كرامة أمه اتهانت، ومشي دخل أوضته وقفل الباب، عشان يسيبنا لوحدنا.

حسن فضل واقف قدامي في الصالة، رقبته مطأطأة ومش قادر ينطق. البيت كان ساكت خالص، والتوتر اللي كان شاحن الجو بقى حزن تقيل يوجع القلب أكتر من الغضب. قرب مني خطوة وقال بصوت مكسور كله ندم سامحيني يا أم يوسف… أنا كنت أعمى، الغشاوة كانت على عيني عشان كنت فاكر إني بعمل بأصل أبويا وبوصيته على بنت عمه. كنت حمار وغبي، مفكرتش فيكي ولا في تعبك مع أمك، ورميت عليكي كلام زفت ميطلعش من راجل بيحب مراته وبيحترمها. حقك فوق راسي، اضـ,ـربيني بالجزمة بس متبصليش البصة دي.

بصيت له كتير، بصيت للراجل اللي عشت معاه سنين طويلة على الحلوة والمرة، عمري ما شوفت منه خيانة ولا بخل، بس كانت مشكلته الكبيرة طيبته الزايدة وتسرعه وعقله اللي كان بيتساق ورا فكرة صلة الرحم بشكل أعمى لحد ما كان هيخرب بيته بإيده.

أخدت نفس طويل وقولت له بنبرة هادية بس قاطعة زي السيف المسألة مش مسألة ضـ,ـرب ولا خناق يا حسن. المسألة إنك في لحظة صدقت فيا الوحشة، هنتني قدام أهلك وهددتني بالطرد من الشقة اللي أنا وأنت دافعين دم قلبنا فيها عشان نعملها سكن لينا ولعيالنا. نسيت إن أمي كانت في المستشفى، ومسألتنيش حتى هي عاملة إيه، كان كل همك إني مسمعتش كلام هبة ومردتش عليها طلبها السخيف.

مسك إيدي الاتنين وباسهم بلهفة وقال حقك عليا والله، أمك دي أمي وأنا هنزل أروحلها دلوقتي حالا أقبل راسها وأطلب رضاها. ومش هسيبك زعلانة، والله العظيم من اللحظة دي ما حد في البيت ده يقدر يتعدى حدوده معاكي، ولا هبة دي هتشوف وشي ولا هتكلم معاها تاني إلا في حدود السلام من بعيد لبعي

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى